عديدة هي الكتب النقدية التي قاربت الرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية، وتعددت زوايا النظر إلى هذا الجنس الأدبي الفتي المثير للجدل، حول تسميته ومدى انتمائه للأدب المغربي أو الأدب الفرنسي، بتعدد المقاربات والمناهج النقدية.
لكن ميزة كتاب «التفكير في الرواية، مقاربة تاريخية، موضوعاتية، جمالية» لعبد الله العلوي المدغري، (دار سوريا ـ 2013)، ترجمة وتقديم الناقد والمترجم المغربي ابراهيم أولحيان، هي أنه يكاد يكون المرجع الوحيد الذي أحاط بالظاهرة الأدبية، الرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية من منظور تاريخي وموضوعاتي وجمالي، وهو بهذه الصفة، يغني عن التشتت الذي قد يعانيه الدارس، بحيث يوفر متنا يمتد من خمسينيات القرن الماضي، إلى بداية القرن الحالي، كما أن التنوع في المقترب ينعكس على جودة التناول النقدي الذي يتتبع سيرورة الفن الروائي المغربي في تجليه المزدوج باللغة الفرنسية والعربية، من خلال العودة إلى فترة البدايات والتأسيس، مثلما جاء في تقديم المترجم الذي يرى أن الكتاب يأخذ على عاتقه «ولوج النصوص من بوابة سياقها الثقافي والاجتماعي (…) وهو منشغل بالمنجز النصي، وبما كان يدور حول الرواية من خطابات سياسية وثقافية تمس الأدب واللغة، وتهتم أيضا بالأحداث التاريخية والمجتمعية التي ينخرط فيها الروائي»، وهو فضلا عن ذلك «قراءة في نصوص سردية وروائية مكتوبة باللغة الفرنسية والعربية».
ويرى صاحب الكتاب أن الرواية في المغرب في بداياتها ولدت بلغة فرنسية، لغة المستعمِر، وهي بالتالي ناطقة بلسان فرنسي أولا، ودخلت عنوة في التقليد الأدبي المغربي الذي كان يجهلها، على أن المدغري يعتبر في مرجعه هذا أن الرواية لم تعد قابلة لأن يتم تصريفها بصفتها ذلك الانتاج الاستعماري، إذ أضحت حسب رأيه اختيارا واعيا بعد أن هدأ الجدل وتم تجاوز الطرح القائل بأن هذا الجنس كان قدرا استعماريا، وهي بالتالي تابعة لغويا وفكريا للمستعمِر السابق.
ويشدد الكاتب على أن من مميزات هذه الرواية مرونتها اللغوية، والحرية في تناول الموضوعات والتحرر من المعايير والقوانين، وبانفتاح المتخيل على كل الفضاءات والأزمنة. ولعل الخاصية الأبرز لكتاب «التفكير في الرواية» تتمثل في متن الاشتغال، الذي حدد الباحث في الروايات ومختلف تنويعاتها الأجناسية.
وقد جاء كتاب «التفكير في الرواية» في ستة فصول، ومقدمة وخاتمة عامة، وببليوغرافيا، كما حرص المترجم والناقد ابراهيم أولحيان على وضع ثبت بالأعلام، وقائمة بعناوين النصوص المكتوبة بالفرنسية.
في مقدمة الكتاب يبسط المدغري طبيعة الدراسة بصفتها نصية، وهو في ذلك يتميز عن الكثير من المراجع ذات الصلة، التي ظلت تحوم حول الموضوع من زاوية النقد السوسيولوجي أو الإيديولوجي عامة، كما يستفيض في إثبات معايير اختيار النصوص، حيث أن الباحث يرمي من خلال كتابه هذا إلى تتبع مسار الرواية المغربية في غضون خمسين سنة وما يزيد عليها، والتركيز على اتجاهاتها الأساسية في كل مرحلة وعلى المسائل التي تجدد الإبداع الأدبي. وقد سطر المراحل المعتمدة في الفترة بين 1950ـ1960 التي طُبعت نصوصها بالأثر الاستعماري والتنديد به. سنوات 1960 ـ 1975 التي تمتاز نصوصها بتأثير الإيديولوجيات والنظريات، مع إعادة النظر بعنف متزايد في السلطة السياسية وكذلك الإحساس المشترك بدور المثقف والكاتب على الخصوص. سنوات 1975 ـ 1990، حيث تميزت النصوص الروائية والسردية عموما بالنزوع إلى استكشاف التجربة الفردية، مثلما هي الحال في السيرة التخييلية وغير التخييلية أو تجربة الشخصيات التي تروي حياتها.
سنوات 1990 ـ 2000، وهي مرحلة غنية بالأحداث الاجتماعية والسياسية على المستوى الوطني والعالمي، وهي كذلك في الأدب، خصوصا في مجال الرواية التي تعمق التجربة الفردية، لكن أعيد فيها النظر انطلاقا من انفتاح أكبر على الآخر» (ص 19)، هذا إضافة إلى محكيات القرن 21.
وإذا كان المدخل تاريخيا بامتياز، فإن المقاربة الجديدة في «التفكير في الرواية» تنفرد بكونها تقرن المفاصل التاريخية بالرصد المحكَم لشبكات الموضوعات المعالجة، وتنوع وتعلق الاختيارات الفنية والجمالية، تضافرا أو تنافرا، في هذه الرواية أو تلك من المرحلة الواحدة، أو في مجموعة من الروايات والمحكيات المنتمية لأزمنة وفضاءات مختلفة من مختلف المراحل المذكورة آنفا، في استثمار ذكي للحوارية القائمة بين النصوص المكونة للمدونة الروائية المغربية في تاريخ هذا الجنس الأدبي المتجدد.
وبالرجوع إلى بدايات التآليف السردية، يقف المدغري عند علامتين مميزتين في المدونة الروائية المغربية، ويتعلق الأمر هنا برائدين كبيرين، دار حولهما كثير من الجدل، وما يزال. لكن المميز في مقاربة الباحث هو تلك الجرأة على التخلص من تأثير إرث نقدي ثقيل عمَّر طويلا، وتحول خلال ذلك إلى ما يشبه المعتقد، أي النظر إلى كل من أحمد الصفريوي، وادريس الشرايبي، من خارج الشبكة القرائية الإيديولوجية، التي حصرت أعمال الرجلين الأدبية في خانات هي أوسع منها.
ولعل إنصاف الأول، أي صاحب «صندوق العجائب» هو ما يشد الانتباه أكثر، إذ خلصه بحق في هذا الكتاب، عبر تحليل نصي، موضوعاتي وجمالي، من براثن القراءات الإثنوغرافية والكولونيالية ومابعد الكولونيالية، موضحا انتماء كل من «صندوق العجائب» و»الماضي البسيط» إلى الفضاء الذهني والفكري نفسه، من خلال الاعتناء بالمدينة نفسها (فاس)، والمرحلة نفسها، والدور الذي يلعبه الدين في العائلة وفي المجتمع المغربي، وإن اختلف التناول في اختيار الصفريوي للحديث عن» مسألة المعتقدات سردَ حياة طفل من الوسط الشعبي من خلال تفكيره ومتخيله، وما يميزها من روحانية تعاش بشكل إيجابي لأنها مصدر ابتهاج وتضامن، وتعويض عن حرمان مادي واجتماعي؛ «أما ادريس الشرايبي فيروي ثورة مراهق سليل عائلة فاسية تقليدية تكوَّن في مدرسة غربية ويعيش تمزقا عميقا بين نسقين من القيم» (ص26).
وقد بين الباحث مدى تأثير هذين الهَرَمين في التطور اللاحق للرواية المغربية، معضدا طرحه بالاستناد إلى أدلة نصية من النثر الروائي للرجلين، ومن دراسات نقاد آخرين تتفق والتأكيد على اسهاماتها في تجديد النثر الروائي المغاربي، بواسطة التناص مع الحكاية الشعبية والتصوف الاسلامي، كما هو الحال عند الصفريوي، أو من خلال طرائق الكتابة عند الشرايبي المتسمة بالحِدَّة والتنافر العنيف بين الكلمات والجمل والصور والسجلات والمستويات والمشاهد.
ويخلص الباحث إلى أن لهاتين الروايتين على الأخص، أثر كبير في علاقاتها بالروايات السابقة عليهما، وبالرواية المغربية المستقبلية على السواء.
ومن خلال مقاربة مفهوم ما بعد الكولونيالية والمسألة الاستعمارية عمل الباحث أولا على تبيان المسؤولية التي أخذها الكُتَّاب، عن وعي أو عن غير وعي، على عاتقهم والمتمثلة في طرح أسئلة جديدة مناسبة للعهد ما بعد الكولونيالي، كما تصدى ثانيا لفحص مفهوم ما بعد الكولونيالية وتبيان قصوره في التعبير عن منجزات روائية لم تعد حصرا امتدادا للاستعمار، إذ تعد هذه الأخيرة في الآن نفسه تجلي الاستمرار إذ هي «إرث ثقافي يسمح للمجتمعين المستعمَر قديما والمستعمِر بالتقدم في تاريخهما، وباعتبارها قطيعة بكل تأكيد، لكن ليس بمعنى الانقطاع عن الماضي، بل بمعنى تجاوز الرؤية الأحادية حول جدلية مستعمَر ـ مستعمِر، وباعتبار الأدب المغاربي بوصفه وجهة نظر في تغير، تحاول التغلب على الاكراهات والاحتمالات التاريخية لأجل مشروع انساني، يبتدئ مجتمعيا، وهذا ما وقف عنده الباحث عند رصده لتجربة مجلة «أنفاس» المغربية التي كانت حاملة لمشروع مجتمع، لم تعد أسئلته هي أسئلة التحرر من الاستعمار بل بناء الدولة الوطنية القائمة على الحرية والعدالة الاجتماعية في شقها الخطابي الإعلامي، أما إبداعيا فقد كان الكتاب المنضوون تحت لواء «أنفاس» أو من يقتسمون معها المبادئ نفسها، مدفوعين لخلق شفرات جمالية جديدة تعيد الاعتبار لمتخيل مبتور، ولهذا الغرض اتخذوا لهم نماذج فنية وجمالية تقطع مع «الآباء»، أو كانوا يستعيرونها من الثقافة الغربية (الرمزية، السريالية، الوجودية، فكر جاك دريدا، الفكر الفرويدي، ونقد رولان بارت، كما فتحوا فجوة في المجتمع، خصوصا الشباب، بحس نقدي اكتسبوه بتأثير من الفكر والأدب العالميين» (ص 53).
وبالرصانة نفسها يتصدى الباحث لتحليل أكثر من سبعين رواية، تحليلا يتوقف عند الشروط التاريخية والثقافية والمجتمعية السياسية ممثلة في الرواية الواقعية والتاريخية والاتجاهات الروائية التجديدية والتجريبية، التي أفرزت هذه المدونة الروائية المتعددة المشارب، ويبسط خصائصها الجمالية والأسلوبية لتبيان أوجه التشابه والاختلاف، ومظاهر الاتباع والتجديد في سيرورات الكتابة عند هذه الأجيال المتعاقبة التي اختارت التعبير الروائي عن فضاءات الداخل والخارج (موضوعة «الحراكة»، المهاجرين السريين)، عن قضية النوع من خلال الوقوف عند نشأة ما اصطلح عليه بالأدب النسائي، عبر تحليل نموذجي لنصوص محكيات روائية وسير ذاتية لكاتبات رائدات، خناثة بنونة (سنوات الستينيات) أو جيل إثبات الذات الذي تزامن مع مرحلة مفصلية في تاريخ المغرب الحديث، عقب التوافق الذي طبع سنوات الثمانينات المشار إليه أعلاه (ليلى أبو زيد، فاطمة المرنيسي، بهاء طرابلسي، أنيسة بلفقيه، وغيرهن) وإبراز التميز الجذري لهذا الأدب عن الأدب «الذكوري»، بإشكالاته الموضوعاتية الجديدة التي يهيمن عليها التناقض الذي توجد فيه المرأة بين التقليد والحداثة، المتجلي في خطابها ومظهرها وفي علاقاتها بالآخرين (الآباء، الأزواج، الرجال على العموم) مع تفاوت في الحدة حسب الأعمال.
وعلى امتداد متن روائي وصل إلى عشرين رواية، يستنطق الباحث هذه النصوص الروائية النسائية، راصدا اختياراتها الجمالية بتتبع استراتيجيتين أساسيتين في هذه الكتابة: التنكر أو على العكس الانكشاف، في الأولى تعمد الكاتبة إلى توسل الرجل بطلا لعملها الروائي، أو تقمص شخصية أجنبية، وما لهذه الاستراتيجية أو تلك من علاقات ملتبسة بالرغبة في الصدود عن الآخر، بمسألة الهوية الحاضرة بقوة في هذا الأدب النسائي.
كما يفرد المدغري حيزا مهما لدراسة روايات ومحكيات بداية القرن الواحد والعشرين، سواء المحليين أو المقيمين بالمهاجر (فرنسا، بلجيكا سويسرا وحتى كندا).
ومسك الختام، في كتاب «التفكير في الرواية»، نعتبره بمثابة التكريم والاعتراف بقدر كتاب يلخصون، كل بطريقته، مسار هذا الأدب الروائي، وقد وسم المدغري هذا الجزء من كتابه بعبارة «الأعمال الحديثة للكتاب المكرسين»، من خلال تقديمه لتركيب حكائي بسط فيه الباحث أعمالا روائية فارقة لكتاب «منارات: العالم المجاور، لإدريس الشرايبي، قاع الخابية، لعبد اللطيف اللعبي، الأزمنة السوداء، لعبد الحق سرحان، وكان في قديم الزمان زوجان مسنان سعيدان، للروائي والشاعر الكبير محمد خيرالدين».
وفي الختام لابد من التأكيد على أن المترجم ابراهيم أولحيان نجح في ترجمته هذه بتحرى مبدأي الدقة والشمول في ترجمته لهذا المرجع المهم إذ جاء الجهاز المفاهيمي متسقا منسجما مع معجم الخطاب النقدي الروائي المتعارف عليه أكاديميا، كما جاء الكتاب في صفته الشمولية بعنوانه الرئيسي وعناوينه الفرعية، بهوامشه وحواشيه، بإحالاته ومرجعياته، والحال أن الكثير من الترجمات لا تعير أي اهتمام لهذا المظهر الرئيسي في الكتب العلمية الرصينة، أي ترجمة النص بعتباته النصية وما يتطلب ذلك الأمر من صبر وأناة ومهارة وحذق.
*ناقد ومترجم مغربي
شكير نصرالدين*