صحيفة عبرية: مسؤولية إسرائيل عن انفجار نطنز.. قصور أمني أم ثرثرات إعلامية؟

حجم الخط
0

يبدو أن التعب هو التعبير الأكثر ملاءمة من الحزن ليميز ما يسود في إسرائيل بين يومي الذكرى. فنتيجة الشلل الناشئ عن انتخابات قادت إلى إحساس بالامتعاض، الذي نسب في الماضي لمعسكر “فقط لا بيبي”، انتقلت العدوى إلى مؤيدي نتنياهو أيضاً. فالفجوة الهائلة بين دعوات الوحدة التي أطلقت في احتفالات الذكرى وبين الخطاب العنيف الجاري في الشبكة والشارع حيث يمسك كل بعناق الآخر، أوضحت بعد 73 سنة من الاستقلال أن لا سبيل لأن يرص شعب صهيون الصفوف ولو حول رواية هزيلة واحدة.

وحتى الخروج المبارك من وعي الوباء واحتفال الاستقلال بلا كمامات لم ينجح ليصل إلى مستوى سمو الروح. وكذا عملية التخريب الفاخرة التي شلت مشروع اليورانيوم في إيران لأشهر طويلة، وهي عملية موجودة على ما يبدو في قلب الإجماع الإسرائيلي وتحولت على الفور إلى صخرة خلاف بين المعسكرين الصقريين. كل في موضعه يعيش. أما أساس الحقيقة الذي هو الضرورة المطلقة لخوض حوار في مجتمع ديمقراطي فقد سحب من تحت أقدامنا تماماً.

لكل شخص اسم، وهذا كان صحيحاً دوماً، أما اليوم فلكل شخص حقائقه أيضاً. فها هي الصحافة، التي هي إحدى المؤسسات الأخيرة التي يفترض بها أن تصب الأرضية للحقائق ولكل بحث والتأكد بأنها لم تتشوه بالأكاذيب وبالأنباء الملفقة، تنضم اليوم إلى التيار الجارف لما بعد الحقيقة في الشبكات الاجتماعية. وهكذا ولدت قصة “التسريبات” أو “الثرثرة”، التي ترافق الخطاب حول الأحداث الأخيرة تجاه إيران. قصة لم تكن.

لقد بتّ في عمر لا يشعر فيه المرء بالإهانة عندما يوصف بوصف منكر. وعليه، فإني سأحاول مع ذلك أن أضع الأمور في نصابها: قبل نحو أسبوعين عملت الوحدة البحرية، وفقاً لمنشورات أجنبية وإسرائيلية، ضد سفينة سافيز التابعة للحرس الثوري في البحر الأحمر. بعد ساعات من العملية بدأت تصدر منشورات إيرانية عن إصابتها، فرفعت وسائل الإعلام الإسرائيلية القصة إلى السطح، وبعد بضع ساعات من ذلك نشر في “نيويورك تايمز” على لسان مصدر أمريكي بأن إسرائيل أطلعت الولايات المتحدة على العملية. لم يستطب إسرائيل إلقاء المسؤولية شبه الرسمية الذي اتخذه الأمريكيون، ولكنها تجلدت على الأمر.

في نهاية الأسبوع الماضي، بدأت بضع صحف إسرائيلية بنفخ البالون، وبموجبه سرّب مصدر إسرائيلي أمر العملية لـ “نيويورك تايمز” حتى قبل أن تنفذ. ولحق بهم صحافيون كبار آخرون بحثوا بعناية عن المصدر الإسرائيلي الذي يتجرأ على تسريب عملية قبل أن تنفذ فيعرض المقاتلين للخطر. فحص واحد أكبر من شامل أجريته في أوساط كل المصادر ذات الصلة في جهاز الأمن، ولم يجد أحداً يعرف أن العملية سربت قبل التنفيذ. لم يكن أي توجه من جانب صحيفة أو صحافي لجهاز الأمن قبل تنفيذ العملية.

بين إسرائيل والولايات المتحدة تنسيق أمني وثيق، وتديران أحياناً أعمالاً مشتركة معاً، حيث شفافية كاملة بين الطرفين. وأحياناً تنفذ إسرائيل أعمالاً قد تكون لها تداعيات على أمن القوات الأمريكية في المنطقة، وهي تحرص على إطلاع الولايات المتحدة فور خروج المقاتلين الإسرائيليين من مدى الخطر.

في حالة سافيز، لا يوجد أي مؤشر على أن مصدراً إسرائيلياً ما أطلع صحافياً قبل تنفيذ العملية المنسوبة لإسرائيل. وهذا لم يوقف برامج الاستضافة من عقد الندوات الجدية عن الخطر الذي كان في التسريب الذي لم يكن، كما لم يوقف أيضاً السياسيين ومزيد من الصحافيين ممن تكرسوا السبت الماضي للانشغال بـ”خطر التسريبات”.

وعندها استيقظنا جميعاً صباح الأحد على تقرير جاء من إيران وليس من أي مكان آخر عن تخريب في المنشأة النووية. وهجمت وسائل الإعلام الإسرائيلية على ما بدا كعملية جسورة على نحو خاص، ولم يمسك بعض الصحافيين أنفسهم وبدأوا يسمون أنفسهم “مصادر استخبارية في الغرب”. وباسم تلك المصادر، ألقوا بالمسؤولية عن العملية على الموساد.

والآن لم يعد هذا مجرد تسريب واحد، بل “تسريبات” أو “ثرثرة أمنية” تعرض أمن الدولة للخطر. وامتلأت الندوات التلفزيونية بالسياسيين الذين يهرعون إلى المعركة وبالصحافيين المتحمسين الذين جاءوا لينتقدوا “الإحاطات” و “الثرثرة” في موضوع المعركة مع إيران.

التفوق النسبي

اعتراف: كصحافي منذ 36 سنة، كل حياتي المهنية وأنا أبحث عن المسربين للشموع. فهم روح هذه المهنة. حتى الآن ليس معروفاً لي جهة إسرائيلية ما أجرت إحاطة مرتبة عن العملية في إيران. وهذا لم يوقف بالطبع الموجة الثانية من المنشورات عن “الثرثرة”، والمقابلات مع مشاركي الندوات، ولا حتى حرك وزير الدفاع لأن يدعو إلى التحقيق في “التسريبات”. في عالم التواصل اليوم، فإن أحداثاً مثل العمليات، التصفيات، أو الغارات من الجو تصدح على الفور ولا تبقى في الخفاء. وحتى عندما هاجمت إسرائيل مفاعلاً نووياً في سوريا، أو اغتالت في دمشق رئيس أركان حزب الله عماد مغنية (حسب منشورات أجنبية) – لم يقدم أحد أي إحاطة، ولم يسرب أحد شيئاً، ولكن وسائل الإعلام فهمت على الفور ما حصل وبلغت بالأحداث في الزمن الحقيقي.

بالمناسبة، إن عملية اتخاذ القرارات في إسرائيل حول العمليات السرية كانت دوماً محصورة. ولم تبحث الحكومة أو الكابينت قط في تصفية علماء أو مخربين آخرين، ولم يقرا مسبقاً عمليات تخريب في البرنامج النووي الإيراني. هذه القراترات – إذا ما حصلت حقاً – يتخذها دوماً رئيس الوزراء بالتشاور مع وزير الدفاع والمستوى المهني. أما اقرار الحكومة أو الكابينت فمطلوب فقط لعمليات ذات إمكانية كامنة لأن تؤدي إلى حرب، مثل تدمير المفاعل السوري، وحتى الأحداث الأخيرة المنسوبة لإسرائيل لا تبشر بأننا عشية حرب واسعة مع إيران.

في بداية السنة الـ 74 لاستقلالنا، وانطلاقاً من المعرفة المؤسفة بأن “الجماعة الإسرائيلية” غير قادرة على الاتفاق على أي شيء، أقترح علينا جميعاً ولا سيما زملائي الصحافيين، أن نتبنى الحد الأدنى من الاستقلالة الفكرة. فمحاولة أجهزة الإعلام اللحاق بالشبكة الاجتماعية مآلها الفشل. فهي ستكون دوماً عنيفة وأكثر تشويقاً من الصحافة المؤطرة؟ أما نحن، الصحافيين المهنيين، فعلينا أن نلتصق بتفوقنا النسيب، وهو الحقائق المؤكدة. وإذا ما في السعي إلى البروز والسبق أو إحداث الضجيج، تخلينا عن المصداقية – سنفقد تفوقنا الأخير.

فضلاً عن الصدوع التي تشقنا كمجتمع، الانشقاق والكراهية، لا يزال هناك نواة من الإسرائيليين ممن يعملون بكد، ويدفعون الضرائب ويبعثون بأبنائهم إلى الجيش. هذه النواة عطشى للمعلومات التي يمكنها أن تصدقها، ونحن الصحافيين ملزمون بأن نوفرها لها. كخدمة حيوية في مجتمع ديمقراطي. لكلنا آراء، وهذا على ما يرام. ولكن محظور أن نتخلى عن الحقائق.  

بقلمألون بن دافيد

 معاريف 16/4/2021

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية