باريس-»القدس العربي»: تأمل الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق الدولي حول البرنامج النووي الإيراني والذي أبرم في عام 2015 في المساهمة في إحيائه عبر المباحثات الجارية حالياً في العاصمة النمساوية على خلفية فرضية عودة الولايات المتحدة الأمريكية إليه. في هذا الوقت، احتد التصعيد من جديد بين إسرائيل وإيران وشكل أحد العوامل الخارجية المشوشة التي تلقي بظلها على المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن والرامية أساسا إلى عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاتفاق الذي كانت الإدارة الأمريكية السابقة قد انسحبت منه بشكل أحادي عام 2018. والملاحظ أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان ولا يزال معترضا على هذا الاتفاق بشدة. ويرى فيه على عكس ما تراه الدول الغربية الموقعة عليه أنه سيسمح عاجلا أو آجلا بامتلاك السلاح النووي.
وبينما كانت أعين المراقبين المهتمين بهذا الملف متجهة إلى فيينا، تعرضت منشأة إيرانية لتخصيب اليورانيوم في نطنز لـ»انفجار» في مصنعها بوسط البلاد يوم الأحد الماضي، وصفته السلطات الإيرانية بأنه «عمل تخريبي» متهمة إسرائيل بالوقوف خلفه ومتوعدة بـ»الانتقام» في الوقت والمكان المناسبين. هذا الهجوم ليس الأول ولا يبدو أنه سيكون الأخير، فمنذ بداية شهر آذار/مارس الماضي، نُسبت عدة هجمات على سفن إيرانية إلى إسرائيل، بينما يبدو أن العديد من الزوارق الإسرائيلية استُهدفت بهجمات إيرانية. وأفادت قناة إسرائيلية الثلاثاء الماضي أن زورقا إسرائيليا تعرض لهجوم قرب الساحل الإماراتي قبالة إيران. وجاء الرد الإيراني على استهداف منشأة نطنز من خلال تأكيد إيران عزمها على تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المئة عبر استخدام أجهزة طرد مركزي متطورة. وفي هذا السياق، يرى الدكتور إياد المجالي الباحث في العلاقات الدولية بجامعة مؤتة في رده على سؤال لـ»القدس العربي» أن ما تقوم به إسرائيل هو حزب استنزاف ضد إيران، عبر جملة من الخيارات لإعاقة العودة الأمريكية المحتملة على الاتفاق النووي الإيراني.
تنسيق إسرائيلي أمريكي
وفي هذا الصدد يرى الباحث في الفلسفة السياسية المهتم بالملف الإيراني رامي الخليفة العلي في رده على سؤال لـ»القدس العربي» أن «استهداف مفاعل نطنز هو استمرار لحرب استخباراتية منذ سنوات. فإسرائيل كرست قواعد اشتباك معنية بما في ذلك في سوريا وداخل إيران عبر عمليات استخباراتية تستهدف العلماء العاملين في المشروع النووي الإيراني والمنشآت النووية الإيرانية. وبالتالي، فإن هذه العملية الأخيرة تأتي في سياقها الطبيعي وفقا لقواعد الاشتباك بين البلدين. بل إن الأمر لا يتوقف عند هذا المفاعل فحسب، ويتجاوز ذلك إلى الوجود العسكري الإسرائيلي، إذ أن هناك قواعد كرستها إسرائيل في السنوات الماضية». ويعتبر الخليفة العلي أن «هناك مساحة مشتركة تجمع المواقف الأمريكية والإسرائيلية حول الاتفاق النووي وإسرائيل لن تعمل منفردة دون أن يكون هناك ضوء أصفر على الأقل من واشنطن».
وزن الريشة الأوروبي
أما الأوروبيون، فيبقى دورهم محدودا للغاية. وهذا ما يشدد عليه في تصريح لـ»القدس العربي» أدلى به الصحافي محمد بوهريد، سكرتير تحرير مساعد في موقع «العربي الجديد». فهو يعتبر أن استهداف منشأة نطنز وردَّ طهران بزيادة تخصيب اليورانيوم إلى مستويات غير مسبوقة رسائل متبادلة بين أطراف الاتفاق بعيدا عن لغة المفاوضات، ولو بالوكالة، للضغط من كلا طرفي المفاوضات أي إيران من جهة والدول الأخرى الموقعة على الاتفاق للحصول على مزيد من المكاسب قبل إعلان ولادة الاتفاق من جديد.
أمام التطورات الجديدة التي ألقت بثقلها بقوة على مباحثات فيينا غير المباشرة بين الأمريكيين والإيرانيين، حذرت الدول الدولة الأوروبية الثلاث الموقعة على اتفاقية فيينا عام 2015 (فرنسا-ألمانيا-بريطانيا) من مغبة «أي تصعيد من أي جهة كانت، معتبرة أن الخطوة الإيرانية الجديدة القاضية برفع نسبة تحصيب اليورانيوم إلى 60 في المئة تشكل تطورا خطيرا» لأن انتاج اليورانيوم العالي التخصيب يشكل خطوة مهمة لصنع سلاح نووي. لكن اسم إسرائيل لم يرد في بيان الدول الثلاث. واعتبرت الرئاسة الفرنسية في بيان قبله أن الإجراء الإيراني يحتاج إلى تنسيق مع باقي أطراف الاتفاق الدولي حول برنامجها النووي.
ومنذ وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض حاول الأوروبيون من البداية العودة إلى المعادلة الإيرانية بعد أن همشهم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. حيث قدمت الدول الثلاث الموقعة على اتفاقية فينا عام 2015 (فرنسا-ألمانيا-بريطانيا) مبادرة أوروبية لعقد مباحثات أمريكية-إيرانية مباشرة بهدف إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني، والتي لقيت ترحيباً أمريكياً ورفضا إيرانياً الأمر الذي دفع الأوروبيين إلى تهديد إيران بتقديم مشروع قرار أمام مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية ينتقد طهران بسبب تقليصها التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في مسعى من الأوروبيين للضغط على طهران من أجل الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة. غير أن الدول الأوروبية انتهى بها المطاف إلى سحب مشروع القرار. لكن ضغوطها أتت أكلها حسب الطرح الأوروبي حيث قبلت إيران هذه المرة بالعودة إلى فيينا للمشاركة في مباحثات غير مباشرة مع الولايات المتحدة أملاً في إنقاذ اتفاق عام 2015. لكن رامي الخليفة العلي قلق من الدور الذي يمكن للأوروبيين لعبه من أجل إنقاذ هذا الاتفاق، لأن أوروبا لم تفعل شيئا – بحسبه – عندما انسحبت الولايات المتحدة من هذا الاتفاق في عام 2018 بشكل أحادي. ويعتبر الباحث في الفلسفة السياسية المهتم بالملف الإيراني أنه «لا يمكن التعويل على الموقف الأوروبي. فالدول الأوروبية المعنية تسير في الفلك الأمريكي. والجديد في المعادلة، خلافاً لما كان عليه الحال مع الإدارة الأمريكية السابقة، هو أن هناك إرادة لدى إدارة جو بايدن للعودة إلى الاتفاق النووي المبرم عام 2015 وينسجم ذلك مع المساعي الأوروبية المعلنة».
وهناك انطباع لدى كثير من المراقبين المهتمين بملف الاتفاق النووي الإيراني بأن الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق ترغب اليوم في القيام بدور في المساعي الرامية إلى إعادة إحياء الاتفاق انطلاقا من مواقف لا تعكس حقيقة وزن هذه الدول في هذه المساعي وفي المساعي التي بذلتها من قبل للحفاظ على الاتفاق بعد أن قرر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إخراج بلاده من الاتفاق. ولابد من التذكير هنا أن هذه الدول كانت قد سعت بعد خروج واشنطن من الاتفاق إلى وضع آلية يمكن أن تحافظ من خلالها عليه وأن تلتف على العقوبات الأمريكية المفروضة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على إيران. ولكنها اهتدت بسرعة إلى أن ترامب كان عازما بحق وجادا في فرض عقوبات على الدول الغربية التي تتعامل مع إيران فتراجعت بسرعة عن هذه الآلية ووضعتها في الدرج. وهي تسعى اليوم إلى الظهور بمظهر الطرف المهم جدا في الجهود الرامية إلى إحياء الاتفاق والحال أن هذا الدور يتوقف أساسا على ثلاث دول هي الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل. والواقع أن بعض المهتمين بشأن ملف الاتفاق النووي الإيراني يُشَبِّهُ حال الدول الأوروبية في قضية الحال بحال الملاكم الذي هو من فئة وزن الريشة والذي يحرص على الدخول إلى حلبة ملاكمي الوزن الثقيل ويسعى إلى التحرك داخلها كما لو كان أحد ملاكميها.
تقاطع المصالح
ويعتبر محمد بوهريد أن التوصل إلى اتفاق من شأنه إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني هو السبيل الوحيد لمواصلة التحكم في الأنشطة النووية الإيرانية وفي عدم التسامح مع أي خطوات خارج هذا الإطار، مضيفاً أن عوامل أخرى، تعبد الطريق إلى الاتفاق وتمتص صدمات شظايا استهداف منشأة نطنز. فإيران مقبلة من جهة على انتخابات حاسمة لا يخفى تأثيرها على سقف توقعات طهران من أي اتفاق جديد. والوقت هنا من ذهب. زد على ذلك أن العقوبات تكتم أنفاس الإيرانيين وتشل الدورة الاقتصادية إلى حد جعلها تدخل غرفة الإنعاش. ومن ثم فإن إيران كلها تحتاج إلى أوكسجين طبيعي عاجل ينعش ويسمح بإعادة إطلاق الدورة الاقتصادية من خلال بيع النفط و»تحرير» الأموال المجمدة. ويتوق الرئيس الأمريكي جو بايدن من جهة أخرى إلى إنجاز دبلوماسي كبير في أيامه الأولى بالبيت الأبيض. من جهة ثالثة، ينتظر الأوروبيون بفارغ صبر التوصل إلى إحياء الاتفاق النووي لأن الشركات الأوروبية التي حرمها خروج ترامب من الاتفاق من عقود ضخمة مع إيران واثقة من لديها في المستقبل مكانا في السوق الإيرانية.
ومن أهم الأسئلة التي ستظل مطروحة بشأن الاتفاق النووي الإيراني حتى في حال التوصل إلى إحيائه عبر محادثات فيينا السؤال التالي: إلى أي حد يعرقل التصعيد الإسرائيلي الإيراني المساعي الرامية إلى تأمين الاتفاق النووي الإيراني؟ وطرح السؤال على هذه الشاكلة مهم لأن التصعيد بين إسرائيل وإيران لم ولن يهدأ على المديين القريب والمتوسط لأسباب كثيرة ذاتية وموضوعية.
اقتباس
تسعى أوروبا للظهور كطرف مهم في جهود إحياء الاتفاق