العلاقات الجزائرية الفرنسية: التطبيع ليس غدا  

رضا شنوف
حجم الخط
0

كثفت الجزائر مؤخرا من مطالبها بضرورة ان تكشف فرنسا عن الخرائط الخاصة بمواقع تجاربها النووية في الصحراء الجزائرية التي نفذتها بداية من سنة 1958.

الجزائر-»القدس العربي»: رفعت التصريحات الصادرة عن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تطبيع العلاقات من خلال معالجة ملف الذاكرة وحجم الاتصالات بينهما، من سقف التوقعات حول إمكانية تفكيك الكثير من الألغام التي جعلت العلاقات بين البلدين متأرجحة ويسودها جو من انعدام الثقة على مدى عقود.
لكن الإعلان عن تأجيل زيارة رئيس الوزراء الفرنسي جون كاستكس إلى الجزائر أظهرت ان عملا كبيرا ينتظر العاصمتين من أجل تجاوز العقبات التي تقف في وجه بناء علاقات عادية بين البلدين، والتي يعود بعضها إلى الفترة الاستعمارية، وأخرى تناسلت في فترة ما بعد الاستقلال إلى اليوم وما زالت.
فمنذ انتخاب الرئيس تبون في كانون الأول/ديسمبر 2019 عبرت كل من الجزائر وباريس عن إرادتهما في تطوير العلاقات بين البلدين وبناء علاقات ندية يسودها الاحترام والتعاون والثقة، وجرت اتصالات دورية بين رئيسي البلدين أثمرت بالتوصل إلى تفاهمات من بينها تشكيل لجان بحث في ملفات الذاكرة في محاولة لمعالجة هذا الملف الذي يعد من الملفات العويصة والملغمة التي أثرت على العلاقات بين البلدين ووقفت في وجه تطورها.
وكان المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا قد قدم تقريره إلى الرئاسة الفرنسية، اقترح فيه جملة من المبادرات، طبق الرئيس الفرنسي عددا منها كالاعتراف بمقتل علي منجلي وفتح الأرشيف الخاص بالثورة الجزائرية والذي لا يزال يكتنفه الغموض إلى حد الآن لاعتبارات عدة منها ما يتعلق بالمؤسسة العسكرية الفرنسية.

معالجة ملف الذاكرة

وخلفت الخطوات التي أعلن عنها ماكرون وأيضا تقرير ستورا جدلا في الجزائر وأيضا في فرنسا، فمن الجانب الجزائري وجدوا في خطوات ماكرون أنها لا تعالج بشكل جدي ملف الذاكرة، في حين تم انتقاد تقرير ستورا بأنه لم يقف عند صلب ملف الذاكرة والمتعلق بالاعتراف بأن سبب المآسي التي عاشتها الجزائر هو نتيجة الاستعمار الفرنسي. في حين انتقد بشدة اليمين المتطرف في فرنسا خطوات الرئيس ماكرون، خاصة وان هذا التيار من أنصار الجزائر الفرنسية ولا يهضمون إلى الآن خسارتهم الجزائر، وكان مستشار الرئيس الجزائر المكلف بملف الذاكرة من الجانب الجزائري قد أكد بان تقرير ستورا يبقى تقرير فرنسي-فرنسي لأنه لم يقدم بشكل رسمي إلى الجزائر.
وترفض فرنسا تقديم الاعتذار عن ماضيها الاستعماري في الجزائر لكن تدعو مقابل ذلك إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، وهي المقاربة التي ترفضها الجزائر، خاصة وأن ملف الذاكرة يحمل الكثير من الملفات التي ما زالت تأثيراتها قائمة إلى اليوم وعلى رأسها ملف التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية وخرائط النفايات النووية. وتتماطل فرنسا إلى اليوم في معالجة هذا الملف.
لكن في مقابل هذه العقبات كانت هناك خطوات وتصريحات سياسية، اعتبرها ملاحظون بأنها يمكن ان تؤسس لتفاهمات تقود في آخر المطاف إلى حلحلة كل المشاكل القائمة ونزع الألغام من طريق تطبيع العلاقات بين البلدين.
وكانت زيارة رئيس الوزراء الفرنسي جون كاستكس إلى الجزائر التي برمجت في الـ11 من الشهر الجاري، قبل ان تعلن الجزائر عن تأجيلها في آخر لحظة، إحدى هذه البوادر. وربطت باريس أسباب التأجيل باعتبارات صحية، لكن متابعين استحضروا أسبابا أخرى تتجاوز التبرير الفرنسي، ليثبت من جديد ان ملف تطبيع العلاقات بين البلدين يتجاوز الإرادة السياسية لأنه يخضع لحسابات أخرى ومصالح ترتبط بمعطيات تتجاوز الرقعة الجغرافية  للجزائر وبرهانات إقليمية تتدخل في ميزان ضبط العلاقات بين الجزائر وباريس.
لوبيات ترفض التطبيع

ويلاحظ الإعلامي والمختص في تاريخ الثورة الجزائرية مصطفى آيت موهوب، بأن «العلاقات الجزائرية الفرنسية تتأثر كثيرا بالقضايا المتعلقة بالذاكرة. شاهدنا النقاش الذي أثاره تقرير بنجمان ستورا. فهناك من لا يزال هنا وهناك حبيس موضوع ان الجزائر مسألة فرنسية».
وفي رأي  مصطفى آيت موهوب في تصريحه لـ»القدس العربي» فإنه «يجب الاعتراف ان هناك لوبيات بفرنسا بل شبكات متوغلة داخل الدولة تحن إلى الإمبراطورية وبالتالي تعمل على تفريغ قرارات ماكرون من محتواها خصوصا تلك المتعلقة بالأرشيف».
وحسب المتحدث فإن تأثير هذه اللوبيات داخل مراكز القرار الفرنسي يفسر «كذلك التماطل الملاحظ على الجانب الفرنسي في مسألة التعاطي مع المطلب الجزائري في تسليمها خرائط تواجد النفايات النووية المدفونة في باطن الصحراء الجزائرية والتي ما زالت آثارها الكارثية على الطبيعة والمواطنين الجزائريين في الجنوب بادية إلى الآن».
وكثفت الجزائر خلال الفترة الأخيرة من مطالبها بضرورة ان تكشف فرنسا عن الخرائط الخاصة بمواقع تجاربها النووية في الصحراء الجزائرية التي نفذتها بداية من سنة 1958. وكان رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق سعيد شنقريحة قد طالب من نظيره الفرنسي الفريق أول فرانسوا لوكوانتر خلال زيارته للجزائر الأخيرة بضرورة منحهم الخرائط وأيضا أماكن دفن النفايات حيث صرح قائلا خلال الاجتماع «بودي كذلك أن أتطرق لإشكالية المفاوضات ضمن الفوج الجزائري-الفرنسي، حول مواقع التجارب النووية القديمة، والتجارب الأخرى بالصحراء الجزائرية، حيث أنتظر دعمكم خلال انعقاد الدورة 17 للفوج المختلط الجزائري-الفرنسي، المزمع عقدها خلال شهر ايار/مايو المقبل، بهدف التكفل النهائي بعمليات إعادة تأهيل موقعي رفان وإن إكر، وكذا مساندتكم في هذا الإطار، بموافاتنا بالخرائط الطبوغرافية، لتمكيننا من تحديد مناطق دفن النفايات الملوثة، المشعة أو الكيميائية غير المكتشفة لحد اليوم».
وكان الرئيس تبون قد أكد الشهر الماضي أن الجزائر ستظل متمسكة بمطلب تعويض ضحايا التجارب النووية الفرنسية في الجزائر.
ويرى الإعلامي مصطفى آيت موهوب بأنه «ما زال هناك في فرنسا من يستعمل ملف الذاكرة كوسيلة تأثير على السلطات الجزائرية. وهذا ما يفهم من الملف الإعلامي الذي أنجزته يومية الفيغارو مؤخرا ضد الجزائر والتي عادت إلى ملف تبحيرين».
ويضيف في سياق حديثه عن تأثير اللوبيات الفرنسية على قرارات الرئيس ماكرون سواء ما تعلق بملف الذاكرة أو التشويش على زيارة كاستكس إلى الجزائر بالقول: «في تعاطيه مع موضوع الذاكرة ماكرون يريد ان يتميز عن ساركوزي ولكن لا يريد ان يثير عداء اللوبي القوي الذي ينشطه نوستالجيو الجزائر الفرنسية. أما التشويش على زيارة كاستكس فهناك فواعل سياسية من الطرفين، لا ينظران بعين الرضا لهذه الزيارة وهذا ما دفع لبروز الملفات الخلافية بين البلدين إلى الواجهة بما فيها ملف الصحراء الغربية».

خلافات حول  قضايا إقليمية

ويذهب المتحدث في قراءته لمكامن الخلافات الفرنسية الجزائرية وتعطل قطار تطبيع العلاقات بين البلدين في كل مرة، إلى معطيات تتجاوز المعطى التاريخي، إلى حسابات لها علاقات بقضايا إقليمية تشكل نقاط خلافية بين البلدين «نشاهد مؤخراً نوعا من التحامل على الجزائر من طرف الإعلام الفرنسي الذي يأخذ منحى ابتزازيا. ويمكن تفسير ذلك بتعارض الرؤى بين البلدين في كيفية التعاطي مع الأزمة في بلدان الساحل، ففرنسا لم تستطع التحرر من التوجه الأمني في حين الجزائر ما زالت تؤكد على الحل السياسي».
ويقف مصطفى آيت موهوب أيضا عند معطى آخر متعلق بالوضع الداخلي الذي تعيشه الجزائر وتبني عليه فرنسا ودول أخرى علاقاتها وتبني على أساسه مواقفها في التعاطي مع الشأن الجزائري، حيث يقول في هذا الخصوص «لا يجب إغفال الوضع السياسي الناجم عن تواصل الحراك ومحاولات استغلاله للتموقع كما تفعله بعض القوى الإقليمية التي تريد ان تحافظ على موقع قدم لها في الجزائر مراهنين في ذلك على التيار الإسلامي وأتحدث هنا عن تركيا».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية