لحن المندولين

حجم الخط
1

لا نعرف لماذا اختار الكاتب الإنكليزي لويس دي بيرنيير جزيرة كيفالونيا اليونانية فضاء مكانيا لأحداث روايته «مندولين الضابط كوريللي» لا نعرف أسبابه، ويمكننا أن نخمِّن أنها متعلّقة باستثنائية المكان تاريخيا وثقافيا، إلى جانب مكوناته التراجيدية التي فرضتها جغرافيته، فقد دمّر المكان بزلازل قوية لمرات عديدة، وهو مثل أغلب بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط شهد هجرات أجيال وأجيال من أبنائه، كلما حدث اندلاع حرب، أو حريق التهم غاباتها الكثيفة أو زلزال.
تبعثر أبناؤها بين أمريكا وكندا وأستراليا، وبلدان أوروبية مجاورة، وبقي خيط الحنين المتين للأهل يعيدهم في عطلات الصيف أو عطلات دينية أخرى، في زيارات لا تتوقف، يستثمرون أموالهم في بناء بيوت جميلة، ما يجعل المنطقة سياحية بالدرجة الأولى، رغم عذريتها إلى اليوم مقارنة مع جزر أخرى.
كيفالونيا أيضا من جزر الأوديسة الشهيرة، استقرّت في الموروث الثقافي اليوناني منذ القدم، أمّا إثارتها لشهوة الغزاة فلم تتوقف أبداً، حلّ عليها البيزنطيون والفينيقيون، تعرّضت لتدمير لا مثيل له من قبل القرصان خير الدين بربروس، بإيعاز من الأتراك، حتى أن بعض أبنائها تحوّلوا لقراصنة، بما أنهم اشتهروا بصناعة السفن من أشجار الأرز الكفالوني الذي ينمو فقط في منطقتهم.
خلال الحرب العالمية الثانية، احتلّ الإيطاليون كيفالونيا، حطّ جنودهم في الجزيرة الهادئة عام 1941، لكن بعد سقوط موسوليني في سبتمبر/أيلول 1943 انقلب الألمان على الإيطاليين وقتلوا عددا كبيرا منهم، في «مذبحة كيفالونيا» الشهيرة، ويبدو أن هذه المذبحة هي التي ألهمت دي بيرنيير لكتابة روايته، واضعا نصب عينيه قاعدة القصص الناجحة «الحب المستحيل» ، فجمع بين الإيطالي الكابتن كوريلي والشابة اليونانية بيلاغيا، ولشدة دقة الوقائع التاريخية، التي كان الكاتب وفياً لها، نشعر بحقيقة هاتين الشخصيتين، ونفهم وجهة نظر اليونان وإيطاليا وألمانيا، تجاه الحرب نفسها.
قبل ظهور الكابتن أنطونيو كوريلي في المشهد الدرامي للأحداث، تعيش بيلاغيا ابنة الطبيب إيانيس قصّة حب مع ابن قريتها ماندراس، لكنّ هذا الحب لا ينجح. يعطينا الكاتب فرصة خلال تطوّر الأحداث لاستيعاب ملاحظة الطبيب لابنته، على أنها تستحق رجلا أفضل، فبعد غياب دام سنتين في جبهة القتال، لا تتلقى جوابا على رسائلها، وعند عودته لن تكون شغفه الأول أمام انشغاله الكامل بقضية تحرير البلاد من العدو، وفي ما تحاول فهم سلوكه، تكتشف أنه لم يكن يرد على رسائلها بسبب جهله القراءة والكتابة، وذلك فارق كبير جعل الهوة بينهما تتسع. يبتعد الكاتب تماما عن المعطيات الجاهزة حول المثلية، ومثالية المشاعر الرابطة بين الرجل والمرأة، لأنه يقدّم الحب في صورته السّامية، وإن لم نصدق بوجوده، فإن الحياة زاخرة به وغير عابئة بفرضياتنا القاسية تجاه المفاهيم التدميرية للذات.
في بداية الرواية نكتشف المثلية، كما لو أنها خطيئة يغتسل منها كارلو في اعترافه للقس، لكن قبل بلوغنا نهايتها، تستوقفنا تضحيته من أجل إنقاذ أنطونيو حبه السري الصامت من طرف واحد، بعد موت فرانشيسكو، ولن تذهب تضحيته سدًى، يتم إنقاذ أنطونيو عدة مرات، وهو يواجه الموت ممددا تحت جثة كارلو، يتردد الضابط النازي غونتر ويبر بإطلاق الرصاص عليه حين اكتشف أنه لم يمت، بسبب صداقة نمت بينهما، قبل التغيرات التي طالت القرارات العسكرية، ومواقف الدولتين، وينقذه ماندراس في محاولة أخيرة لكسب حب بيلاغيا مجددا.. ظلّ أنطونيو حيا وعاد إلى دياره بعد تهريبه على زورق صغير أبحر به إلى إيطاليا، بسبب تلك العاطفة الخفية اللامفهومة التي قد تخالف الطبيعة ـ حسب مفهوم البعض – فتحدد الميولات العاطفية تجاه الجنس الواحد، أو تجاه عدو، أو تجاه غريم، بأشكال مختلفة تماما عن المألوف. هكذا عرّف دي بيرنيير الحب، محوره امرأة، لكنّه يصيب الجميع في لحظة وعي. هو بالضبط الشعور العميق الذي يولد كسرا في الأعماق، دون أيّ تهويمات جنسية.
لويس دي برنيير، الذي لا نعرفه كثيرا في العالم العربي، التحق بالجيش في سن الثامنة عشرة، لكنّه تراجع عن خياره ذاك، فترك المؤسسة العسكرية خلفه، والتحق بالجامعة. قام بتدريس اللغة الإنكليزية في كولومبيا والأرجنتين، وقد وصفت أعماله الأولى بـ»المناسبة تماما للواقعية السحرية لغابرييل غارسيا ماركيز» وهو بلا شك تأثر بالأجواء والآداب اللاتينية، هذا غير تجربته المباشرة في البلدين، التي منحت له منظورا مختلفا للحياة.

طرحت أسئلة كثيرة حول الكاتب، الذي تعايش مع ذكريات سيئة من هذا النّوع، دون فقدان الطفل الضاحك فيه، ودون البقاء هناك في تلك المرحلة المليئة بالدمامل، صانعا لنفسه عالما جميلا لكل محبيه.

صدرت الرواية عام 1993، وحوّلها المخرج البريطاني جون مادن (مخرج فيلم شكسبير عاشقا) والسيناريست شون سلوفو إلى فيلم عام 2001، كما قُدمت على خشبة المسرح، ولا تزال تعرض وفق ما نشرته الصحافة البريطانية. كما ترجمت إلى ثلاثين لغة لكنها لم تترجم إلى اللغة العربية بعد. رغم شهرة الرواية ونجاحها كفيلم، إلاّ أن الكاتب ظلّ خارج دائرة الضوء، إلى أن عاد مؤخرا برسالة نشرت في «التايمز» تحوي اعترافات صادمة عن الجحيم الذي عاشه مع زملائه في المدرسة التي تعلم فيها في «كينت» حيث قال أنه لم ينجح أبدا في مسامحة والديه، لإرساله إلى هناك، كما وضح سبب تأخره بالحديث في الموضوع إلى تعهده بعدم الكشف عن تجربته تلك حتى ماتا، مضيفا أن «الغضب وليس الشجاعة» هو ما دفعه للتحدث.
فتح هذا الموضوع سجالا آخر، بعد أن تشجع أشخاص بنشر صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي حين كانوا تلاميذ في المدرسة نفسها، فخرجت إلى العلن معاناة أطفال عاشوا محاصرين بين قضبان الذكرى السيئة لسنوات طويلة. تحتفظ الذاكرة بكل ما نتعرّض له، لا شيء يفلت من قبضتها، حتى إن اعتقدنا أننا نسينا الأمر. فجأة وفي لحظة تجلٍّ غير متوقعة يطفو كل شيء على السطح، لكن قبل تلك اللحظة تتشوّه سلوكاتنا بسبب سر دفين في أعماقنا قد يكون تعنيفا أو تحرشا أو اعتداء، من أي نوع كان. في كل الحالات يبقى الحب هو المنقذ لقلوبنا الجريحة، الحب يعني أشياء مختلفة للكبار والصغار.
طرحت أسئلة كثيرة حول الكاتب، الذي تعايش مع ذكريات سيئة من هذا النّوع، دون فقدان الطفل الضاحك فيه، ودون البقاء هناك في تلك المرحلة المليئة بالدمامل، صانعا لنفسه عالما جميلا لكل محبيه. يقول أحد النقاد أن «أدب دي بيرنيير فيه لمسات هزلية وأخرى فكاهية» وتكاد هذه ميزة من ميزات نصه التي أحبها قراؤه، إذ لم تعد نصوص الكآبة المحضة تجذب الشريحة الأكبر من القراء، كما يضيف أنه «يبحث عن شخصيات يعيد رثاءها بطريقته، يمكن العثور عليها بسهولة في ثنايا التاريخ، يفعل ذلك بإعادة تشكيلهم بكل مواقفهم المأساوية الكوميدية لجعل القارئ لا يملّ من قراءته». في إحدى مقابلاته نكتشف الجانب الكوميدي في شخصيته، كما نكتشف الجانب الرقيق فيها، وربما هي السبب الأول لهروبه من المؤسسة العسكرية، وذهابه لمهن كثيرة قبل تفرغه للكتابة، التي كانت خيارا جيدا لصالح الأدب.
كتب آلان ماسي عن دي بيرنيير أنه كاتب ذو سحر كبير، لكنه أيضا روائي من الطراز القديم جدا، أمّا ثلاثيته فقال عنها إنها «عبارة عن قراءة ساحرة من الطراز القديم، وهي الرواية المناسبة تماما لفترات الحجر» مؤكدا أنه من الصعب تدريسها في فصول الكتابة الإبداعية، وهذا ما يجعله ربما استثنائيا، وما يجعلني شخصيا أضيف مجموعته لقائمة قراءاتي المقبلة، متمنية أن يدخل الفضاء العربي قريبا، ليتعرّف عليه قرّاؤنا. لقد شعرت خلال قراءتي لروايته أنه اجتهد لقراءة حقبة تاريخية طويلة، ثم قام بتلخيصها وتقديمها لنا بطريقة بديعة يستحق عليها الكثير من الشكر. تذكروا معي أن عددا كبيرا من الكتّاب متى ما طرقت الشهرة أبوابهم، اكتفوا بقراءة أنفسهم وتوقفوا تماما عن قراءة أي شيء آخر.

شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية