حَمالة الحطب: الاستعمال المرجعي

من يقرأ العنوان سيتذكر سورة المسد وزوجة أبي لهب في قوله تعإلى «وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد». سينشط في ذهنه ما خزنه من هذا الذكر الحكيم، بقطع النظر عن المعرفة بتفاصيله أو عدم المعرفة به. ولم يكتسب تركيب (حمالة الحطب) رغم طول تداوله واقترانه بسياق مخصوص طابع العبارة الجاهزة، التي لا تستعمل إلا مركبة على هذا النحو، وفي سياق دلالي أو ثقافي معين من نوع (هلم جرا) أو (حتف أنفه) أو (لله درك) أو (جاءوا قضهم بقضيضهم) وغيرها من العبارات التي تركبت، فلا فاصل بين جزئيها، فكأنها ضربت كالسكة لذلك المعنى. ورغم ذلك فإن لـ(حمالة الحطب) وهي تقال بهذا الشكل لا تفقد صلتها بالنص المرجعي، الذي استعملت فيه، نعني القرآن الكريم ولذلك تقترن في ذهننا، ونحن نستمع إليها، بسياق مخصوص أو باستعمال مرجعي.
الاستعمال المرجعي هو الاستعمال الذي يكون للفظة، أو لمركب من الألفاظ في إحالة تكون معروفة أكثر من غيرها، مثل استعمال لقب (حمالة الحطب) لامرأة بعينها هي، امرأة أبي لهب، وفي سياق بعينه هو، سياق الوصف أو الوسم مثلما سنبينه لاحقا. فائدة الاستعمال المرجعي للعبارة أنه يقيدها باستعمال معلوم وقد كانت لها دلالة عامة، هي ضرب من تخصيص الملكية الدلالية بعد أن كانت الدلالة ملكا مشاعا. الأصل في العبارات المعجمية أنها تنتمي إلى قائمات مفتوحة على دلالات مفتوحة، ومتطورة بتطور الاستعمال، فلا يمكن أن نحصر وحدة معجمية بدلالة سياقية ثابتة. يمكن أن تعيش الكلمات وتموت الدلالات التي تحملتها طيلة استعمالها في حياتها. فلا أحد اليوم ينكر أن لفظة (سيارة) التي ذكرت في الآية 19 من سورة يوسف في قوله تعإلى «وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم» كانت تحمل دلالة ليست لها الآن وهي معنى الجماعة المكثرة من السير، التي قد تحيل إلى معنى القافلة؛ وأنه لا علاقة لها بمعنى سيارة المستخدم اليوم في الدلالة على العربة. عاشت دلالة سيارة بين عصر قديم، كانت فيه دالة على المبالغة في السير وهذا أصلها، وعصر حديث باتت تعني فيه المركبة ذات الدفع الذاتي، التي تسير على عجلات.
تكتسب العبارات دلالاتها القديمة، أو الجديدة بالمقارنة مع دلالات أخرى متقاربة صيغيا منها. فعلى سبيل المثال فإن (حمالة) و(سيارة) وهما في الآيتين صيغتا مبالغة تكتسبان دلالتهما الاشتقاقية من علاقتهما بصيغة اسم الفاعل، أي في علاقة (حمالة) بـ(حامل) وفي علاقة (سيارة) بـ(سائر)، أي أن (فعالة) التي بنيت عليها سيارة وحمالة، هي صيغة تدل على مبالغة اسم الفاعل أي أن الفاعل: (سائر) و(حامل) يدلان على معنى الوصفية، بلا مبالغة أو تكثير؛ لكن (فعال) تدل على الوصفية المبالغ فيها للفاعل. فإن تكون سائرا فهذا صفة لك، بأنك فاعل للسير وهي صفة من الناحية الكمية أقل من أن تكون سيّارا، وأن تكون حاملا فهذا أقل من أن تكون حمالا، لهذا لا يمكن أن يكون للدلالة الاشتقاقية معنى فردي، بل لها شبكة من المعاني الاشتقاقية المقابلة لها، تعطيها معناها المخصوص في تلك الشبكة الدلالية الاشتقاقية. هذا الكلام مؤثر في فهم كلمة (حمالة) في (حمالة الحطب) على أنها تعني المبالغة في حمل الحطب، وهو معنى آخر وأكثر من (حاملة الحطب). غير أن السياق الذي ترد فيه العبارة يوجه المعنى الاشتقاقي وجهة للوسم السالب الذي يتضح بــ(في جيدها حبل من مسد).
مبالغة حمل الحطب للتصاريف التي للحطب، هي التي أوجبت لها الحبل من المسد من بين أشياء أخرى. والأمر نفسه يقال عن (السيارة) في سياق الآية أعلاه التي أوجبت أن تكون تتمة الدلالة معقولة في (فأرسلوا واردهم) كثرة السير توجب العطش، ولا يوجبه السير غير المكثر، كما لو قيل وجاء سائرون، أو جاء سائر نريد أن نقول من هذا إن المبالغة أو التكثير في الصيغتين تفيض دلالتها على السياق اللاحق من غير أن تظهر تلك الإفاضة إلا بالتدقيق. هناك إذن سياق مرجعي لغوي يكتسب من علاقة الصيغة بالصيغة، وهذا مرجع بنيوي وهناك سياق مرجعي نصي يوجه الدلالة البنيوية إلى ضرب من الإفادة، التي وجهت في الآية المذكورة الصفة إلى الوسم السالب.

وسيفهم بالبحث عن الرمزي في حمل الحطب في الثقافة البدوية القديمة. (حمالة الحطب) ستكون ابتداعا لغويا ثقافيا قريبا من قولهم (فلان حاطب ليل) وهو من يتكلم بالغث والسمين ولا يتفقد كلامه؛ فحطب الكلام هو المعنى المقصود.

إن التطور الدلالي الذي يحدث على الكلمات، بمفعول التراكم الثقافي عبر الزمان، يختلف طبعا عن التطور الدلالي السياقي الذي يحدث بفعل التراكم السياقي الآني عند التقدم في القراءة. ففي سياق سورة المسد فاضت هذه الصفة على كل المقطع المخصص لامرأة أبي لهب. فلو قرأنا (حمالةُ) بالرفع وهي قراءة ممكنة من قراءتين لاستفدنا دلالة مرجعية تكون فيها الصفة واسما محايدا للموصوف (امرأته) وأن هذه الصفة جاءت لتعطينا «إرشادات أكثر» عن لفظة معلوماتها قليلة (امرأته) وبعبارة أخرى فإن (امرأتُه) لم تقدم في سياق الآية غير معلومة أولية تبنى عليها الإرشادات اللاحقة. وهي في ذلك التعيين لا تقدم معلومة موجهة للدلالة وجهة الوسم السالب أو الموجب، لأن لها دورا تعيينيا بتدقيق صفة هذه الزوجة وبنشاطها البارز أكثر من غيره وهو الإكثار من حمل الحطب.
ولا يمكن أن تكون المعلومة المذكورة سابقا عن زوجها أبي لهب (تبت يدا أبي لهب) موجها بالضرورة إلى نعت سلبي لزوجته فربما كان الزوج صالحا، وكانت المرأة غير ذلك مثلما هو الأمر في سياق قرآني آخر امرأة نوح وامرأة لوط فقد «كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين» ولربما كان الزوج باغيا مثل فرعون وامرأته صالحة. السياق المرجعي النصي وهو القرآن يعدل من الاندفاع إلى توسعة وسم الرجل لتشمل امرأته. الحق أن (حمالة الحطب) ليس فيها من جهة دلالتها الصريحة قيمة سلبية، لأن الإكثار من حمل الحطب في ذاته، ومن غير ارتكاز على حكاية معينة توضح لنا علة هذا الإكثار من حمل الحطب، أو من غير الاستناد إلى الدلالة الثقافية للعبارة (حمالة الحطب) السائدة في ذلك المجتمع، لا يمكن أن تكون حاملة بما هي صفة لموصوف لمعيار قيمي أو أخلاقي سالب أو موجب. لذلك اشتغل المفسرون على الحكائي فسردوا معلومات تاريخية وبنوا وضعيات تفسر علة الإكثار من حمل الحطب، واشتغلوا على الرمزي الثقافي بأن بينوا أن حمل الحطب والإكثار منه هو كناية عن الإكثار من الحديث النمام الساعي بين الناس. في تفسير (حمالة الحطب) بالطريقتين، منهجان مختلفان لا يبينان عن بنية ذهن المفسر، بل عن انتظارات المفسر له. سيفهم إما برد المعاني إلى حيثيات ووقائع، أي إلى بنية سردية تريد أن تعرف ماذا وقع من أحداث خلف هذه الصفة المختزلة، التي تنعت بالسلب امرأة أبي لهب في هذا قال الطبري: «كانت تجيء بالشوك فتَطرحه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل في قدمه إذا خرج إلى الصلاة». وسيفهم بالبحث عن الرمزي في حمل الحطب في الثقافة البدوية القديمة. (حمالة الحطب) ستكون ابتداعا لغويا ثقافيا قريبا من قولهم (فلان حاطب ليل) وهو من يتكلم بالغث والسمين ولا يتفقد كلامه؛ فحطب الكلام هو المعنى المقصود، وهذا ما نجده في قول الطبري وقال آخرون: قيل لها ذلك: «حمالة الحطب لأنها كانت تحطب الكلام وتمشي بالنميمة وتعير رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر. في البحث عن العدول من حاطب ليل أو حاطب كلام إلى حمالة حطب، أسئلة أخرى لها صلة بالابتداع الذي لا يريد أن يجدد ثوب المعاني تجديدا كليا وإنما يأخذ ما يحيل على القديم ويمزجه بشيء من الجديد فلا يفقد الكلام تليده، ولا يفرط في شيء من الولادة الجديدة، بذلك لن تكون الولادة قيصرية.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية