يمكن انتقاد سياسة الحكومة تجاه المسألة الإيرانية، ومن المفضل طرح بديل يتجاوز التوصية بتبني سياسة “اقعد ولا تفعل شيئاً” على أمل أن ينقضي التهديد الإيراني من تلقاء ذاته، أو أن تعالجه واشنطن نيابة عنا. وبشكل عام، يجدر الاعتراف بأن السياسة الإسرائيلية في العقود الأخيرة نجحت في تأخير طريق إيران نحو النووي، وكبح تموضع طهران في سوريا. صحيح أن الحديث يدور عن كبح وليس عن توقف تام، ومع ذلك تخلفت إيران نحو 20 سنة في سباقها إلى النووي، بينما تتخبط في الوحل السوري منذ نحو عقد. كل ذلك، دون أن تؤدي مساعي إسرائيل لكبح الإيرانيين إلى مواجهة جبهوية حذر منها الكثيرون من بين المنتقدين.
والآن أضيفت حجة جديدة: الحكومة تمس بالغموض بمجرد تصريحاتها (“المتبجحة”) وهكذا تدفع الإيرانيين إلى الرد. غير أن الغموض قد يكون موجوداً في عناوين الصحف الإسرائيلية أو في أوساط أولئك الذين لم يتعلموا بعد قراءة ما بين السطور. ولكن في طهران ودمشق أو في بيروت لا يوجد غموض ولم يكن. والدليل هو أن السوريين والإيرانيين يدحرجون المسؤولية نحو إسرائيل دائماً. وبالمناسبة، الأمريكيون هم مسربو الأنباء عن مسؤولية إسرائيل على هذا الهجوم أو ذاك، في مسعى لإبعاد كل تهديد عن جنودهم المرابطين في المنطقة.
نفهم سبب اختيار إسرائيل للغموض في كثير من أعمالها في الجبهة الداخلية للعدو، فهي غير معنية للسماح بدوخان إعلامي يكشف أمام العدو كم هو هش ومخترق أمام القدرات الاستخبارية والعملياتية لديها. وثمة اعتبار آخر، وهو الرغبة في الامتناع عن “دس إصبع في عين” السوريين أو الإيرانيين، كي لا تدفعهم نحو الزاوية وتجبرهم على الرد. ربما كان هناك مكان لهذه الاعتبارات عندما بدأت إسرائيل المعركة ضد “محور الشر” قبل قرابة عقدين. ولكن المعركة بين الحروب تلك، لم تعد منذ زمن بعيد سرية، بل خرجت عن نطاق عمليات منفردة وموضعية.
للغموض أهمية في الجانب السياسي، إذ إنها تعفي عن إسرائيل النقد والقرارات المنددة بها في المؤسسات الدولية. وفضلاً عن ذلك، فإن التصعيد اللفظي في شكل تحمل المسؤولية بشكل مباشر قد يؤدي إلى تدهور غير مرغوب فيه. ولكن ليس الغموض هو الذي منع بشار الأسد من الرد بعد الهجوم على المفاعل النووي في 2007، وليس الغموض هو الذي منع نصر الله من الرد على تصفية رئيس أركان حزب الله عماد مغنية الذي نسبه هو نفسه لإسرائيل، بل إن ما أوقفه في حينه ويوقف الإيرانيين اليوم هو قدرة الردع الإسرائيلي وتفوقها الاستخباري والعملياتي. هذه -وليس الغموض المزعوم – هي التي تقيد قدرة رد العدو.
ولهذا السبب، فإن الادعاءات التي طرحت مؤخراً في وسائل الإعلام الإسرائيلية، وكأن الحكومة بتصريحاتها تدفع إيران لتصعيد زائد، بعيدة عن الحقيقة. أولاً، مسموح لزعماء الدولة أن يعززوا الجمهور الذي يتعرض كل يوم لتهديدات طهران بأنها ستشطب إسرائيل من على الخريطة. ثانياً، تقرر إسرائيل السياسة وفقاً لعناوين الصحف، وتخرج بسببها إلى الحرب أيضاً، مثلما حصل في تموز 2006 لحكومة أولمرت. أما طهران وبيروت، بالمقابل، فتريان الأفعال، وتسمعان التصريحات، ولكنهما تدرسان موازين القوى، وتفهمان خطوط إسرائيل الحمراء وتجتهدان بألا تجتازانها.
بقلم: أيال زيسر
إسرائيل اليوم 19/4/2021