سلوى محسن من الكاتبات المهتمات بأحوال القرية المصرية وأوضاعها، التي اختلفت وتباينت خلال السنوات الأخيرة، ظهر هذا منذ مجموعتها القصصية الأولى «الوجه الآخر للنهر» وتأكد هذا الاهتمام والرصد للريف المصري في روايتها الأحدث «مناسك الخوف» عن هذه الرواية، وحول تجربتها الإبداعية كان هذا الحوار:
□ كيف كانت البدايات؟
■ البداية كانت قبل ثورة يناير/كانون الثاني بثلاث سنوات، ورغم الظروف الاقتصادية الخانقة التي مسّت جميع المصريين، ملأني الأمل فجأة. وعلى خلاف المتوقع، وجدتني أتذكر تفاصيل صغيرة من طفولتي في القرية، النعش القابع أمام جامع القرية، الذي يطل على الترعة، أمسكت بالقلم وكتبت (لعبة التابوت) وانخرطت في بكاء ذهبت بعده في نوم عميق، في الصباح، وفي طريقي للعمل، استدعيت باقي التفاصيل، وازدحمت رأسي برؤوس أقلام عن عدة قصص، فكرت أن تكون رواية، لكني ارتعبت من فكرة أن تكون أولى محاولاتي رواية، رأيت أنها قفزة كبيرة جداً لا تصلح كبداية، لكنني تذكرت كل التفاصيل التي عشتها، أو أنصتُ إليها وأفرغتها على الورق، وكأنها قصة واحدة كبيرة مقسمة إلى أجزاء، لم أكن مقتنعة بصلاحيتها لأن يطلع عليها أحد، فخزنتها، فضلًا عن جهلي بمسالك النشر والانتشار، إلا أني أعرف كلفته العالية بالنسبة لي، صدفة صغيرة كانت سبباً في نشرها، بعد الثورة وفي لقاء مع بعض أصدقائي في أتيليه القاهرة، كان فيهم محمود يسري، صاحب دار (الكُتُبي)، سألني عما أفعل، أقرأ وأرعى بناتي وأكتب، تكتبين! إذن هات ما كتبت، بعد يومين أخبرني أنها رائعة، وليس فقط صالحة للنشر، لاقت المجموعة قبولاً وإشادة إلا أنها لم يُكتب عنها حرفٌ.
□ في 2013 كنت أحد الموقعين على بيان ضد أسلمة الثقافة، ومؤخراً كنت أحد الموقعين على بيان ضد هدم مسرح البالون والسيرك القومي، فماذا عن
دور المثقف في قضايا الأمة؟
■ قدر المثقف أن يحمل رؤية خاصة بالمتناقضات في محيطه، وينقل للمجتمع وعياً يتعلق بالحريات العامة والحقوق والعدالة، وبين قوسين يمكنه أن يدلنا على حقيقة الحياة بين الماضي والمستقبل، ويُتوقع منه هذا في فترات المد والجزر، الانحطاط والازدهار الاجتماعي. ولو انحاز المثقف – فقط – لمنجزه الشخصي على صعيد مهني وإبداعي، وانضوى تحت مظلة (حكومية) تنحاز بدورها لشريحة أو جماعة أو لطبقة معينة، أو انضوى باختياره لجماعة ما، توقف دوره كمثقف يحمل وينشر قيما جمالية، هنا يصير المثقف بوقاً أيديولوجيا وسجيناً، فماذا تتوقع من سجين!
قدر المثقف أن يحمل رؤية خاصة بالمتناقضات في محيطه، وينقل للمجتمع وعياً يتعلق بالحريات العامة والحقوق والعدالة، وبين قوسين يمكنه أن يدلنا على حقيقة الحياة بين الماضي والمستقبل، ويُتوقع منه هذا في فترات المد والجزر، الانحطاط والازدهار الاجتماعي.
□ صرحت بأن جوائز الدولة تخضع للشللية والعلاقات بين الكاتب ولجان التحكيم، ما أهم ملاحظاتك على هذه الجوائز؟
■ الشللية هي معادل غياب المؤسسات الثقافية، التي تعزز دور المبدع، ليس بمعنى تدليله، وإنما بمعنى تمهيد الطريق له ليتفرغ لعملية الإبداع، شخصياً لا ألوم أحدا ولا نفسي كوني لا أنتمي لشلة بعينها، فهذا هو اختياري لأتحرر من ضغوط أحادية الفكر والاتجاهات المرتبطة بكل جماعة، وأيضا من شبهة المجاملة وما يندرج تحتها من اتهامات مهينة بحق المرأة المبدعة خاصة، أما الجوائز، فهي تعاني محنة الانتماء لثلة – بالطبع ليست كلها- لكن الجوائز التي تتمتع بلجان موضوعية حيال العمل، لابد أن يكون المبدع متحققا لينفذ إليها، فماذا يفعل المبدع غير المشهور، غير المتحقق (عبر ثلة)، والذي لا يمتلك مالاً فائضا ينفقه على نشر أعماله والترويج لها، كيف يصل لوسائل الإعلام المختلفة، وهي آلية مؤثرة جداً في الوقت الراهن.
□ في مجموعتك القصصية «الوجه الآخر للنهر» تعرضت إلى الوضع الاجتماعي والسياسي قبل ثورة يناير، حدثينا عن هذه التجربة؟
■ تضم المجموعة أربع عشرة قصة، منها اثنتان تنتميان لجنس القصة الطويلة (النوفيلا) إحداهما تحمل عنوان المجموعة، والأخرى بعنوان (بستان النار)، كنت ممتلئة بدين حيال بعض الشخصيات والأحداث التي عاصرتها وأثرت فيّ، كنت حزينة على ما آل إليه حالنا، وظل في داخلي سؤال: هل ستموت شخوصك التي تحبينها، تلك التي لعبتِ وعشتِ وأكلتِ وشربتِ معها؟ هل ستتركينها هباء منثورا؟ هل تموتين؟ فكتبت «الوجه الآخر للنهر» كي لا أموت، النهر في وجداننا حياة، زرع وأراضٍ تنجب مرتين في العام، وبيوت مسكونة بخيرات النهر من طحين وحبوب وألبان وطيور، النهر في قصص المجموعة كان شاهداً على وجه آخر للحياة مؤلم وموجع، وجاءت شخصياتي من الأسرة الريفية، أو من أصول ريفية تعيش في المدينة، عن حياة المرأة والطفولة وهو العالم الذي التصقت به وتعاطفت معه، عن مجتمع يسوده رجل محمل بإرث ثقافي يدير الحياة بمفهومه، دون التفاتة لشركائه من النساء والأطفال، أكتب عما أعرفه ولمسته وعشته، الدين وظله وأثره فينا، العفة ومفهومها، تواضع مهارات المرأة في فنون الحب، وانغماس بعض الرجال في ملذات جنسية، وانتظارهم لامرأة تفعل لهم ما تفعله بنات الهوى، الفقر عموماً وأثره في الحياة، المسكن والطعام والتعليم وفرص العمل تحديدا، هالني هوان حال الأسرة محدودة الدخل، أو المعدمة، ما يجبرها للدفع بأطفالها إلى سوق العمل وتعريضهم للمخاطر، فيعمل الأطفال كأحد سبل النجاة، مخاطر الرغبة في تحسين ظروف العمل وما يتبعه من اضطهاد للعمال والأجراء، اصطياد المرأة الوحيدة وحصارها وانتهاكها وهي تسعى للعيش وإعالة أسرتها.
□ في روايتك الأحدث «مناسك الخوف» حفر عميق في ذاكرة الريف المصري، وعودة إلى فترة منسية من هذا التاريخ، ماذا أردتِ من تلك العودة؟
■ هي ليست عودة مقصودة، إنما لأني دائمة الحفر في ذاكرتي، بصفتي امرأة تنتمي للريف بحكم الميلاد والتنشئة، صحيح لم أعش في القرية، لكني لم أنقطع عنها، فكان لزوم ما يلزم من السرد، رصد لحظات مختلفة تماما عرَفتها الحياة في مصر عموما والريف خاصة، هذه اللحظات هي بمثابة ملاذ أحتمي به مما حدث ويحدث، لحماية وجداني من التهاوي، وتذكير نفسي بأن هناك حياة أخرى تستحق أن نحياها، ولأن الفلاح المزارع لديه شعور بالهوية، بالتقاليد بالزمان والمكان، بالديانات المختلفة، ولديه أيضا شعور بالانتماء إلى عائلة ومكان ومنطقة محددة، فكان ذهابي إليه، إلى من يعرف التربة التي يسكنها خير روحِي، منها يتعلم الاعتماد على النفس والشجاعة، ومن اتصاله المباشر مع الطبيعة، ومن خلالها، يصل لعلاقة أوثق مع الله، لأنه الوحيد الذي يتبع مثال الكون في خلق النظام من الفوضى.
□ في الرواية أيضا رصد دقيق لقضايا المرأة وذكورية المجتمع، ما أهم ما رصدته الرواية إبان تلك الحقبة؟
■ للخوف في الرواية مصادر مختلفة، الخوف من الموت، من الظلم، من الجفاف ومن نقص الغذاء، الخوف من الطبيعة ومن خسوف القمر وانحسار الماء، تحول الخوف في وجدان بطلة الرواية إلى خوف وجودي بأسئلة: ما هذا الكون ومن وراءه، ما هي أسباب وأصول التمييز المختلفة بين البشر، وباعتبار المرأة هي المسؤولة عن تهيئة الأشياء للنمو والبقاء، كان هاجسها: هل تستمر الحياة، الماء والغذاء، هل يستمر النهر في الجريان ولا تضربنا الهاجرة؟ على جانب آخر كان هاجس الرجل: كيف نستولي ونقصي، كيف نحفظ مُلكنا ونزيده؟ في الرواية شخصيات نسائية مدمرة ورجال بناؤون، عن الذكورية وأمثلتها الصارخة، مثلا، المرأة تعمل بلا مقابل في الأسر الميسورة والمعدمة، في البيت وفي الحقل، وفي محل العمل، في الملكية لا تحوز الأصول (الأرض والمسكن) والمال، في الأخلاق العامة لا يغفر الرجل لها أخطاءها، بل يحملها أخطاء المجتمع وخطايا ذكوره.