أربع تجارب تشكيلية مصرية تحاور المدارس الفنية المختلفة

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة-»القدس العربي»: شهدت الفترة السابقة في القاهرة نشاطاً تشكيلياً لافتاً، وعلى كثرة المعارض إلا أن القليل منها هو ما يحمل بصمة خاصة أو تجربة تثقل روح ووعي صاحبها، وليس مجرد تكرارات أو الاكتفاء بإقامة معرض يحضره الأصدقاء والمعارف وما شابه في معظم التظاهرات الثقافية، فما بال الأمر هنا ونحن في سبيل معرض تشكيلي، لا يحضره سوى القِلة؟ لذا كان لابد من الانتقاء من بين كل هذه المعارض، والتي تعد من أكثر ما يتم افتتاحه في القاهرة، وهو أمر ينطوي على مفارقة غريبة، حيث معظم القاعات فارغة من الجمهور، وكأن اللوحات كما أصحابها تعاني عزلة مزمنة، وربما أصحابها هم سبب هذه العزلة من خلال لوحات لا تعبّر عن أحد، ولا تُشرك أحدا في ما تريد التعبير عنه.
إلا أن البعض يحاول التواصل بطريقة أو بأخرى، ولا يجد احتكاماً إلا لصدقه الفني، دون اللهاث وراء تجريب أجوف، لا يعي فلسفة يحققها، أو تجربة جمالية يسعى إلى تأكيدها من خلال لوحاته. ومن هذه المعارض اللافتة نجد «إيحاءات اللون الأصفر» للفنان فرغلي عبد الحفيظ، «بياتي» للفنان هاني عبد البديع، «051» للفنان محمد خضر، و»بالونات» للفنانة ثريا فهمي. وفي ما يلي نظرة سريعة على هذه المعارض.

إيحاءات اللون الأصفر

يواصل الفنان فرغلي عبد الحفيظ تجاربه اللونية في معرضه الذي أقامه في غاليري الزمالك للفن، متخذاَ من اللون الأصفر ثيمة عامة للوحاته ــ يُذكر أن عبد الحفيظ أقام معرضاً سابقاً في 2019 كانت ثيمته اللون الوردي ــ هنا يستحضر الفنان قوة اللون الأصفر، وما يوحي به من نور الشمس القوي، كذلك لون الصحراء والمعابد والمنحوتات المصرية القديمة، هكذا يقول الفنان في تقديمه لمعرضه. إلا أن جماليات اللوحات تكمن في تفاعل هذا اللون مع الألوان الأخرى، قد يكون هو المسيطر، أو أن يصبح ظلاً لشخص أو حركة أو عنصر من عناصر اللوحة، فتوضح مساحته البسيطة التي يشغلها قوة حضوره. كذلك يواصل فرغلي الاحتفاء بالموروث القديم، وجعله لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية للمصريين، كنزهة نيلية على سبيل المثال، وليمر مركب فرعوني في اللوحة بجوار المراكب النيلية المعتادة. وأن يتم تجسيد «أم كلثوم» من خلال نِسب مختلفة في التكوين، وكأنها إحدى المنحوتات القديمة. كما أن المادة اللونية نفسها تساعد على هذا الإيحاء بالقِدم، أو كأنها رسم من رسومات الكهوف. لم يكتف عبد الحفيظ بذلك، بل أضاف رموزاً معهودة متواصلة منذ الحضارة المصرية القديمة وحتى اليوم، كالقطط والأسماك، والتي لا تجتمع معاً إلا في عالم اللوحة، وهو ما يجعل بعض من لوحات المعرض تقترب من حِس سيريالي رصين.

051

قد يكون غريباً أن يصبح رقماً عنواناً لمعرض، لكن الفنان محمد خضر حاول توضيح الأمر في مقدمة معرضة الذي أقيم في غاليري أوبونتو، بأن لكل رقم معنى، في أن الصفر يرمز للانهائية وأن الواحد يرمز للحداثة والإصرار والخمسة ترمز إلى الشجاعة وجلب الحظ. وبخلاف شروحات الفنان، إلا أن اللافت هو مدى تفاعل المتلقي مع اللوحات التجريدية، التي اتخذت من الأشكال موضوعاً لها، هنا يمكن اكتشاف علاقات وعالم من الأشكال وعلاقاتها بسطح وتكوين اللوحة، حوار دائم وعلاقات متشابكة، حتى أنه في أغلب الأحيان لك أن تتخيل أن هذه الأشكال المجردة ما هي إلا تنويعات لحالات إنسانية وشخوص لا تخطئها العين، ما بين أشكال مستقيمة وآخرى مائلة، كما توجد مجموعات لبعض الأشكال، بينما شكل وحيد يتصدر اللوحة ويصبح بطلاً متفرداً في وحدته هذه ومخالفته للمجموع حجماً ولوناً. كذلك المسافات المتفاوتة بين الأشكال أو الأجسام، فقد نجد التنافر أو التواؤم والتعاطف الشديد، علاقات الحب أو الفراق، وكل هذه الأحاسيس الإنسانية. براعة الفنان هنا تكمن في نقل كل هذه المعاني للمتلقي من خلال أشكال غارقة في التجريد، فلم تغب عنه لحظة فكرة التشخيص، وأن تتم صياغة هذه العلاقات الإنسانية من خلال أشكال قد نراها في ما بعد، وننظر إليها نظرة مختلفة تماماً.

بياتي

ومن التجريد الصرف إلى التجريد التعبيري، كما في معرض الفنان هاني عبد البديع، الذي اتخذ من المقام الموسيقي الشرقي الشهير «البياتي» عنواناً لمعرضه الذي أقامه بغاليري النيل. ومن خلال عدة لوحات ارتبطت ببعض الآلات الموسيقية أو بحالة من حالات الرقص يجسد الفنان إيقاعاً لحركة الأجساد، فالشخوص إما في حالة عزف أو رقص، لنجد الطبلة، الأوكورديون، التشيللو، وصولاً إلى الرقص. كذلك طغت الألوان الحارة على جميع اللوحات، لتجسد حالة تفاعل الجسد مع الفعل نفسه، حتى أن الجسد يصبح متماهياً سواء من الآلة التي يتم العزف عليها، أو من خلال رقص رجل وامرأة، يصبح كل منهما آلة الآخر الموسيقية، هذا التداخل أو التماهي نفسه أكدته الألوان التي لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، فهناك تداخل وتناغم تام، يؤكد اللون من خلالها الحالة التي تعيشها شخوص اللوحات. فكرة العزف والموسيقى ليست بجديدة، لكن هناك حالة وطاقة إيجابية تشع من هذه الشخوص، من خلال إيقاع يمكن سماعه والإحساس به في كل لوحة من اللوحات.

بالونات

وأخيراً نأتي لمعرض الفنانة ثريا فهمي، التي أقامته في غاليري بيكاسو، لتصبح البالونات مدخلاً لعالم الطفولة السحري بكل مفارقاته وتناقضاته، فالحِس الطفولي هو ما يجعل الخيال محلقاً، من دون التقيد بأية مرجعيات واقعية، حتى وأن كانت طفولة بعيدة، فالمرأة هنا في جميع مراحلها العمرية، طفلة وشابة وامرأة وأم، لم تزل تحلم ولم تزل تسجل لحظاتها الهامة في حياتها، دونما افتعال أو تعالي، في بساطة شديدة قد تقترب في تكويناتها من رسومات الأطفال، وهو أمر ليس بالهين الحفاظ عليه. قد تطير في السماء لترافق الطيور والأسماك، وقد تستلقي على أريكة بين النجوم، وقد تتباين ملابسها، ما بين فتاة بضفائر، وأمرأة من حي شعبي، وأخرى ريفية، وأخيرة تميل إلى فئة أعلى. هناك أجواء احتفالية في جميع اللوحات، حتى المرأة التي يجاورها طفلها، تعيش طفولتها بدورها. ولكن هناك لوحة واحدة تكشف حالة من الحزن والحنين إلى طفولة ضائعة أو على وشك الفقد، عروس باكية وسط صخب صديقاتها، وقت تجميلها، لكنها تتذكر ألعاب الطفولة في أسى، وكأنها بالون سيصعد إلى السماء ولن يعودة مرّة أخرى. الأعمال في مجملها ــ رغم حالة البهجة ــ تتأسى على عالم تستمده من الذاكرة، والتي تصبح بدورها هي كنز الفنانة ومنبع سعادتها الوحيد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية