طرابلس-»القدس العربي»: انتكاسات عديدة مر بها اقتصاد ليبيا الريعي منذ عام 2011 وحتى يومنا هذا، ما أثر سلبا على حياة المواطنين البسطاء خاصة، وعلى ما تمتلكه الدولة من احتياطيات أطلقت صفارات الإنذار منذرة بكوارث إن لم توضع الحلول.
أسباب عدة كان أولها في القائمة الطويلة، الانقسام السياسي الذي ضرب أركان الدولة الاقتصادية منها والسياسية والاجتماعية، فضلا عن الحروب الدامية والمسلحة والفساد الذي استشرى في مفاصل الدولة.
ولكن وبمقارنة الفترة الاقتصادية الحالية بما سبقها من فترات أسوأ نجد أن انتعاشا بدأ ينهض بالمؤشر الاقتصادي للدولة منذ اعتماد الإصلاحات الاقتصادية في ليبيا في عام 2017 وانتهاء بتعديل سعر الصرف خلال العام الجاري.
حبل النجاة
هيكل اقتصادي اعتمدته ليبيا منذ الأزل فساهم في تدمير القطاع يوماً بعد يوم، نظراً لعدم جدواه الذي أثبت على مر الزمن، حيث كان الاقتصاد من سنوات عديدة كالمبنى الذي يقف على عمود واحد ان سقط ، دمر المبنى بأكمله.
اقتصاد ريعي يعتمد بشكل شبه كلي على النفط في تمويله، حيث يستحوذ النفط على نسبة 95 في المئة في الإنتاج المحلي، في أرض تتنوع مواردها، وتزدهر بخيرات لا تعد ولا تحصى، وأمامها العديد من الخيارات التي تفتقدها دول أخرى لتنويع مصادر دخلها، ولكنها فضلت التعلق بهذا المصدر الوحيد، لربما بسبب الأزمات التي واجهتها.
80 في المئة من إجمالي تمويل الخزانة العامة للدولة يغطيه النفط، الأمر الذي أصبح يشكل تهديداً للاقتصاد الليبي بشكل عام في حال توقفه أو تعثره كما حدث في عام 2016 عند إقفال النفط من قبل المدعو جضران، وكما حدث الآن بعدما أقفل من قبل حفتر.
أراض شاسعة تمتلكها ليبيا تمكنها من احتلال مرتبة عليا بين الدول النشطة اقتصادياً، خاصة مع الخصوبة والجودة التي تمتلكها أرضها فضلاً عن الموارد المائية والثروات التي تكتنزها داخل مياهها والتي تتعرض للإهمال حتى اليوم، ناهيك عن المعادن التي تتقاتل الدول للحصول عليها والشواطئ التي تستطيع الدولة استغلالها في السياحة.
كل هذه الموارد تجعل النداءات بتنويع مصادر الدخل تتصاعد، في ظل غياب المبادرات الجدية والواقعية لذلك، ويبقى القطاع الخاص هو الأمل الوحيد للدولة الليبية، حيث أن هذه المشاكل تستدعي إتاحة الفرصة لهذا القطاع وخلق شراكات معه، لتنفيذ ما لم تستطع الدولة تنفيذه، ولتتخلى ليبيا عن حبل النجاة الوحيد الذي تتمسك به قبل السقوط في الهاوية.
مشاكل قطاع النفط
ونتيجة للحروب الدامية التي شهدتها البلاد وللتوقف المستمر لصادرات النفط مرارا وتكرارا، تأثرت البنية التحتية لقطاع النفط بشكل كبير إلا أن المؤسسة الوطنية للنفط استطاعت أن تنقذ هذا القطاع وتصل بالإنتاج مجددا إلى 1.3 مليون برميل يوميا، لتنذر بكارثة أكبر. فقبل يومين أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط عن حالة القوة القاهرة على صادرات ميناء الحريقة النفطي، نتيجة للديون المتراكمة على الشركات ولرفض المصرف المركزي تسييل ميزانية القطاع ما أثر بشكل سلبي عليه.
فقد أعلنت شركة الخليج العربي للنفط اضطرارها لإيقاف عملياتها وتخفيض إنتاجها بعد عجزها عن الوفاء بالتزاماتها المالية، ما أدى إلى تخفيض إنتاج البلاد بحوالي 280 ألف برميل من النفط يوميا، مشيرة إلى أن الخسائر اليومية لهذا الايقاف تقدر مبدئيا بـ118 مليون دينار ليبي.
ورغم إصدار حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا لقرار يقضي بتمويل قطاع النفط بميزانية تبلغ مليار دينار إلا أن محافظ المصرف المركزي رفض تنفيذ القرار بدون أي أسباب منطقية تذكر، ما أثر على قطاع النفط وهدد استمراره، وهذا ما يدفعنا للحديث عن أهمية حسم باب المناصب السيادية.
المؤسسة الوطنية للنفط أعلنت أيضا عن انخفاض إنتاج البلاد من 1.3 مليون برميل يوميا إلى مليون فقط، بسبب قيام الشركات بتخفيض إنتاجها لغياب التمويل اللازم، ورغم مطالبة رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط بتوفير الميزانية بشكل متكرر ومنذ عام 2018 إلا أن التنفيذ بقي مرهونا في يد المصرف المركزي الذي رفض مرارا رغم استناد الدولة على النفط .
شركة سرت لإنتاج وتصنيع النفط والغاز قالت أيضا أنها ستضطر لتخفيض إنتاجها بسبب غياب الميزانيات اللازمة لذلك، حيث وجه رئيس مجلس إدارتها رسالة عاجلة لرئيس المؤسسة الوطنية للنفط بخصوص عدم قدرة الشركة على الاستمرار بعمليات التشغيل واضطرارها مرغمة لتخفيض الإنتاج وخروجه عن الخدمة.
رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط اتهم محافظ مصرف ليبيا المركزي بالتصرف بعائدات النفط كسلعة يمنحها لمن يشاء، وأنه يستأثر بصرفها على الاعتمادات الوهمية للسلع غير الضرورية استنادا إلى منشوراته بالخصوص، محملا إياه المسؤولية القانونية.
المصرف المركزي
رغم كون مصرف ليبيا المركزي من أهم المؤسسات السيادية في الدولة إلا أنه انقسم بين شرق وغرب ما أدى إلى انقسام القرارات، وتشتت الهدف. فمحافظ المنطقة الشرقية قام بالاستدانة من مصارف المنطقة حتى تجاوز الدين العام للدولة 50 مليارا، وارتفع بنسبة 270 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وغذى أيضا حروب حفتر وصفقات أسلحته.
المصرف الموازي قام أيضا بطباعة مليارات من العملة في روسيا ظنا منه أنه سيعمل على حل مشكلة السيولة بهذه الطريقة ما أدى إلى تهاوي القيمة الشرائية للعملة الليبية وحدوث تضخم كبير في الكتلة النقدية الموجودة خارج المصرف، حيث طبع الأخير بالتعاون مع روسيا أكثر من 4.5 مليار دينار ليبي.
ومع تعطل المسار الاقتصادي الذي قادته بعثة الأمم المتحدة في البداية، بقيت هذه المؤسسة السيادية غير موحدة حتى الآن بسبب مشاكل شخصية بين محافظ المصرف المركزي في طرابلس الصديق الكبير، ونائبه الذي سمي محافظا للمنطقة الشرقية علي الحبري.
ومع انقسام مجلس النواب الذي يعتبر السلطة العليا على المصرف المركزي لم يتمكن الأخير من وضع حلول، بل ورغم عقد المؤسسة اجتماع لمجلس إدارتها بشكل كامل، إلا أن النتيجة كانت اتخاذ قرار واحد وهو تعديل سعر الصرف واستمرت القطيعة واستمر كل فرع يتصرف وكأنه الرئيسي.
محافظ مصرف البيضاء علي الحبري قدم استقالته بشكل رسمي لرئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح إلا أن الأخير رفضها، واستمر الحبري في ممارسة مهامه من البيضاء، واستمر الصديق في ممارسة مهامه من طرابلس.
وبغض النظر عن الانقسام المستشري في هذه المؤسسة إلا أن الرئيسية منها والموجودة في طرابلس، ليست بأفضل حال من نظيرتها، فمنذ عام 2011 كان على رأسها الصديق الكبير ورغم مرور عشر سنوات على توليه لهذا المنصب، إلا أنه استمر فيه حتى الآن.
الصديق الكبير انفرد بشكل متكرر بالقرار، واندلعت العديد من المشاكل بينه وبين فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني سابقا ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله، وحتى الوزراء بسبب اتخاذه للقرار بشكل منفرد ووحيد.
ولعل آخرها ما حدث بينه وبين رئيس المؤسسة الوطنية للنفط من رفضه لتسييل ميزانيات صادرة عنها قرارات من الحكومة التي تفوقه في السلطة.
سعر الصرف
عقب إصدار مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي لقرار يقضي بتعديل سعر صرف العملة الليبية إلى 4.48 دينار للدولار الواحد، شهد الوضع المعيشي تقلباً وانتكاسة، لما تسبب به هذا القرار من ارتفاع في أسعار المواد الأساسية.
ورغم صحة الإجراء وضرورته إلا أن إهمال اتخاد الإجراءات المصاحبة لهذا القرار تسبب في انعكاسات سلبية ضربت المواطن بشكل مباشر، فللقرار العديد من الإيجابيات التي كان من المنتظر أن يراها المواطن على أرض الواقع أولها توفير السيولة بشكل كلي، ومضاعفة إيرادات النفط لتحسين الحياة المعيشية للمواطنين، والقضاء على التضخم، وزيادة احتياطيات الدولة من العملة الأجنبية.
إيجابيات بسيطة لمسها المواطن دون انعكاسها مباشرة عليه وهي انخفاض سعر الصرف في السوق الموازي إلى ما فوق خمسة دنانير، رغم أن المصرف قد قطع وعودا بالإبقاء على فرق بسيط جدا بين سعر المصرف والسوق الموازي قبل تنفيذ قرار تعديل سعر الصرف.
كما أن آلية إعطاء العملة الأجنبية بسياسة المحاصصة والاعتمادات حافظت على قوة السوق الموازي، والذي يعتبر المصدر الأول للعملة الأجنبية في ليبيا، والذي سيطر على سعر الصرف لسنوات عديدة ووصل على أيديه إلى عشرة دنانير مقابل الدولار الواحد في أوقات سابقة.
هي ذات المشكلة التي وقعت فيها حكومة الوفاق الوطني سابقا عند اعتمادها لمجموعة من الإصلاحات الاقتصادية دون استكمالها ما جعل آثارها العائدة على المواطنين جزئية وبسيطة واعتبرت بمثابة مسكنات آلام، ولم تحمل حلا جذريا للأزمة.
فتوحيد سعر الصرف وتعديله أمر إيجابي للقضاء على سياسة التعدد في السعر ولكن يحتاج لمؤسسة سيادية قوية وموحدة تقود القرار بشكل جيد وتتصدى إلى تبعاته السلبية، وتصدر إيجابياته العديدة، إلا أن المؤسسة الليبية منقسمة حتى في الإجراءات بين المصارف، فالمقاصة مقفلة منذ سنوات بين الشرق والغرب.
أزمة المقاصة
بسبب الانقسامات التي ضربت مؤسسة ليبيا السيادية البنكية، انفصلت المنظومة المصرفية بين شرق ليبيا وغربها وأغلقت المقاصة بينهما ما جعل التعاملات المالية تتوقف بين الشرق والغرب من سنوات عديدة.
ورغم عقد مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي للعديد من الاجتماعات بهدف وضع حلول للأزمات الاقتصادية التي أرهقت الدولة إلا أن مشكلة المقاصة ظلت دون حلول وكانت موضع خلاف بين المركزين، بل وأشارت المصادر أن محافظ المصرف المركزي بطرابلس رفض فتح المقاصة خوفا من استخدام الأموال في دعم حفتر مجددا.
انقسام تشهده المنظومة المصرفية بين شرق ليبيا وغربها، جعلت المرجو من تعديل سعر الصرف لا يتحقق بشكل كلي، نظراً للانقسام في الإجراءات، ولإقفال المقاصة لأكثر من ست سنوات متتالية ما ضاعف من معاناة المواطنين.
المحلل الاقتصادي ومؤسس سوق الأوراق المالية سليمان الشحومي قال في هذا الإطار «للأسف استمرت عمليات المقاصة متعثرة وتوقفت على العديد من المصارف الرئيسيّة بشرق البلاد ما أربكت عمليات فتح الاعتمادات فلا يمكن فتح اعتمادات بالمصارف المختلفة إلا عبر اشتراطات محددة زادت من الأمر تعقيدا وبسقف محدد كإيداع القيمة نقدا بالحساب أو أن يكون لديك صك إلكتروني وانحسار عمليات فتح الاعتمادات والحصول على النقد الأجنبي لمن لديه القدرة على العمل من منطقة محددة من البلاد».
وتابع الشحومي حديثه عن هذه القضية «إذا كنّا ندعي أن سعر الصرف تم توحيده، فيجب أن يتمكن الجميع من الحصول على حقوقهم والوصول إلى إنجاز معاملاتهم المتعلقة بالتجارة الخارجية في أي مكان بالبلاد، وعلى مصرف ليبيا المركزي أن يقود عمليات التسوية ويسهلها فذلك أهم أدواره على الإطلاق، فهو مصرف المصارف ولابد أن ترفع القيود المجحفة التي قد تزيد من الاحتقان الجهوي وتسبب في تعثر حكومة الوحدة الوطنية بعد ولادتها القيصرية».
وختم الشحومي حديثه بأن الأوان قد حان للنظام المصرفي الليبي بأن يعمل بعدالة وأن تنساب عمليات التسوية والمقاصة كانسياب الدم في العروق من دون وجود جلطات أو تخثرات تمنع حرية انتقال الأموال والشعور بعدم العدالة في الحصول على الخدمات وعدم المساواة مع كافة المصارف الأخرى.
الموازنة الحكومية لعام 2021
تقبل ليبيا على اعتماد ميزانية هي الأضخم في تاريخها الاقتصادي وتقترب من 100 مليار دينار استنادا إلى المقترح الذي قدم من رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إلى مجلس النواب لدراستها واعتمادها.
عوامل عدة ضاعفت من ميزانية الدولة لهذا العام، أولها تعديل سعر الصرف الذي تضاعفت معه أي مصروفات خارجية للقطاعات، وثانيها متطلبات المرحلة المقبلة من احتياجات الانتخابات وحتى ضرورة صرف مستحقات المواطنين من علاوة الأسرة والأبناء فضلا عن المرتبات المتوقفة.
حيث حمل مقترح الميزانية 33 مليارا للمرتبات، و12 مليارا للنفقات التسييرية و22 مليارا للتنمية و23 مليارا للدعم، و5 مليارات كاحتياطي في الميزانية.
إلا أن نقاطاً عدة وضعت حولها دائرة حمراء من قبل مجلس النواب أولها باب الطوارئ الذي أوصى بإلغائه كلياً لأن بوجوده سيباح لرئيس الحكومة التصرف فيه في أي لحظة، مطالبا باستبداله ببند يحمل اسم بند الطوارئ بقيمة مليار دينار.
كما استنكر المجلس في تقريره حول الميزانية والتي حصلت «القدس العربي» حصريا على نسخة منه، الصلاحيات الكبيرة الممنوحة لرئيس الوزراء المتمثل في شخص عبد الحميد الدبيبة، في التصرف في أبواب الميزانية المختلفة.
أما عن القوانين التي بنيت عليها الميزانية فقد قال المجلس أن الميزانية بنيت على قانون باطل وهو قانون صادر عن المؤتمر الوطني العام لسنة 2016 أي بعد انتهاء ولايته بسنتين، مما يجعل أساس استناد الميزانية خاطئا.
كما أن المجلس لاحظ وأوصى بتعديل بنود الدراسة والعلاج بالخارج، لما خصص لهم من ميزانيات كبيرة جدا فضلا عن بند المتفرقات، وباب الدعم وخاصة فيما يتعلق بالأدوية منوها بأن هذا الباب يفتح أبوابا شاسعة للفساد.
المجلس طالب بإعادة الميزانية إلى الحكومة لمراجعتها وإصلاحها والأخذ بملاحظات السلطة التشريعية حتى تعكس الميزانية أهداف الحكومة الحقيقية، مطالباً بترشيد الانفاق العام وتقليص الباب الثاني إلى تسعة مليارات دينار، والباب الثالث إلى 15 مليار دينار، والباب الرابع إلى 20 مليار دينار، أي بإجمالي 77 مليار دينار ليبي.
أحد أعضاء مجلس النواب، وأحد أعضاء اللجنة المشكلة لمراجعة الميزانية عبد المنعم بالكور أكد في تصريح لـ»القدس العربي» أن الميزانية ستعود لحكومة الوحدة الوطنية مع مهلة 10 أيام لتعديلها ومراجعتها وتقنينها موضحا بأنها لا يجب أن تتجاوز 79 مليار دينار كحد أقصى.
باب الدعم ومشاكله
تنفق الدولة الليبية سنويا على دعم الوقود والأدوية ما يقارب من 8 مليارات دينار، وقد تضاعف هذا الرقم بعد تعديل سعر الصرف، إلى 23 مليار دينار في الميزانية العامة للدولة، ما أرهق كاهل الدولة اقتصاديا وعطلها.
وتعتبر ليبيا من أرخص الدول نسبيا في سعر الوقود، حيث يقدر سعر اللتر 0.15 دينار، ويحتاج المواطنون إلى ثمانية إلى عشرة دنانير لملء خزان السيارة بشكل كامل بالوقود، وهو يعتبر مبلغا ضئيلا جدا.
سياسة دعم الوقود هذه ساهمت في تنمية تجارة التهريب، حيث ينشط تهريب الوقود خارج أسوار العاصمة طرابلس وخاصة في المناطق الجنوبية في البلاد، في ظل الفراغ الأمني الذي تعانيه المنطقة.
حكومة الوحدة الوطنية اتخذت قرارا جريئا أثار جدلا على مستوى واسع ألا وهو تشكيل لجنة لدراسة آلية رفع الدعم على الوقود أو استبداله نقدا، واللجنة مكونة من مندوبين من وزارات الاقتصاد والمالية والشؤون الاقتصادية، وقد باشرت فعليا عقد اجتماعات متتالية لدراسة هذه القضية.
مخاوف تتمحور حول عدم قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المتمثلة في البدل النقدي للدعم، حيث شهد المواطنون على تجارب مماثلة عند إقرار منحة الزوجة والأبناء وغيرها من المخصصات التي وضعت لإعانة المواطنين وتوقفت عن التدفق لسنوات.
مشكلة أخرى تواجه حكومة الدبيبة أثناء دراستها لقرار كرفع الدعم، حيث أن ليبيا لا تمتلك هيكلا وبنية تحتية لمواصلات عامة كباقي الدول في العالم، والموجود فيها هو فقط مجموعة من سيارات الأجرة وباصات النقل العمومي، والتي تستخدمها فئة بسيطة جدا، بينما يعتمد أكثر من 90 في المئة من المواطنين على سياراتهم الخاصة.
ملف رفع الدعم عن الوقود شائك ومليء بالمخاطر والمخاوف، حيث تحتاج الدولة إلى التفكير في حلول منطقية تخفف عن المواطنين وطأة تداعيات هذا القرار، ويبقى الرهان على الحكومة في الوفاء بدفع البدل النقدي للمواطنين أو توفير وسائل نقل متعددة، حال اعتمادها لهذا القرار.
توصيات ضرورية
الاقتصاد الليبي مع هشاشته الحالية يحتاج إلى إجراءات صارمة، ترفعه من القاع إلى القمة، أولها البحث عن مصادر بديلة للدخل بدل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد لا ينضب ولا يتأثر بالحروب المتتالية والمشاكل اللوجستية.
وثانيها توفير العملة الأجنبية من المصادر الرسمية بلا قيود أو شروط، أو محاصصة، للقضاء على قوة السوق الموازية الذي تغول على قنوات الدولة الاقتصادية الرسمية وفاقها قوة في السيطرة على سعر وتدفق الدولار.
أما ثالث الضروريات فهو توحيد المنظومة المصرفية بين الشرق والغرب والجنوب، والقضاء على أزمة المقاصة التي فصلت ليبيا إلى دولتين على المستوى الاقتصادي، وأرهقت المواطن في العمليات المصرفية.
دعم القطاع الخاص وتسيير عمله وإلغاء أي قوانين تقننه هو رابع هذه المحاور، حيث تعتمد معظم الدول حول العالم على القطاع الخاص، بل تخلق شراكات معه للنهوض باقتصاد الدولة ولإنشاء مشاريع على مستوى عال ولعل التجربة التركية أقرب وخير مثال تنتهجه ليبيا في دعم القطاع الخاص.
ارجاع الثقة بين المواطنين والمصارف من خلال توفير السيولة بشكل سلس، وبلا قيود، وتعزيز أنظمة الدفع الإلكتروني للقضاء على التضخم وللكتلة النقدية ولتقوية القوة الشرائية للدينار الليبية عقب سنوات من استقرارها عند القاع.
ويبقى الرهان موضوعا على السلطة التنفيذية الجديدة التي ستصنعها انتخابات كانون الأول/ديسمبر في عام 2021 لتتولى زمام الإصلاح الاقتصادي الشامل في الدولة وتقفل كافة الملفات الشائكة، أما على مستوى حكومة الدبيبة، فالذي تستطيع ان توفره الآن هو القضاء على انقسام المصرفين المركزيين وفتح المقاصة والحفاظ على سعر الدولار في السوق الموازي.