باريس-»القدس العربي»: منذ بضعة أسابيع، يسعى ورَّاقو المكتبات المفتوحة على الهواء الطلق في باريس والتي تمتد على مسافة تقدر بثلاثة كيلومترات على ضفاف نهر السين، إلى التمسك ببصيص من الأمل الذي يمكن أن يطمئنهم بعض الشيء على أن ساعة اختفائهم بدون رجعة من المشهد الباريسي لم تَدُقّ بعد. ويُعزى بصيص الأمل هذا إلى إقدام أحد هؤلاء الوراقين الذين هم جزء من هوية باريس على إطلاق موقع على الإنترنت يسمح لهم ببيع كتبهم أو بعضها على الأقل عبر الإنترنت. ولكن لماذا يعول ورَّاقو ضفاف نهر السين بالتحديد على ساكني عاصمة الأنوار حتى يساعدوهم في النجاة من موت شبه محقق لهذا المعلم من معالم العاصمة الفرنسية وهويتها؟
ثرثرة فوق نهر السين
خلال القرن السادس عشر، كانت الكتب في باريس تباع عموما عبر باعة متجولين يحمل الواحد في جرابه عددا منها ويتمشى في شوارع المدينة لدعوة المارة أو الذين يطلون على الشوارع من شرفات شققهم لشرائها. وكان عدد من هؤلاء الباعة يتفننون في جذب الحرفاء إليهم من خلال سرد بيت جميل من قصيد وارد في ديوان شعري وضع في هذا الكتاب أو ذك أو عبر التغني بها لاسيما لدى الذين كانت أصواتهم لا تُنَفر الزبائن. وكان عدد آخر من هؤلاء الباعة يذهبون وهم يروجون لأعمال روائية أو قصص بهدف بيعها إلى حد تقمص دور شخصين يدور بينهما حوار من حوارات هذه الأعمال الروائية. وانتهى بهم المطاف شيئا فشيئا إلى وضع هذه الكتب فوق الأرصفة المطلة على نهر السين الذي يشق باريس وإلى عرضها على الذين يتنزهون على ضفاف النهر لاسيما في فصلي الربيع والصيف وجزء من الخريف.
كانت قوات الأمن تصر على طردهم من هذه الأماكن. ولكنهم يعودون إليها بعد انصراف أعوان الأمن. واهتدت السلطات المحلية في المدينة في نهاية المطاف إلى أن سكان باريس يدافعون عن فكرة أن يَعرض هؤلاء الباعة كتبهم على أرصفة ضفاف نهر السين وأنهم حريصون على شراء كتب منهم حتى وإن كانوا في بعض الأحيان غير راغبين بالضرورة في قراءتها. كان السكان يدافعون عن هؤلاء الباعة لأنهم كانوا ينخرطون معهم في نقاشات طويلة تبدأ عن الطبع والكتب وتتوسع لتشمل مجالات وعوالم لا علاقة لها بالطباعة والكتابة. وظلت هذه العلاقة حميمة بين الباريسيين وهؤلاء الباعة حتى بعد أن سمحت السلطات المحلية لكل واحد من الباعة باقتطاع مكان صغير له على الأرصفة المطلة على نهر السين وخاصة في الحي اللاتيني وإيداع الكتب على عين المكان عبر أوعية تحفظها من السرقة ومن الأمطار وتقفل بإحكام في المساء عندما يعود الورَّاقون إلى منازلهم.
ثلاثة قرون من المجد
في نهاية القرن الثامن عشر، شهد نشاط وَرَّاقي أرصفة نهر السين في العاصمة الفرنسية ازدهارا كبيرا لأنهم وجدوا لدى الباريسيين قراء جيدين لكتبهم التي كان الوراقون يشترونها بأسعار بخسة لدى أشخاص يسطون عليها داخل مكتبات الطبقة الأرستقراطية أو الكنسية اللتين أطاحت بهما ثورة عام 1789. بل كان عدد من هؤلاء الوراقين يساهمون في نهب هذه المكتبات وعرض مقتنياتها على الرصيف حتى يطلع الناس بعد الثورة على مضامين كتب الطبقة الأرستقراطية ومؤسسة الكنيسة اللتين كانتا تحتكران الجزء الأكبر من ثروة البلاد. ويروي المتخصصون في تلك الحقبة من تاريخ فرنسا أن عددا من وراقي الأرصفة المطلة على نهر السين أثروا ثراء كبيرا خلال الفترة الممتدة من عام 1789 إلى عام 1795. واستمرت أوضاعهم جيدة طوال القرنين التاسع عشر والعشرين بدليل أن عددهم ارتفع من 156 إلى 240 خلال الفترة الممتدة من عام 1892 إلى عام 1991.
التدحرج المخيف
في تلك السنة أي في سنة 1991 أُدرجت أرصفة باريس المطلة على نهر السين في قائمة التراث العالمي فابتهج وراقو هذه الأرصفة لأن ذلك من شأنه فتح أفق واعد أمام نشاطهم باتجاه السياح الذين تعد النزهة على ضفاف نهر وبالتحديد في الحي اللاتيني جزءا أساسيا من الأماكن السياحية الباريسية التي يتوجب على كل سائح زيارتها.
وصحيح أن وراقي الأرصفة وجدوا في البطاقات البريدية والكتب الفنية القديمة التي تتحدث بشكل أو بآخر عن باريس موردَ رزق مُكمِّلاً لما يَدره عليهم بيع الكتب القديمة، ولكنهم تفطنوا من جهة إلى أن ما يعرضونه في مكتباتهم المفتوحة من بطاقات بريدية وكتب فنية قديمة عن باريس متوفر أيضا في كثير من الأماكن الأخرى داخل المكتبات التقليدية وخارجها.
من جهة أخرى لاحظ الوراقون أن معالم أخرى هي التي تحظى في المقام الأول باهتمام السائح المتجول في الحي اللاتيني على أرصفة نهر السين منها مثلا كاتدرائية نوتردام التي ظلت وجهة السائح الأولى في الحي حتى بعد احتراق جزء منها قبل عامين وقبل اندلاع أزمة كورونا.
ومن جهة ثالثة، تغيرت عادات المطالعة عند كثير من سكان باريس أو من الذين يتوقفون عند مكتبات هؤلاء الوراقين المفتوحة. فقبل بضعة عقود خلت، كان هواة المطالعة يُقبلون كثيرا على شراء طبعات قديمة من روايات الكتاب الفرنسيين المرموقين، ومنهم مثلا فيكتور هوغو وهنري بلزاك وغي دو موباسان. ولكن الكتب التي يضعها السياسيون أصبحت تحظى بأهمية شريحة كبيرة من هواة المطالعة على حساب هؤلاء الكُتاب. ويقتني القراء هذه الكتب الجديدة بعد صدورها في المكتبات الحديثة وبخاصة في محلات «لافناك» وهي مؤسسة متخصصة في بيع المنتجات الثقافية. وما يثلج صدور وراقي أرصفة باريس أن الناس لايزالون يقفون في طوابير طويلة في هذه المحلات وهم محملون بالكتب قبل تسديد ثمنها والعودة إلى منازلهم. ولكن ما زاد الطين بلة في ما يخص تدهور أوضاع هؤلاء الوراقين أن ثورة الاتصال الرقمية الحديثة غيرت رأسا على عقب طريقة التعامل مع الكتب القديمة. فقد حُمِّلت عناوين كثيرة منها على الإنترنت على نحو يجعلها في متناول الجميع بشكل مجاني.
وقد أطلق أحد وراقي أرصفة نهر السين مؤخرا موقعا يسمح لهم ببيع مخزونهم عن بعد ولكن التجربة لم تثمر حتى الآن. ودب اليأس شيئا فشيئا إلى كثير من هؤلاء الوراقين بالرغم من أن بلدية باريس وعدت بمساعدتهم على إيجاد حل لهذه المصيبة التي أحاقت بهم. ولكنهم لم يتلمسوا بعدُ شكلا جادا من أشكال المساعدة. وعزاء بعضهم أن اختفاءَ هذه المكتبات المفتوحة المنتظرَ من أرصفة صفاف نهر السين، لن يكون الحدث الأول من نوعه بالنسبة إلى معالم الحي اللاتيني الثقافية والفكرية. فعلى بعد عشرات الأمتار من هذه المكتبات، تحول مقهى «كلوني» الشهير إلى مطعم متخصص في أكلة البيتزا. وقد لعب هذا المقهى دورا كبيرا إلى جانب المقاهي القريبة منه في تنشيط الحركة الثقافية والفكرية في العاصمة الفرنسية.
بل إن طلبة الدكتوراه والمثقفين العرب الذين يقيمون في باريس وضواحيها دأبوا في سبعينات القرن الماضي حتى تسعيناته على الالتقاء فيه للترويح عن النفس وانتقاد الأنظمة العربية. وكان الطلاب يأتونه للمذاكرة أساسا لأن صاحب المقهى كان فخورا بأن يساعدهم على المذاكرة دون أن يلح عليهم في تجديد الطلبيات في ظل حاجة باريس الماسة إلى مكتبات يذاكر فيها الطلبة.
وعلى بعد عشرات الأمتار من هذا المقهى، تقع ساحة السوربون الشهيرة التي كانت مكتبة قائمة منذ زمن طويل عند أحد ركنيها المطلين على شارع سان جيرمان. وكانت هذه المكتبة الكبيرة تابعة لدار نشر عريقة متخصصة في إصدار الكتب الجامعية. وكان كبار أساتذة جامعة السوربون يقضون فيها بانتظام أوقاتا ممتعة للتعرف على آخر الإصدارات الجامعية. ولكن المكتبة تحولت في عام 2006 إلى محل لبيع الثياب.