القاهرة ـ «القدس العربي»:
«يا لها من حياة
يا لها من رحلة جميلة
لا أعرف أين أنا في الواقع
لكنني شاب وحي». (أغنية الفيلم)
كما هو متوقع فاز فيلم «جولة أخرى» أو «نخب آخر» بجائزة أفضل فيلم في مسابقة الأوسكار 2021. الفيلم إنتاج الدنمارك والسويد، ومن إخراج توماس فينتربيرغ، الذي كتب له السيناريو بمشاركة توبياس ليندهولم، وأداء كل من.. ماديس ميكلسن، توماس بو لارسن، لارس رانثي، ماجنوس ميلانج، ماريا بونيفي، وسوس وولد. وإن اختلف تصنيف الفيلم ما بين الكوميديا السوداء، أو العبث، في صيغة فلسفية، إلا أنها تصنيفات قاصرة لا تستطيع الإحاطة بحالة الفيلم. ولنا أن نستسلم للحكاية ونستشعرها، وهذا يكفي، بدلاً من التصنيف الباهت.
العزلة
ماذا لو اكتشفت فجأة عدم جدوى الحياة، وعدم جدوى وجودك في الأساس، آلة تعمل وتأكل وتشرب وتنام، ولا شيء.. خواء وملل وموت. كل الأحلام تبخرت تحت وطأة الواقع، وليس ثمّة أمل في أي جديد. قد نستشعر هذه الحالة في أي وقت، وقد لا نبالي بها أو نتجاهلها، لكن المشكلة تكمن في أن نحياها دوماً، ونظل هكذا في فلكها ندور. يسرد الفيلم حكاية مجموعة من المدرسين في مدرسة ثانوية، أصدقاء قدامى، من بينهم الشخصية الأساسية (مارتن) مدرس التاريخ، الذي يقوم بمهنته كيفما اتفق، واجب روتيني ممل، كما حياتة العائلية الفاترة بينه وبين أولاده وزوجته، فلا أحد يهتم به، وهو يبتعد ويغرق أكثر في عزلته. هذه العزلة بدورها يعانيها باقي رفاقه، الذين يقومون بتدريس الموسيقى، التربية الرياضية وعلم النفس. يُلاحظ أن هذه المواد بدورها تجعل من الإنسان في غاية الوعي، لكن إحباط هؤلاء يُشير إلى حضارة أوروبية مزعومة، تعيش شيخوختها ولا تجد مفرا سوى الغياب بإرادتها.
في صحتك
القليل من الخمر لا يضر، بل يفيد الجسد والروح. ووفق نظرية عالم نفس يُدعى (فين سكاردرود) ترى أن كل إنسان يحتوي جسده على نسبة من الكحول، لا تتجاوز الخمسة من مئة في المئة، وأن هذه النسبة لا بد أن توجد حتى يستطيع الإنسان أن يُنتج ويتعايش في مناخ أفضل. ويوافق الرفاق الأربعة على هذه التجربة، فما الذي يهم، وهم أموات في الأساس، رغم اختلاف ظروفهم الاجتماعية، من وحيد بلا عائلة، وآخر ضائع بين أسرته، وثالث غائب عنها، وأخير يريد أن يصبح مسؤولاً عن أحد، مفتقداً دور الأُبوّة. ليبدأ الجميع الشرب صباحاً، والتوقف عند الثامنة مساء، شريطة ألا تتعدى نسبة الكحول ما أكده عالم النفس في أبحاثه.

هتلر وتشرشل
تبدأ الحياة بالفعل في التغير، هناك طاقة وروح جديدة يتنفسها رفاق الجولة الأخرى، ويبدو تأثيرهم هذا في طلابهم، الذين أصبحوا يجلسون منصتين لما يدور في فصلهم الدراسي، بعيداً عن أحاديثهم وهواتفهم النقالة. ويقوم (مارتن) بتوجيه سؤاله إلى طلابه.. أيهما تفضلون في مرشح انتخابي، أن يكون شارباً للخمر أم لا؟ ويضحك الطلبة ويؤيدون فكرة (الرجل الصالح) الذي لا يرتكب هذه الزلة. وبالتالي تكون النتيجة إنهم اختاروا (هتلر) الذي كان لا يقرب الخمر، لكنه أباد الملايين من البشر، كائن دموي بشع. أو كما قال نجيب محفوظ في «أفراح القبة)» (ما أقسى المثاليين). أما نقيض هتلر فهو (تشرشل) كان يشرب الخمر، ويؤلف الكتب، وحاز جائزة نوبل، وفي الأخير.. كسب الحرب! ولا ينسى مارتن الاستشهاد بهمنغواي، الذي كان يشرب حتى الثامنة مساء ـ كما في تجربة الرفاق الأربعة ـ لكنه أنهى الأمر بالانتحار، متجاوزاً الحد.
تجاوز الحد
وكما في الدراما اليونانية، فالفضيلة تتمثل في الاعتدال، بينما تبدو الخطيئة وتتمثل في (تجاوز الحد) فتجربة الرفاق تمادت، والنسبة زادت عما هو متفق عليه، والجميع بعدما استقرت حياتهم، بدأت في الانهيار، وقد تساوى مدرس التربية الرياضية وهمنغواي، ورحل بمحض إرادته. ومارتن يكتشف حقيقة حياته مع زوجته، التي ابتعدت بدورها في علاقة أخرى، وما وجودها في البيت سوى محاولة كاريكاتيرية لشكل أُسري مستقر. ليعود الأمر أسوأ مما كان، فالمسألة ليست في تناول كأس خمر، بل جولة أخرى أو نخب آخر للحياة، التي رغم كل شيء تستحق أن تُعاش، فالتغيير من داخل الإنسان نفسه، وعليه ألا يسجن ذاته في صورة وقوانين وحياة أصبحت تنتقص من إنسانيته، عليه أن يبحث عن بدائل، عن وجوده، ولو لبعض الوقت.. عليه أن يحلم. كما جاءت في مقدمة الفيلم عبارة كيركغارد، «ما هو الشباب؟ حلم. ما هو الحب؟ محتوى الحلم».
أن تحب نفسك
ورغم ما حدث وما سيحدث من مشكلات ومعوقات حياتية، فهناك ثمّة أمل .. لحظة إشراق قد تمتد وتتمدد داخل النفس الإنسانية، وليس أدل من ذلك من المشهد الختامي للفيلم، فبعد جنازة أحد الرفاق ـ مدرس التربية الرياضية ـ كان الطلبة يحتفلون بتخرجهم في المدرسة، فما كان من مارتن سوى مشاركتهم الشراب والرقص، هو ورفاقه، فالحياة أحق بأن تُعاش.
هناك تنويعة أخرى خارج أحداث الفيلم تخص المخرج، وهو فقدانه لابنته في حادث سيارة ـ أهدى الرجل جائزة الأوسكار لذكرى ابنته ـ وكان هذا الحادث الفارق هو السبب في كتابة مثل هذا الفيلم، الذي جاء للتصالح مرّة أخرى مع الحياة، لا رفضها والابتعاد عنها. الأمر الآخر هو رؤية المخرج نفسه من قبل، حيث الانتماء إلى موجة (الدوغما) التي ظهرت في تسعينيات القرن العشرين، والتي حاولت صناعة سينما وفق قواعد صارمة ـ متجاوزة الحد ـ وكأن الرجل يعود إلى السينما بفكر أرحب، أكثر تفاعلاً وإمتاعاً، بديلاً عن قوانين ورد فعل عنيف على أساليب سينمائية شائعة، تدعو إلى الإمتاع ـ على اختلافها ـ بأن تصبح بدورها جزءاً من الحياة، وليس فناً متعالياً أسير قواعد، حتماً سيخرج عليها يوماً ما للحياة، وقد حدث.