مدينة مكناس زيتونة المملكة المغربية فيها التاريخ والحاضر والمستقبل

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: الجولة في مدينة مكناس، يلزمها عتاد وزاد قوامه ذاكرة قوية وعين لاقطة وخطوات لا تتعب من السير خلف كل الإشارات والإضاءات التي تنير الدروب والأزقة والأحياء القديمة. العودة إلى تاريخ مكناس عودة إلى كثافة الأحداث التي صنعت مدينة تصر على أن تغرس زيتونة المحبة والسلام في قلب كل زائريها.

مكناس تحفر حضورها أيضا عبر بوابة الحكي المتناثر على أفواه العمّات والخالات والجدات طبعا، وبعض من أساطير التاريخ؛ لتصبح الزيارات المتكررة إلى عاصمة الزيتون، تذكرك بطعم الشغب في حلق طفولتك، وبرائحة الحيرة أيضا.
فالقادم إليها مولود في مدينة أخرى، ويشعر أن مكناس حيث مسقط رأسه، لأنها كما يقول المغاربة «ولافة» ومحبوبة ومبسوطة، لا تخفي من ثنايا ملامحها أي شيء، هكذا تفتح ذراعيها عبر محطة القطار الكبيرة أو محطة الأمير عبد القادر، حيث حمرية، المدينة الجديدة التي ولدت على ضفاف المدينة العتيقة، وصارت مركزا وصارت الأصالة جزءًا من تاريخ يسكنه أهله ويحكيه الراسخون في تفاصيله.

عاصمة المولى إسماعيل

تحتفظ مدينة مكناس بطابع المخزني الأصيل والمهيب، رغم أنها لم تعد عاصمة للمملكة المغربية، فقد تحول الزمان وتغير الحال، لكنها تصر على هيبتها ورونقها رغم كل شيء.
هذه المدينة الجميلة والمبسوطة، من بين أشهر مدن المغرب، أسست منذ القرن العاشر الميلادي، لكنها لم تتألق وتتربع على عرش المدن إلا في فترة حكم السلطان مولاي إسماعيل، الذي جعلها عاصمة للمملكة (ما بين 1672 و1727م).
وتحكي كتب التاريخ عن المحاكاة الخفية التي كانت بين مكناس المغربية وفرساي الفرنسية، حيث كان طموح المولى إسماعيل هو أن يجعلها تضاهي العواصم الأوروبية.
وقد وصفت مكناس بفرساي المغرب مقارنة مع فرساي الملك لويس الرابع عشر المعاصر للمولى إسماعيل، وقد عرفت المبادلات والسفارات بين العاهلين شأوا كبيرا آنذاك.
أهم ما يمز مكناس، هي شساعة مساحتها ومبانيها المتعددة التاريخية، إضافة إلى أسوارها التي أحاط بها السلطان مولاي إسماعيل جوهرته الثمينة عاصمة مملكته، أسوار ضخمة تمتد على طول 40 كلم، تتخللها مجموعة من الأبواب العمرانية الضخمة والأبراج.
وككل مدن المملكة العتيقة، تلك الأسوار لها أبواب تفتح للعابرين وللمقيمين أيضا، وقد تفنن أهلها في التسميات، وكان أبناء مكناس لهم نصيب من إبداع أسماء أبوابهم التاريخية.
وهكذا تقف مكناس اليوم مثل مدن المغرب العتيقة، فخورة بما راكمته من ماض تليد وحاضر جميل وأفق مشرق، ويبقى تصنيفها من طرف منظمة يونسكو تراثا عالميا سنة 1996 لحظة عرفان لتاريخ هذه المدينة التي يعبر الداخل إليها أبوابا أنيقة وقوية وجميلة وساحرة، منها منصور لعلج وباب البردعيين وباب جديد وباب الخميس، إضافة إلى مآثر كثيرة أخرى مثل هري المنصور ومربط الخيول وصهريج السواني وقصر المنصور والدار الكبيرة وساحة الهديم ولالة عودة وأسوار والأبراج العديدة الشامخة، فضلا عن المدينة العتيقة وجوامعها ومآذنها العديدة وأضرحتها وزواياها.
مدينة مكناس كانت حاضرة المنطقة عند مجيء المرابطين أيضا، وما زالت بعض الأحياء تدل عليهم، أهمها القصبة المرابطية «تاكرارت» كما شيدوا مسجد النجارين وأحاطوا المدينة بسور في نهاية عهدهم. ويعتبر الحي الذي ما زال يوجد قرب مسجد النجارين المشيد من طرف المرابطين أقدم أحياء المدينة.
وتشير كتب التاريخ، إلى حكم الموحدين الذي عرفت خلاله المدينة أيضا ازدهارا عمرانيا حيث تم توسيع المسجد الكبير في عهد محمد الناصر(1199-1213م) وتزويد المدينة بالماء بواسطة نظام متطور انطلاقا من عين «تاكما» لتلبية حاجيات الحمامات والمساجد والسقايات كما عرف هذا العهد ظهور أحياء جديدة مثل حي الحمام الجديد وحي سيدي أحمد بن خضرة.
أيضا خلال العهد المريني شهدت المدينة استقرار عدد كبير من الأندلسيين قدموا إلى مكناس بعد سقوط أهم مراكز الأندلس. وقد شيد السلطان المريني أبو يوسف يعقوب (1269- 1286م) قصبة خارج المدينة لم يصمد منها إلا المسجد المعروف بلالّة عودة. كما عرفت مكناسة الزيتون بناء مدارس عتيقة كمدرسة فيلالة، والمدرسة البوعنانية ومدرسة العدول، ومساجد مثل مسجد التوتة ومسجد الزرقاء، وخزانة الجامع الكبير ومارستان الباب الجديد وحمام السويقة.
لكن فترة الدولة العلوية، وحكم السلطان المولى إسماعيل كانت أهم لحظات النبض التاريخي لمدينة مكناس، والتي استعادت مكانتها كعاصمة للدولة، بحيث عرفت أزهى فترات تاريخها.
وهكذا تركت تلك الفترة المزهرة، ما نتجول فيه اليوم من بنايات ذات طابع ديني كمسجد باب البردعيين ومسجد الزيتونة ومسجد سيدي سعيد… وقصور وبنايات أخرى شكلت أساس ما شيده المولى إسماعيل الذي قام ببناء الدار الكبيرة فوق أنقاض القصبة المرينية وجزء من المدينة القديمة.
ولم تنس مكناس نصيبها من الحدائق فكانت البحراوية – السواني، كما هيأت للخيول إسطبلاتها، وكفت ساكنتها شر الحاجة بمخازن الحبوب، ولم تترك العطش يتسلل إلى جوف المكناسيين من خلال الصهاريج التي كانت تزود الأحياء بالماء. كل هذا أحاطه المولى إسماعيل بسور تتخلله عدة أبراج عمرانية ضخمة وأبواب تاريخية.
الجولة في المدينة القديمة لمكناس، لا تترك لك مجالا للتساؤل، تقدم لك الأجوبة قبل أن تفكر فيها، كما كانت تقدم للقادمين إليها استراحة قرب أبوابها التاريخية في فنادق أو محطات بنيت على مقربة من كل باب.
ونعود لنؤكد أن مكناس أشد ما تفخر به هو طابعها المخزني الأصيل، فهي لم ولن تتنازل عنه، تحسه هوية وكينونة حتى لدى أبناء المدينة من الأسر العتيقة، حديثهم يحيلك على لكنة مميزة.
ككل مدن المملكة، سارت مدينة مكانس على درب الحداثة والبناء المعماري الجديد الذي ارتبط جزء منه بفترة الاستعمار الفرنسي، والباقي فرضته ظروف الكثافة السكانية وتوافد الهجرات من المناطق المجاورة فكانت أحياء شاسعة أحاطت قلب مكناس وهو المدينة العتيقة.
اليوم تقف حمرية كمدينة جديدة، وهي قلب مكناس الحداثي إن صح التعبير، اتخذت من الطراز الأوروبي كسوة لها، بشوارعها وعماراتها وحدائقها وأحيائها الصناعية والتجارية والسكنية وكافة مرافقها الإدارية والعسكرية والرياضية والثقافية في المنطقة المعروفة بحمرية.
إلى جانب حمرية وعند مدخل المدينة من جهة فاس، تستقبلك أحياء مثل ويسلان وبعده حي عين السلوكي، أما مدخل مكناس من الطريق السيار القادم من الرباط، فتجد معامل ومصانع ضخمة لأنواع السيارات العالمية وقد اصطفت على الجنبات قبل أن تصل إلى حي سيدي بوزكري، السكني الكثيف. مباشرة بعده تجد حي الزيتون حيث الجامعة وإقامات الطلبة وما جاورها من يوميات.

صرخة لإنقاذ مآثر مكناس

أمام هذا الفيض التاريخي والبهاء العمراني الذي تمنحه مكناس للزائر، لا بد لقليل من الحزن أن يصيب أبناءها وهم يشاهدون بعض مآثرها الحديثة تذهب مع ريح التغيير.
وفي هذا الإطار، أطلق مجموعة من الفاعلين الجمعويين، الحقوقيين، والفنانين نداء من أجل حماية المعالم الثقافية لمدينة مكناس تحت شعار «ما تقيش مدينتي» (لا تلمس مدينتي).
النداء الذي عممه الموقعون عليه، أكد أنه «حتى لا يتكرر السيناريو الكارثي لهدم سينما ريجان التاريخية وكذا سينما أمبير، ومن أجل الحفاظ على معالم مكناس التاريخية، هاته المعالم التي تشكل جزءا من هويتنا الثقافية بحمولتها المعمارية والتاريخية، فإننا نحن مجموعة من المثقفين والفنانين والجمعويين بمدينة مكناس، نطلق هذا النداء بسبب الإهمال الذي تتعرض له مجموعة من المعالم التاريخية بمدينة مكناس، ونعني بها القاعات السينمائية التي يمكن أن تصبح مؤسسات ثقافية تؤدي دورها داخل الأحياء المتواجدة بها».
وحسب النداء ذاته فـ»مكناس بحمولتها التاريخية العريقة وتراثها الثقافي المتميز تعيش الإهمال وتتعرض مؤسساتها للتدمير، وخصوصا صالات السينما التاريخية وبعض المعالم التي يمكن أن تتحول إلى مؤسسات ثقافية تعوض النقص الحاصل في هذا المجال».
ودق الموقعون على النداء ناقوس الخطر، محملين «المسؤولية التاريخية لجميع القطاعات المسؤولة وخصوصا وزارة الثقافة والشباب والرياضة (قطاع الثقافة) المعنية بترتيب وحماية هذا التراث المادي، والجماعات الترابية (المجالس المحلية المنتخبة) المسؤولة عن توفير البنيات الثقافية ورعايتها وتوفير سبل التربية الثقافية للمواطنين».

موسم الشيخ الكامل

لا يمكن ذكر مكناس دون أن ذكر المولى إسماعيل طبعا، وأيضا الشيخ الكامل الذي يخلد المكناسيون ذكراه من خلال موسم سنوي يتزامن مع ذكرى المولد النبوي الشريف ويستمر لعدة أيام.
وهذا الموسم الشهير بموسم «الهادي بنعيسى» تنظمه الطريقة العيساوية في مكناس خلال فترة عيد المولد النبوي. وأصبح من بين المواسم الدينية في المملكة الأكثر أهمية استقطابا للزوار، حيث يأتي الآلاف من الزوار والمُريدين من أتباع الطريقة العيساوية من المغرب والجزائر وتونس وليبيا ودول أخرى.
الموسم المذكور رسخ نفسه كمحطة روحية تحتفل بذكرى المولد النبوي الشريف، وذلك من خلال العديد من المظاهر الاحتفالية والطقوس الدينية بل حتى الموسيقى لها حضور إلى جانب المسرح في تجلياته بين المواكب التي تحج إلى ضريح الشيخ الكامل، بباب السيبة داخل المدينة العتيقة لمكناس.
وحتى لا نتيه في التواريخ، نشير إلى أن موسم الهادي بنعيسى هو من أقدم المواسم الدينية في المغرب بحيث يرجع تاريخه إلى القرن السادس عشر، تاريخ ظهور الطريقة العيساوية التي أسسها محمد الهادي بنعيسى (المعروف بالشيخ الكامل).
لكن الموسم المذكور لا يتوقف عند حدود الروحانيات والدينيات والوعظ والذكر، بل يتجاوزها إلى ممارسات غرائبية وبدع، جرت إضافتها على مر السنوات فصارت تقليدا يمارسه المنتمون والمنتسبون للطائفة العيساوية، وهي طقوس ذات طابع عنيف في بعض منها خاصة ما يسمى «التحيار» وما جاورها من ذبيحة وغيرها.

زيتونة تحيط بها أشجار التاريخ

الحقيقة ان مدينة مكناس تأتى لها ما يميزها عن باقي المدن، فهي تحمل تاريخها داخلها وأيضا على جنباتها، تاريخها الحافل والكبير، والذي ساهت في صناعته مدن مجاورة لها، مثل وليلي التي تعبر من أهم الأماكن الأثرية في المغرب أجمع، وهي تضم أطلالا أثرية تحمل معلومات مهمة عن حقبة زمنية تصل إلى ألف عام تقريباً، ومن أهم تلك الأطلال أبنية تعود لعهد سلالة سفيريان وتحديداً لماركوس أوريليوس وسفيريان مثل الكابيتول، والبازيليك، وقوس الإمبراطور كركلا، وتاريخياً وقعت مدينة وليلي تحت حكم الرومان من عام 40م إلى عام 285م، وأصبحت عاصمة مقاطعة موريطينية تينغيتانا، ولقد اعتمدت وليلي في اقتصادها على المنتجات الزراعية.
غير بعيد عن وليلي، نجد مدينة مولاي إدريس زرهون، والتي أنشئت في عام 788م، ولقد سُميت كذلك نسبة لمؤسسها المولى إدريس الأول، وهي المدينة التي تحتضن مهرجانا دينيا يحتفى بذكراه إلى اليوم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية