بعد مشاهدة الفيلم الأمريكي «يهوذا والمسيح الأسود» إنتاج 2021 للمخرج شاكا كينغ، يبرز أمامنا تساؤل مهم: هل يمكننا القول بأن هوليوود بدأت فعلا خلال السنين الأخيرة تعيد النظر في خطابها العنصري ضد السود، بعد ان مارست ضدهم طيلة العقود الماضية سياسة وحشية، عمدت فيها إلى شيطنتهم واحتقارهم، تماما مثلما فعلت مع الهنود الحمر السكان الأصليين لأمريكا؟
يمكن الاستدلال من خلال هذا الفيلم إلى هذا المتغير، نظرا لأهمية المادة التاريخية التي تناولها، والمتعلقة بحزب الفهود السود» الذي تأسس عام 1966 في كاليفورنيا من قبل هيوي ب. نيوتن وبوبي سيل. ما ينبغي الإشارة إليه في هذا السياق، ان هامش التحول النوعي الذي بدأنا نشهده، في بنية الخطاب الفني لمجموعة أفلام عرضت خلال الفترة القصيرة الماضية، إذا ما قورن بالتاريخ الطويل للسينما الأمريكية الذي تجاوز المئة عام، نجده لا يكفي لتحقيق تصالح مع الذات، بالقياس إلى الكم الكبير الذي أنتجته هوليوود من أفلام كانت في معظمها تميل بشكل صريح إلى عدم إنصاف السود، وما تعرضوا له من تمييز عنصري. ومع ذلك علينا ان نكون على قدر من التفاؤل، فنحسب هذا الفيلم نظرا لجرأة ما طرحه، في إطار تعديل الانحراف الفكري الذي كان قد أصاب العقلية الأمريكية تجاه السود وبقية الأقليات والشعوب، منذ ان زحفت قوافل المغامرين والباحثين عن الذهب من القارة الأوروبية باتجاه القارة البكر قبل أكثر من عقدين من الزمان.
جرأة الفيلم تأتي من انه أماط اللثام عن تورط مكتب التحقيقات الفيدرالي في عمليات تجنيد عدد من العملاء السود داخل حركة الفهود، مثل وليام أونيل (لعب دوره الممثل ليكيث ستانفيلد) الذي كان الشخصية المحورية، بالتالي كان هؤلاء العملاء سببا رئيسيا في ما تعرضت له الحركة من عمليات اتسمت بالعنف المفرط من قبل الشرطة الاتحادية، وبسببها تكبد الفهود خسائر بشرية، ربما أكثرها فداحتها قادتها، أبرزهم نائب قائد الحركة في ولاية الينوي فريد هامبتون، الذي لم يتجاوز الواحد والعشرين من عمره ساعة مقتله (لعب دوره الممثل دانيال كالويا) إضافة إلى ممارسات أخرى تورط فيها مكتب التحقيق الفيدرالي كشف عنها الفيلم، مثل توزيع منشورات مضللة باسم الحركة بهدف تشويه سمعتها وخلق انشقاقات داخلية وايقاعها في نزاعات مع جماعات مسلحة سوداء، كانت تقاتل هي الأخرى دفاعا عن حقوق السود ولكن بوسائل أخرى لا تلتقي مع الافكار الماركسية التي تبناها الفهود. وقد أدرك مكتب التحقيقات الفيدرالي خطورة التحركات التي أقدم عليها هامبتون عندما بدأ يعمل على تشكيل تحالفات مع عصابات وميليشيات مؤثرة كانت تنافسه في الحضور والنفوذ بين أوساط السود، إضافة إلى انه نجح في ان يمد نطاق التواصل المجتمعي مع حركته من خلال برنامج الإفطار المجاني للأطفال وإقامة المستوصفات المجانية وتشجيع التعليم للأطفال السود، والذي ساعده على تحقيق تلك المكاسب ما كان يمتلكه من مهارات عالية في إلقاء الخطب الحماسية، بالتالي نجح في تشكيل تحالف متعدد الأعراق لا يضم السود فقط بل جماعات من البيض الرافضين للنظام الرأسمالي.
دلالة العنوان
جاءت الدلالة الرمزية لعنوان الفيلم خيارا استعاريا موفقا جدا، لانه استدعى حدثا تاريخيا خالدا في الذاكرة الجمعية للأمريكان، من ذوي الأصول الأفريقية، وأخذ به إلى ناحية ما يؤسسه فعل الخيانة من تداعيات خطيرة سواء في الماضي البعيد أو الحاضر، بالتالي يصعب محو نتائجها وآثارها، مهما تقادم الزمن عليها، ليس على الذين وقعوا ضحية للخيانة فقط، بل إلى من تورط في ارتكاب هذا الفعل المشين، لتبدو الخيانة بمثابة لعنة قدرية تلاحق الخونة وتقض مضاجعهم ولابد من ان تقتص منهم في يوما، مثلما حصل لوليام أونيل الذي اختار طريق الانتحار خلاصا من عذابات الضمير. ومن هنا نجد التعالق قائما من الناحية الرمزية بين حكاية الفيلم والسردية التاريخية للعلاقة التي حكمت يهوذا بالمسيح.
خطاب الفيلم السيري ذاتي، يتحدث عن الزعيم الأسود فريد هامبتون نائب رئيس حركة الفهود السود في ولاية ايلنوي، الذي حظي نجمه النضالي بالصعود في خمسينات وستينات القرن الماضي بين الأمريكان من ذوي الأصول الأفريقية، والنهاية السريعة التي انتهت بها حياته، بعد ان تعرض للخيانة من قبل شخص أسود يدعى ويليام أونيل، سبق له ان مارس النصب والاحتيال والسرقة وهو في عمر السابعة عشرة، قبل ان يصبح أبرز عنصر أمني في حماية هامبتون نفسه، وجاء سقوطه في مستنقع الخيانة بفعل عملية مساومة مارسها معه ضابط كبير اسمه روي ميتشل يعمل في مكتب التحقيقات الفيدرالي، خيره بين ان يدخل السجن بسبب تورطه في عملية انتحال لصفة ضابط في مكتب التحقيقات حتى يتمكن من سرقة إحدى السيارات أو أن يصبح عميلا متخفيا داخل حركة الفهود السود، وكانت عملية اختياره من قبل الضابط ميتشل قد تمت بعد ان وجد فيه نقاط ضعف يمكن استثمارها لصالح تجنيده، أبرزها رغبته الشديدة في ان يصبح شخصا ثريا مهما كان الثمن، وبذلك قدم أونيل لمكتب التحقيقات ما تحتاجه من معلومات، أدت إلى سحق عدد كبير من أعضاء الحركة بعد ان داهمت الشرطة الاتحادية مقراتها، ومن ذلك نجد الفيلم لا يخرج في تصنيفه عن أفلام السيرة، رغم ان السيناريو لم يتوسع كثيرا في متابعة السيرة الذاتية للشخصية المحورية فريد هامبتون بقدر ما كان محوره الأساسي، نسج حبكة درامية تفضح الممارسات المشينة التي تورط بها مكتب التحقيقات الفيدرالي بهدف تصفية وتشويه وإضعاف الحركات الثورية للسود، وتحقق هذا المنحى في البناء عبر التركيز على شخصية ويليام أونيل بنفس القدر الذي ناله فريد هامبتون من اهتمام وربما أكثر.
يتحول القوس العاطفي في حبكة الفيلم عندما يقع هامبتون في حب ديبورا جونسون، التي كانت إحدى المنتميات إلى حركة الفهود السود، وبعد القبض على هامبتون وسجنه بزعم سرقته ما قيمته 71 دولارا فقط من جهاز الآيس كريم، يبدأ أونيل في الصعود إلى رتبة نقيب أمن في مكتب التحقيقات، وعندما يحدث تبادل لإطلاق النار بين شرطة شيكاغو وأعضاء حركة الفهود في مكتب الفرع، يتسلل أونيل من الباب الخلفي للمبنى وينجح في الهرب، بينما يُقتل عدد من عناصر الحركة ويتم اعتقال البقية. وعلى اثر ذلك يحاول أونيل الإقلاع عن كونه مخبراً ولكن الضابط ميتشل يذكره بامكانية زجه بالسجن لتورطه في انتحال صفة ضابط في الشرطة وسرقة سيارة، فيضطر إلى الاستمرار في العمل. ومن بعد ان يتم إطلاق سراح فريد هامبتون من السجن، ويلتم شمله مع ديبورا التي كانت حاملا بطفله، يأمر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيه إدغار هوفر إنهاء حياة هامبتون قبل ان يستأنف قضيته أمام المحكمة. فيُستدعى أونيل من قبل الضابط ميتشل لكي يساعد المكتب في وضع خطة للخلاص من هامبتون، وكانت وسيلة ميتشل بالضغط على أونيل تذكيره تحذيره من أن حركة الفهود السود، ستنتقم منه إذا اكتشفوا أنه مخبر، فيرضخ للأمر الواقع ويوافق، فيستلم قنينة مهدئات يضع ما بداخلها من مسحوق في مشروب هامبتون أثناء اجتماع الحركة، وفي هذا اللقاء يعرض زعيم عصابة متحالفة مع حركة الفهود على هامبتون ما يكفيه من المال للفرار من البلاد إلى كوبا أو الجزائر تجنبا لمحاكمته وسجنه، لكنه يرفض، وبدلاً من ذلك يأمر بان يتحول هذا المال لتأسيس صندوق لدعم وعلاج المرضى تحت اسم رفيقه جيك الذي سبق ان قتلته الشرطة. ومع تقدم المساء يحتسي هامبتون المشروب، بينما يغادر أونيل المكان، وبعد ساعات تقتحم الشرطة المكان وتقتل عددا من أفراد الحركة وتطلق النار على هامبتون الذي كان غارقا في حالة من الغيبوبة، وكانت مكافأة أونيل من قبل الضابط ميتشل ان منحه مالا ومفاتيح محطة للوقود أصبحت ملكا له.
قيمة الوثيقة
اللقطات الأخيرة من الفيلم تستعرض مقاطع أرشيفية لخطب هامبتون، وموكب جنازته، ومثلما ابتدأ الشريط السينمائي بمقابلة تلفزيونية أجريت مع أونيل عام 1989 اعترف فيها بتجنيده من قبل مكتب التحقيقيات الفيدرالي، يختتم الفيلم أيضا بهذه المقابلة، التي يقول أونيل في نهايتها تبريرا لخيانته «أعتقد انني سأترك التاريخ يتحدث نيابة عني». ثم يُظهر تايتل النهاية عددا من الأسطر تخبرنا أن أونيل استمر في العمل كمخبر للشرطة الاتحادية، قبل أن يموت منتحرا في 15 كانون الثاني (يناير) عام 1990 والذي يصادف التاريخ الذي شهد ولادة الزعيم الأسود مارتن لوثر كنغ. وأن زوجة هامبتون وعائلة صديقه كلارك الذي قتلته الشرطة أيضا، رفعتا دعوى قضائية ضد مكتب التحقيقات الفيدرالي عام 1970ولكن بعد 12 عامًا تمت تسويتها مقابل مبلغ قدره 1.85 مليون دولار تم دفعه إلى العائلتين، وأن الولد الوحيد لفريد هامبتون أصبح رئيسًا في مجلس إدارة أشبال حركة الفهود السود.
وفي إطار بحثنا عن معلومات تتعلق بخلفية إنتاجه، وجدنا ان سيرة فريد هامبتون كانت مطروحة للنقاش لدى صناع الفيلم منذ عام 2014 من قبل الأخوين شاكا كينغ وكيث لوكاس وويل بيرسون، وقد اكتملت الاستعدادت النهائية للإنتاج في عام 2019 بمباركة عائلة هامبتون التي كانت داعما كبيرا لإنتاجه.
الفيلم تم عرضه لأول مرة في مهرجان صندانس السينمائي في 1 فبراير (شباط ) 2021 وحال عرضه اشاد به معظم النقاد الأمريكان، ونال المخرج شاكا كينغ حصة الأسد من مقالات التقييم، إضافة إلى فريق الممثلين خاصة كالويا وستانفيلد، ولهذا لم يكن مفاجئا ان يفوز كالويا بجائزة أفضل ممثل مساعد في حفل توزيع جوائز الأوسكار، وجائزة كولدن كلوب، وجوائز أخرى منها جائزة النقاد، وجائزة نقابة ممثلي الشاشة، كما حصل الفيلم على ستة ترشيحات لجوائز الأوسكار، بما في ذلك أفضل صورة، وأفضل ممثل مساعد لستانفيلد، كما فاز بجائزة أفضل أغنية أصلية «Fight for You».