باريس- ‘‘القدس العربي’’: في عريضة بصحيفة ‘‘لوموند’’ الفرنسية تحدث الباحثان آدم باتشكو (المكلف بالبحث في المعهد الوطني الفرنسي للبحوث العلمية ومعهد البحوث الدولية- العلوم السياسية) وزميله جيل دورونسورو (أستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس1) عما اعتبراه الأسباب التي أدت إلى انسحاب القوات الغربية من أفغانستان والتي تفسر – بحسبهم – فشل الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
وقال الباحثان: ‘‘إذا كان انتصار حركة طالبان في الأشهر القليلة المقبلة يبقى محتملاً فقط، فقد تميزت هزيمتنا بإعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن عن الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية في 11 سبتمبر المقبل’’. واعتبرا أنه على الرغم من الخطاب المتفق عليه حول ‘‘النصر’’ الأمريكي، إلا أنه لم يتم تحقيق أي من الأهداف التي تم تحديدها قبل 20 عامًا: مئات من مقاتلي تنظيم القاعدة يوجدون على الأراضي الأفغانية. وتأسس تنظيم ‘‘الدولة’’ في عام 2014. وفقدت الانتخابات مصداقيتها منذ فترة طويلة من خلال عمليات التزوير على نطاق واسع، والنخبة الأفغانية فاسدة بما يفوق الوصف. ومورد الاقتصاد الرئيسي هو المخدرات… إلخ، يوضح الباحثان.
التطورات القليلة – حقوق المرأة وحرية الإعلام – تعرضت للتهديد لعدة سنوات وستختفي بسرعة مع الانسحاب النهائي للقوات الغربية. فكيف يمكن أن يخسر أكبر تحالف عسكري في العالم (الناتو) هذه الحرب على الرغم من استثمار أكثر من 2 تريليون دولار، وقتل أكثر من 3 آلاف جندي وجرح عشرات الآلاف؟ الجدل العام هزيل، لأن هذه الهزيمة، التي سيعاني الغرب عواقبها في الأشهر والسنوات المقبلة بالكاد تثير الرأي العام، بحسب آدم باتشكو وجيل دورونسورو دائماً.
ويتابع الباحثان القول إنه من السهل إذن أن يرمي الغربيون فشلهم إلى الحالة الاستثنائية الأفغانية. بعد كل شيء، أليست أفغانستان ‘‘مقبرة الإمبراطوريات’’؟ على عكس هذه الكليشيهات، فإن هذه الهزيمة، مثل الكارثة في سوريا والعراق وليبيا، هي نتيجة استراتيجية خاطئة ورؤية عالمية مشوبة بالعيوب وآليات تدخل غير فعالة، بحسب الباحثين آدم باتشكو وجيل دورونسورو دائماً في هذه العريضة بــصحيفة ‘‘لوموند’’.
وهنا، تظهر عناصر أساسية بحسب الباحثين:
أولاً، التحالف جعل من أفغانستان دولة قبلية ومحلية في مصلحتها وغير سياسية بشكل أساسي ولديها حساسية من الدولة. ففي بلد تعبره التيارات الثورية وخضع لتحول اجتماعي سريع للغاية – تكاثر المشردون داخليا واللاجئون والتحضر السريع وولادة طبقة وسطى حضرية – احتفظ الغربيون فقط بصورة أفغانستان ‘‘التقليدية’’ والمقاومة لأي سلطة للدولة. لكن المدهش، على العكس من ذلك، هو المطالبة بالدولة التي تم التعبير عنها في أفغانستان، ولا سيما القضاء والشرطة، والتي للأسف لم يعتبرها التحالف قط كأولوية.
ثانياً، لم يبذل التحالف أي جهد لفهم التمرد. إن التوصيفات التي طُبقت عليه – ‘‘قبلية وعرقية من يعود إلى القرون الوسطى’’ – من قبل معظم الخبراء والجنود تشير إلى جهل مأساوي بواقع هذه الحركة. كما لم تتمكن الولايات المتحدة من صياغة استراتيجية متماسكة، إذ إنه منذ بداية التدخل الأمريكي، كانت السياسة الباكستانية جوهر المشكلة الأفغانية.
فمنذ ظهور حركة طالبان عام 1994، دعمتها باكستان جزئياً بسبب علاقتها العدائية مع الهند. وإذا كانت عمليات التحالف في أفغانستان قد أدت إلى تعطيل حركة طالبان، فإن قيادة الحركة كانت محمية من الضربات الأمريكية. ولذلك، فإن جميع عمليات مكافحة التمرد محكوم عليها بالفشل بسبب سهولة اختراق الحدود الأفغانية الباكستانية. لكن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بالاتفاق مع البنتاغون، لم تمارس الضغط اللازم على إسلام أباد.
علاوة على ذلك، فإن تكاثر عمليات القوات الخاصة خارج أي إطار قانوني هو عنصر أساسي في تحول السكان الأفغان. وأدت عمليات الإزالة المستهدفة من القوائم المبهمة والاعتقالات التعسفية التي يتبعها أحيانًا التعذيب، وتشكيل الميليشيات بممارسات وحشية (على سبيل المثال، تلك الخاصة بوكالة المخابرات المركزية في الشرق)، والتحالفات العشوائية مع الجماعات القبلية، أدت كلها إلى رفض متزايد للقوات الغربية. وبدلاً من المساعدة في تعزيز السلطات المحايدة التي تحافظ على القانون، انخرطت القوات الغربية في صراعات محلية، وقادت المهزومين للانضمام إلى التمرد.
ثالثا وأخيرًا – يتابع الباحثان – كانت سياسات ‘‘بناء الدول’’ مدفوعة من رؤية نيوليبرالية، سمحت بالاستيلاء على موارد المساعدات من قبل الشركات الغربية الكبرى، وخاصة الأمريكية. فغياب المنافسة الحقيقية للحصول على العقود، والرقابة الجادة على البرامج المنفذة، تفسر النتائج المنخفضة مقارنة بالمبالغ المستثمرة.
ولاستكمال صورة الهزيمة التاريخية للغربيين في أفغانستان، فإنه يمكن للمرء أن يضيف الصعوبات الداخلية لحلف الناتو والإفلاس شبه الكامل للخبرات، سواء أكان ذلك داخليًا في الوزارات أو من مراكز الفكر. فعلى عكس النرويجيين والأستراليين، على سبيل المثال، لم تر فرنسا أنه من المناسب إعادة النظر في مشاركتها في أفغانستان، التي أودت بحياة مئات الجنود وصرف عدة مليارات من اليورو، يختتم الباحثان آدم باتشكو وجيل دورونسورو إلى القول في هذه العريضة التي نشراها بصحيفة ‘‘لوموند’’.