لندن – «القدس العربي»: خذلت الأرض أصحابها في مواجهتي ذهاب الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا، وكانت البداية بتعثر ريال مدريد أمام ضيفه تشلسي بهدف للكل في سهرة ثلاثاء «ألفريدو دي ستيفانو»، وتبعه قاهر حامل اللقب باريس سان جيرمان، بسقوط معتاد على ملعبه «حديقة الأمراء»، في صدامه مع مانشستر سيتي، الذي انتهى بفوز كتيبة بيب غوارديولا بهدفين لهدف، كأفضل سيناريو لممثلي البريميرليغ قبل حسم تأشيرتي الذهاب إلى «أتاتورك الأولمبي»، في معركتي الإياب منتصف هذا الأسبوع.
نتيجة كاذبة
اعتقد جمهور الريال، أن مدربه الفرنسي زين الدين زيدان، سيضرب الأسد اللندني بالعصا السحرية، التي تمكنه دوما من قهر الكبار في هكذا مواعيد، أو على أقل تقدير سيظهر بصورته المخيفة المعروفة عنه في سهرات خروج المغلوب في ذات الأذنين، لكن بمجرد أن أطلق الشرطي الهولندي داني ماكيلي صافرة البداية، أيقن المشجع المدريدي قبل المحايد، أنها واحدة من الليالي الكئيبة بذكريات مأساة أياكس أمستردام في 2019 وخيبة أمل مانشستر سيتي في النسخة الأخيرة، ووضح ذلك من خلال الغارات الزرقاء على الحارس تيبو كورتوا، بصورة جعلت البعض منا يحدق النظر أعلى يسار شاشة «بي إن» ويتساءل: أحقا يلعب تشلسي خارج قواعده؟ وذلك للأفضلية الكبيرة في أول 25 دقيقة، والتي كان من الممكن استغلالها بشكل أفضل، لولا غرائب المهاجم الألماني تيمو فيرنر، الذي حرم مواطنه توماس توخيل من تكرار ما حدث أمام أتلتيكو مدريد وبورتو، بتأمين نتيجة الذهاب خارج الملعب بنتيجة مريحة قبل الإياب، وشاهدنا كيف تفنن في إهدار فرصة أقل ما يُقال عنها هدية من كريستيان بوليسيتش، قابلها بلمسة خجولة من داخل منطقة الست ياردات، ساعدت كورتوا في الحصول على تصدي سينمائي عند الدقيقة العاشرة، وما عزز الشعور المدريدي السلبي، حالة اللامبالاة التي كان عليها الدفاع والوسط في دقائق المعاناة في الشوط الأول، كأن أغلبهم مسلمون ومتأثرون بتغيير نظامهم الغذائي في شهر رمضان. وهذا وضح في خطأ ناتشو الساذج في لقطة هدف بوليسيتش، بترك الأخير يبعثر كورتوا، بدلا من الضغط عليه لمنعه من الاستعراض بهذه الطريقة التي استغل بها الهدية الثمينة، وبالنظر إلى الأسباب التي أدت لظهور الريال بهذا الأداء الباهت في جُل أوقات الشوط الأول تحديدا، سنجد أن منها ما يندرج تحت مسمى «الظروف القهرية»، مثل مشاكل الإصابات التي حرمت المدرب من رفاهية المداورة في فترة ازدحام روزنامة المباريات في الأسابيع القليلة الماضية، إلى جانب تأثر الفريق بغياب ركائزه الدفاعية الأساسية، متمثلة في القائد سيرخيو راموس والجوكر التكتيكي فيرلاند ميندي، وبدرجة أقل باقي المصابين على رأسهم طيب الذكر لوكاس فاسكيز والقلب النابض فيدريكو فالفيردي، ومنها ما يقع على عاتق المدرب واللاعبين، كما كان واضحا في الحالة الفنية والبدنية السيئة التي كان عليها أكثر من نصف الفريق، في مقدمتهم الحاضر الغائب مارسيلو، الذي لم يفعل أي شيء سوء العرضية، البالون، التي أحياها كاسيميرو بتمريرة رأسية لميليتاو ليرسلها بدوره إلى كريم بنزيما، ليسجل الهدف بذكاء يُحسد عليه، أما غير ذلك، فيمكن القول وبدون مبالغة، إن الريال ظل يلعب بعشرة لاعبين في وجود مارسيلو، إلى أن قام المدرب باستبداله بماركو أسينسيو عند الدقيقة 77، والدليل على ذلك الانتعاش الملموس في الجهة اليسرى، بفضل اجتهاد ناتشو مع البديل إيدين هازارد في الدقائق الأخيرة.
العلامة الفارقة
نفس الأمر ينطبق على فينيسيوس جونيور، الذي لم يكن في أفضل حالاته، وأيضا افتقد دعم توني كروس ولوكا مودريتش السخي، لمعاناة الاثنين مع الكائن الفضائي نغولو كانتي، الذي خطف الأنظار بطاقته ومجهوده الجبار على مدار 90 دقيقة، والمثير بحق، أن الفرنسي الخجول في حياته الاجتماعية، لم يكتف بتأدية أدواره الدفاعية على أكمل وجه، بعدم التوقف عن ضغط ثلاثي وسط الميرينغي بدعم من الثلاثي جورجينيو وماسون ماونت وبوليسيتش، بل قام أيضا بدوره الهجومي بشكل نموذجي، بإعطاء لاعبي الوسط دروسا مجانية في تفعيل مصطلح «الزيادة الهجومية» على أرض الملعب، متسلحا بقدرته الهائلة على الاحتفاظ بالكرة، واللعب على وتر الفارق الشاسع بين معدلاته البدنية وباقي لاعبي الملكي بدون استثناء، وهذا ما أعطى تشلسي أفضلية ساحقة في أم المعارك، لحسن تصرفه بالكرة والخروج بها بسلاسة وبلا مشاكل من دائرة الوسط حتى المناطق المحظورة في الدفاع الأبيض، كأنه يتنزه في حديقة منزله، ويقوم بتدمير وهدم إستراتيجية زيدان، التي ارتكزت على الدفاع والضغط المتقدم من وسط الملعب، أملا في افتكاك الكرة في الثلث الأخير من الملعب، كما قهر يورغن كلوب في موقعة ذهاب ربع النهائي، لكن مع الحالة الاستثنائية التي كان عليها هذا النغولو وباقي لاعبي الوسط، وجد كروس ومودريتش وكاسيميرو صعوبة بالغة في ممارسة هوايتهم المفضلة وما يفعلوه في هكذا مباراة، بالاستحواذ على الكرة وتدويرها في كل مكان من الملعب، لفرض أسلوبهم على المنافس وإجباره على الاستسلام في لعبة «التحكم في نسق وإيقاع المباراة»، بل الكثير من النقاد والمتابعين، يحملون ثلاثي وسط الريال الجزء الأكبر من مسؤولية الأداء الباهت، باعتبارها مباراة للنسيان، خصوصا لتوني كروس ولوكا مودريتش، ولو أنه بوجه عام، كان الفريق المدريدي في أتعس أيامه، باستثناء كورتوا وفاران وميليتاو والمنقذ بنزيما، على عكس الفريق اللندني، الذي عبر عن عقلية وشخصية مدربه الألماني، كفريق مغاير لما أهانه فرانك لامبارد في نهاية العام الماضي بأنه فريق «غير جاهز للمنافسة على الألقاب»، والدليل على ذلك لغة الأرقام، التي تقول إن بلوز توخيل لم يعرف طعم الخسارة أمام المدربين الكبار في إنكلترا وأوروبا، وأهم من ذلك ما يشاهده المتابع البسيط قبل خبراء النقد والتحليل، بتحول تشلسي من فريق لا يحظى بثقة جمهوره، إلى الطرف المرشح دوما للفوز سواء في مبارياته على ملعبه أو في الخارج، كما أثبت في ملحمة «ألفريدو دي ستيفانو»، التي كان يستحق الخروج منها بنتيجة أفضل من التعادل، تأكيدا أن سجله الجيد أمام زيدان في المواجهات المباشرة السابقة بينهما، ليس من قبيل الصدفة أو ضربة حظ، بأربعة تعادلات وفوز في 5 مواجهات مباشرة.
الريمونتادا أم الواقعية
كما أشرنا أعلاه، من الصعب الاختلاف على أفضلية وتفوق تشلسي في موقعة الذهاب، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه حسم بطاقة الترشح إلى النهائي، دعك من حقيقة أن سهرات ذات الأذنين لم تعد تعترف بعامل الأرض، خاصة في زمن كورونا، حيث تقام المباريات من وراء أبواب مغلقة، لكن المؤشرات تظهر أن موقعة الأربعاء ستكون 90 دقيقة مختلفة عن الثلاثاء الماضي، مع تزايد فرص عودة الركائز الأساسية التي لم تلحق بالمباراة الأولى، إما لعدم التعافي من إصابات الملاعب أو لظروف كورونا، في مقدمتهم الثلاثي راموس وميندي وفالفيردي. بالإضافة إلى ذلك، سيكون كروس قد حصل على وقته الكافي للاستشفاء من الانتكاسة التي منعته من اللعب في عطلة نهاية الأسبوع أمام بيتيس، ولا ننسى كذلك أن زيدان والجميع في مدريد سينتظرون الكثير من هازارد، ليوقع على عربون المصالحة مع المشجعين، بتعويض كل ما فاته في المباراة المصيرية التي ستقام على الملعب الذي قضى عليه سنواته الخوالي كلاعب وكان سببا في انتقاله إلى «البيرنابيو»، وإذا فعلها الغالاكتيكو البلجيكي وتجنب الدفاع هفوات أول نصف ساعة بعد عودة راموس وميندي، ستكون مقابلة غرب لندن مفتوحة على كل الاتجاهات، وذلك بطبيعة الحال ليس فقط لشخصية الريال وحضوره القوي في بطولته المفضلة، أو تسلح زيدان بعناصر تملك من الخبرة ما يكفي للتعامل مع مثل هذه المواجهات، بل أيضا لفرص الفريق اللندني القوية في إثبات جدارته بالترشح إلى المباراة النهائية، باستنساخ الصورة المرعبة التي كان عليها في الملعب الصعب، الذي يستغله زيدان لاستدراك خصومه المعتادين على الملاعب الضخمة. لكن هذا سيتوقف على اللمسة الأخيرة أمام تيبو كورتوا، بمعنى أن نقطة الضعف الواضحة في غياب عملة المهاجم القناص القادر على التسجيل من نصف فرصة، مع الإصرار على إجلاس أوليفييه جيرو على المقاعد، قد تكلف توخيل الكثير، إلا إذا وجد حلا لصداع فيرنر وفرصه السهلة المهدرة، لتفادي العقاب الرادع من بنزيما الذي يعيش أفضل لحظاته، وباقي رفاقه الذين سيرفعون شعار «ليس لدينا ما نخسره أو نبكي عليه»، وفي عالم كرة القدم، أحيانا تكون الأفضلية الذهنية والنفسية لهؤلاء الذين يلعبون بهدف الفوز، على عكس الطرف الآخر الذي تكون لديه أكثر من فرصة وسيناريو للصعود، وهذا الأمر حذر منه الأستاذ آرسين فينغر في إطلالته المميزة مع «بي إن»، قائلا: «الشيء المثير في دوري الأبطال هو أنه لديك دائما في المباراة الثانية مشكلة نفسية يجب حلها، إذا كنت مدرب تشلسي الآن، فستعود إلى المنزل الليلة وعليك إقناع لاعبيك بتبني إستراتيجية في المباراة الثانية، لأن مدريد في وضع مختلف نفسيا، يذهبون إلى تشلسي وحتى إذا سجلوا هدفا فلن يتغير كثيرا، فهم يلعبون فقط، لكن بالنسبة لريال مدريد لديهم ميزة واحدة، إنهم واضحون، يعرفون ماذا يفعلون في مباراة الإياب»، فهل تصدق توقعات فينغر وينجح مواطنه زيدان في تحقيق الريمونتادا؟ أم سيفعلها توخيل ويضرب موعدا في النهائي للموسم الثاني على التوالي، بعد الهزيمة مع باريس سان جيرمان أمام بايرن ميونخ في نهائي النسخة الأخيرة؟ هذا ما ستقرره أقدام اللاعبين في قمة الأربعاء.
حطها يا رياض
بصوت وذكريات العزيز حفيظ دراجي، فعلها ابن بلاده الجزائر رياض محرز، بتسجيل هدف ماركة «حطها يا رياض»، ليقود مانشستر سيتي لقلب الطاولة على باريس سان جيرمان، بالفوز بهدفين لهدف بعدما خرج الفريق السماوي من الشوط الأول متأخرا في الأداء والنتيجة بهدف متخصص الكبار ماركينيوس، قبل أن تنقلب الأمور رأسا على عقب في الحصة الثانية، لعدة أسباب، منها عودة المدرب ماوريسيو بوتشيتينو للتركيز على نقاط قوة المنافس بدلا من التركيز على أسلحته الرادعة، ولعلنا لاحظنا التراجع المبالغ فيه منذ بداية الشوط الثاني، أملا في استدراك الفيلسوف الكتالوني واغتياله بالهجمات المعاكسة، بالاعتماد على سحر نيمار جونيور وإبداعات أنخيل دي ماريا وسرعة كيليان مبابي وانطلاقاته في سباقات السرعة مع جون ستونز وروبن دياز، بالحيلة القديمة التي كشف بها الدفاع السماوي مع فريقه السابق توتنهام في ربع نهائي 2018 الهيتشكوكي، لكن على ما يبدو، أن المجهود الكبير الذي بذله الفريق الباريسي في أول 45 دقيقة، أثر بشكل سلبي على المردود البدني للاعبين في الشوط الثاني، مع تأثر نيمار بالإصابة التي ألمت به في يده، إلى جانب وقوف مبابي على مسافة بعيدة جدا عن نيمار وأنخيل دي ماريا.
وأسوأ مما سبق، اختفى الضغط في وسط الملعب، بإجبار ماركو فيراتي ولياندرو باريديس على التراجع إلى الوراء، مع تحول دور كيفن دي بروين وفل فودن، بعودة البلجيكي إلى مكانه المفضل، كلاعب حر في الثلث الأخير من الملعب، والصغير الإنكليزي في مركز المهاجم الوهمي بالتناوب مع إلكاي غوندوغان، فضلا عن التغيير السحري بإشراك زينتشينكو على حساب كانسيلو بعد أول ربع ساعة من الشوط الثاني، ولاحظنا التحول الكبير في أداء السيتي بعد هذا التغيير، الذي أنعش الجهة اليسرى، وساعد فودن على التقدم خلف المساحات التي كان يبحث عنها الفريق على مدار 60 دقيقة. إلى جانب ذلك، تحسن كذلك أداء محارب الصحراء، باكتمال عملية الربط بينه وبين بيرناردو سيلفا وكايل ووكر في المثلث الناري في الجهة اليمنى، هذا في الوقت الذي أرادت فيه الظروف أن تسير على عكس النادي الباريسي، بداية بهفوة كيلور نافاس في تعامله مع عرضية كيفن دي بروين، التي قلبت المباراة رأسا على عقب، ثم بخوف كيمبييمبي على جسده، ليترك تسديدة محرز تعانق الشباك، وفي الأخير أطلق أدريس غايي رصاصة الرحمة على مدربه، بتدخله العنيف على غوندوغان، الذي كلفه الحصول على بطاقة حمراء وإجبار فريقه على استكمال المباراة منذ الدقيقة 77 بعشرة لاعبين، معها تحولت إلى مباراة بين منظومة جماعية تفوح منها الثقة والهدوء، وفريق فردي يعتمد على حلول نيمار ودي ماريا قبل خروجه، ومن حسن البوتش وفريقه أن السيتي اكتفى بأفضلية هدفين مقابل هدف، لتبقى فرص الفريق الباريسي قائمة في سهرة بعد غد الثلاثاء، بشرط أن يستعيد نسخته الهوليوودية التي يتميز بها في مبارياته الكبيرة بعيدا عن دابته السوداء «حديقة الأمراء»، كما هزم مانشستر يونايتد بالثلاثة في «مسرح الأحلام» في دوري المجموعات، واكتسح برشلونة بالأربعة في قلب «كامب نو» في ذهاب ثمن النهائي، حتى حامل اللقب هزمه في «آليانز آرينا» بنتيجة 3-2، فهل ينتفض عملاق فرنسا في الأراضي الإنكليزية ويضمن مكانه في النهائي للنسخة الثانية على التوالي بريمونتادا لا تنسى؟ أم سيؤكد غوارديولا تفوقه في إياب «الاتحاد» ويواصل المضي قدما نحو نهائي الأبطال الثالث في مسيرته والأول منذ الفوز على مانشستر يونايتد قبل عقد من الزمان؟ دعونا ننتظر ونستمتع بالجولة المثيرة.