سوريا ليست آمنة وروسيا متورطة
يعاني اللاجئون السوريون منذ سنوات من حملات سياسية ضاغطة من قبل بعض الدول الحاضنة لهم تارة، وأخرى من قبل الأصوات المعارضة لحكومات تلك الدول، إذ تم استخدام ملف اللاجئين كورقة سياسية لانتقاد الحكومات والعمل على تجييش الشارع لتحقيق استحقاقات انتخابية، الأمر الذي دفع آلاف السوريين لتغيير عدة دول بحثا عن الاستقرار، حتى شكلت دول الاتحاد الأوروبي حلم غالبيتهم، إلا أن بعض دول الاتحاد بدأت بخطوات وصفت بـ «الخطيرة والمخالفة للقانون الدولي» لترحيل اللاجئين السوريين من على أراضيها نحو العاصمة السورية-دمشق، التي هجروها قسرا بفعل انتهاكات النظام السوري والدول الداعمة والميليشيات الطائفية المساندة له.
الدنمارك، وهي إحدى الدول الإسكندنافية شمالي أوروبا، اعتلت صدارة الدول الأوروبية في ممارسة سياسة الضغط على اللاجئين السوريين الذين ينحدرون من دمشق وأريافها لإعادتهم إليها تحت ذريعة تحولها لمناطق آمنة، وعدم وجود تهديد على حياتهم إذا ما عادوا إليها، لتعمل على سحب تصاريح الإقامة من مئات اللاجئين السوريين، في سياسة مناقضة لتقييم المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين للأوضاع في سوريا.
380 لاجئا سوريا باتوا اليوم في الدنمارك تحت الخطر بحسب مصادر حقوقية ومنظمات دولية، الأمر الذي دفع المفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية يلفا جوهانسون، لمطالبة الدنمارك بضرورة احترام آراء المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بخصوص الأوضاع في سوريا، مشيرة إلى حصولها على تطمينات دنماركية بعدم تنفيذ أي ترحيل قسري للاجئين السوريين إلى دمشق.
أما منظمة العفو الدولية، فخرجت ببيان رسمي لمطالبة الدنمارك بالتراجع عن قرار ترحيل السوريين إلى بلادهم وعدم استهداف الذين اضطروا إلى مغادرة سوريا جراء العنف، معتبرة أن قرار السلطات في الدنمارك ترحيل السوريين «غير مقبول».
كوبنهاغن كانت قد شرعت منذ نهاية حزيران/يونيو من عام 2020 في عملية موسعة لإعادة النظر في كلّ ملف من ملفات 461 سوريا من العاصمة دمشق، على اعتبار أنّ «الوضع الراهن في دمشق لم يعد من شأنه منح تصريح إقامة أو تمديده». وهذه سابقة من نوعها لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي.
مخالفة قانونية وتسييس
المحامي السوري المختص في قضايا اللاجئين في فرنسا زيد العظم، أكد في تصريحات لـ «القدس العربي» أن «الفقرة الأولى من المادة 33 لاتفاقية جنيف للاجئين الموقعة عام 1951 تنص على ما يلي: لا يجوز لأية دولة موقعة أن تطرد لاجئا أو ترده بأية صورة من الصور إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددتين فيها بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى أي فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائه السياسية».
لذلك فإن دولة كالدنمارك، وبصفتها طرفا موقعا على اتفاقية جنيف المتعلقة باللاجئين عام 1951 وموقعة على بروتوكول 1967 المتمم لاتفاقية جنيف، لا يمكنها «قانونيا» طرد اللاجئين السوريين أو ترحيلهم.
وقال العظم: «لا يوجد في القانون والفقه القانوني الدولي، تمييز بين اللجوء والحماية، لذا فإن كل شخص وبسبب خوفه من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية، لا يستطيع العودة أو لا يريد بسبب هذا الخوف هو لاجئ يستظل بحماية البلد الذي قدم إليه».
واستطرد: «لذا فقرار وزارة الهجرة واللجوء في الدنمارك، هو قرار إداري مشوب ابتداء وواجب الإبطال ولا يستند إلى أي مرجع أو سند قانوني، وهو قرار قابل للطعن أمام القضاء الإداري الدنماركي، على اعتباره مخالفا لالتزام الدولة في اتفاقية اللاجئين، كما أنه قابل للطعن والإبطال أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في حال توجه القضاء الإداري بتأييد هذا القرار».
من جهة أخرى، إن مثل هذا النوع من القرارات الإدارية الجائرة والمجحفة بحق اللاجئين السوريين في الدول الأوروبية، هو نتيجة تسييس ملف اللاجئين الملف الذي يوصف بأنه الأكثر رخاوة في حقل التجاذبات السياسية والمزايدات التي يستثمر بها عدد من أحزاب اليمين المتشدد في مجموعة من الدول الأوروبية، ومنها الدنمارك في ظل انتقاد كبير من جمعيات وشخصيات أوروبية بوجود تنسيق وتعاون بين النظام السوري وبين أحزاب اليمين المتشدد في أوروبا.
ظروف قاهرة ومناشدات أوروبية
بعد سحب الدنمارك لمئات الإقامات من السوريين بشكل غير قانوني، تحول وجود الفئة المتضررة من القرار الحكومي إلى وجود «غير قانوني» في البلاد، وهو ما يهدد وفق مصادر حقوقية إمكانية استمرار الأطفال في المدارس، ومواصلة الآباء للعمل، وفي المحصلة سيتعرضون لفقدان منزل الإقامة، وسيصبح مصير العوائل التي تعرضت للإجراءت الحكومية مجهولا.
الأمر الذي دفع مجموعة مكونة من 33 برلمانيا أوروبيا إلى توجيه رسالة إلى الدنمارك، يطالبونها فيها بضرورة مراجعة قرارها القاضي بترحيل السوريين نحو بلادهم بطريقة غير قانونية.
إذ أكدت تلك المجموعة التي ينحدر أعضائها من 12 دولة أوروبية، أن سوريا ليست آمنة بالشكل الكافي لقبول عودة اللاجئين إليها، فيما كانت السلطات الدنماركية عام 2019 قد أصدرت تقريرا جاء فيه أن الوضع الأمني في بعض أجزاء سوريا «تحسن بشكل ملحوظ».
واستخدم التقرير وفق وكالة «الأناضول» كمبرر لبدء إعادة تقييم مئات تصاريح الإقامة الدنماركية الممنوحة للاجئين السوريين من العاصمة دمشق والمنطقة المحيطة بها، وتصنَّف الدنمارك من الدول الموقعة على الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تمنع ترحيل طالبي اللجوء المرفوضين إذا تعرضوا لخطر التعذيب أو الاضطهاد في بلدانهم الأصلية.
يمين متشدد وقرار سياسي
مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، أكد وفق تقارير حقوقية، وأخرى صادرة عن المنظمات الدولية أن سوريا «بلد غير آمن» وأن النظام يواصل عمليات التضييق على السوريين في مناطق سيطرته، بما في ذلك الاعتقال العشوائي.
ومن وجهة نظر حقوقية، فإن ترحيل اللاجئين السوريين إلى بلادهم غير آمن، وهو إعادة قسرية وانتهاك «للقانون العرفي الملزم لكل الدول» بما فيها الدول غير المصادقة على اتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين، منوها إلى أن كل دول الاتحاد الأوروبي مصادقة على الاتفاقية.
وصنف عبد الغني، خلال حديثه لـ «القدس العربي» قرار ترحيل السوريين المنحدرين من العاصمة دمشق وأريافها ضمن خانة «القرار السياسي» معتبرا ذلك «انتهاكا للقانون» وأن الهدف منه كسب أصوات أحزاب اليمين المتشدد في الدول المطالبة بترحيل السوريين.
روسيا متورطة
كثفت روسيا من جولاتها ومطالبها بإعادة اللاجئين السوريين إلى سوريا، إذ أجرى سياسيوها جولات أوروبية وعربية لذات الهدف، وهنا لا بد من الإشارة إلى الدور الروسي، وممارستها لضغوط على الأوروبيين بهدف تفعيل هذا الملف، وقد شاهد العالم مساعيها لعقد مؤتمر لإعادة اللاجئين السوريين، إذ أن موسكو، وفق مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، تحاول من خلال مخططها هذا إعادة حلقات الاتصال بين الدول الأوروبية والنظام السوري، لتقوم باختيار اللاجئين كمسرح سياسي لذلك.
النظام السوري وفق المصدر الحقوقي، لا رغبة لديه بإعادة اللاجئين الذين هجرهم مع الحلف الداعم له، لكن روسيا هي الساعية وراء ذلك بهدف تحصيل المزيد من المكاسب بما فيها المساعدات الدولية، وصولا إلى غايتها الكبرى في تحصيل ملف إعادة الإعمار، لذلك تصر موسكو على استثمار قضية اللاجئين قدر المستطاع.
معتبرا أن قرار إعادة السوريين قسرا إلى العاصمة دمشق وأريافها ليس بالأمر السهل تطبيقه، فالدول التي تنشط في هذا الملف تتمتع بديمقراطية حية ووسائل الإعلام تتصدى بشكل كبير للقرارات الحكومية وكذلك تفعل المنظمات الحقوقية، وهناك إجماع جيد ضد هذا القرار.
كما أشار إلى أهمية الأصوات الدولية في ملف إعادة السوريين قسرا من بعض الدول الأوروبية إلى مناطق سيطرة النظام.
غياب المعارك لا يعني الأمان
انتقدت الأمينة العامة لمجلس اللاجئين الدنماركي شارلوت سلينيت قرار حكومة بلادها بإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، واعتبرت أن ذلك «موقف غير مسؤول» وأن «هناك خطرا حقيقيا بالهجوم والملاحقة» للذين يتم ترحيلهم إلى سوريا، وتضيف بأن «عدم وجود معارك في دمشق، لا يجعل المدينة آمنة ويمكن ترحيل اللاجئين إليها».
وتبرر الأحزاب اليسارية موقفها المعترض على ترحيل اللاجئين السوريين، بأنه ليس هناك تعاون بين الدنمارك ونظام الرئيس السوري بشار الأسد، وبالتالي لا يمكن الآن تنفيذ عمليات ترحيل السوريين إلى بلدهم.
استهداف لمناهضي الأسد
في قراءة لمسألة ترحيل السوريين من دول الاتحاد الأوروبي، فلو قمنا على سبيل المثال بإحصاء هذه الحالات نرى أن نسبة 95 في المئة منها طالت السوريين المحسوبين على الثورة والمعارضين للنظام، بسبب ما مارسه من إرهاب وعنف.
وهذا يشير حسب الباحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام رشيد حوراني، إلى أن هناك من يقوم بتحريك هذه الدعاوي، وهي ليست بريئة، لأن «القضاء» في دول الاتحاد الأوروبي لن يُتعب نفسه ويجتهد للبحث عمن ارتكب انتهاكات هنا أو هناك، ولو كان وافدا لهذه الدولة أو تلك، فشروط وفادته القانونية قد تحققت، وحالة المواطن السوري مجدي نعمة دليل على ذلك.
أما عن تأثيراته المباشرة وغير المباشرة فتأتي حسب الباحث، في الدرجة الأولى، من ما يحاول النظام السوري الوصول إليه، وعمل عليه منذ بداية الثورة، وهو وسم الثورة السورية لدى المواطن الغربي على أنها إرهاب وتطرف، وبناء رأي عام في المجتمع الغربي يؤمن بذلك.
كما أن من تأثيراته انجرار فئة من السوريين العاملين في المجال القانوني لتبني مثل هذه القضايا والاعتراف بها من منطلق قانوني من دون معرفة من يقف خلفها، وهذا من شأنه زيادة تشظي الحاضنة الثورية.
أما عن هل سوريا بلد آمن فعلا، «أرى أن تلك الدول تعرف تمام المعرفة أنها غير آمنة، ولولا ذلك لكانت أعادت دبلوماسييها إلى البلد الذي يشهد حربا منذ عشر سنوات».
الهروب من جحيم الأسد
قالت مصادر أهلية من العاصمة السورية لـ «القدس العربي» فضلت حجب اسمائها لدواع أمنية، أن نسبة تعد كبيرة من سكان دمشق وأريافها لديها رغبة في مغادرة البلاد نتيجة للأوضاع الاقتصادية المتدهورة، والبطالة المنتشرة، وكذلك الإجراءات الأمنية من قبل أجهزة استخبارات النظام.
المصادر، أشارت إلى تضييق كبير على السكان المحليين بما يخص الحياة اليومية، والتحقيق أو الاعتقال مع أي سوري لمجرد التواصل مع أي شخصية من العائلة مناهضة للأسد هاجرت إلى خارج الحدود، وأن الاعتقالات تشمل السيدات، حتى أن المئات من الشباب السوري في المناطق التي ثارت على الأسد لا يجرؤ على دخول العاصمة خوفا من الاعتقال رغم مرور سنوات على إخلاء مناطقهم من تشكيلات المعارضة المسلحة، وتوقيعهم على أوراق تسوية مع النظام.