ستر الاستعارة وكشفه

من المسلم به أن الاستعارة العرفانية، تركت وراءها فكرة تقليدية سادت دهرا عن الاستعارة وهي، أنها محسن يدخل الكلام الراقي ليصنع جزءا مهما من رقيه، ويجعله مختلفا عن الكلام اليومي. والفكرة التي أسس لها علماء الدلالة العرفانيون أن الاستعارة جزء من إدراكنا للكون، بل إن عقولنا المدركة هي نفسها استعارية.
لا نريد أن نعود إلى هذه الفكرة التي عرضناها في هذا الركن في أكثر من مناسبة، إنما نريد أن نبين كيف أن الاستعارة يمكن أن تستعمل استعمالا ليس الغرض منه التحسين والتوشية، بل يراد من خلالها حجب فكرة لو صيغت بألفاظها الصريحة، ودون استعارة لأدت إلى صدمة تلق لذلك تستعمل الاستعارة حينئذ لتخفيف الخطاب. تكون الاستعارة في بعض الأحيان طريقة في بناء الكون بشيء من التخفي والتستر، ثم يأتي خطاب ليشرح هذا التخفي، فيجنح إلى تعرية الحقيقة، وعندها لا يكون الشرح كلاما على الكلام مثلما يُعتقد، بل يكون ضربا من رد الكلام إلى أصله الأول قبل أن تستعار له الصور، أو يُبنى بشكل فيه تناظر بين تجربتين، تجربة مقصودة، وتجربة توضح عناصرها المجردة أو الموغلة في الغموض والتستر.
سوف نتوقف لبيان ذلك عند استعارة طريفة في القرآن الكريم تجعل الجسد ثوبا في سياق الحديث عن تنظيم العلاقة الزوجية في شهر الصوم، وعند شرح المفسرين لها شرحا ينزع عنها كثيرا من سترها لتوضيحها. يكثر الاستشهاد في رمضان بالآية 187 من سورة البقرة وفيها يقول تعإلى: (أُحِل لَكُمْ لَيْلَة الصيَامِ الرفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُن لِبَاسٌ لكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لهُن عَلِمَ اللهُ أَنكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُم) إلى آخر الآية. يكثر الاستشهاد بهذه الآية في سياق تنظيم العلاقة الزوجية في هذا الشهر، تنظيما يستجيب للصوم عن الرغبات صوما يعطي لهذه الشعيرة طابع القداسة والطهر وغير ذلك من الأفكار، التي يطنب في تفصيلها الفقهاء والمفسرون، وأصحاب الحلقات الرمضانية المعيدون للأحكام، كي تسير في الناس وترسّخ فيهم السلوك الإيماني القويم. نعود إلى هذه الآية للتعليق على جوانب تخص تقبل المفسرين لهذا المقطع، لا سيما استعمال صورة اللباس في وصف العلاقة بين الرجل والمرأة، في سياق من التعامل المخصوص. ويعنينا ههنا أن نقارن بين استعارة اللباس في القرآن عموما وهذا المعنى المخصوص.
يذهب المفسرون إلى أن للآية سياقا تاريخيا حدث بمقتضاه انتقال من منع العلاقة الزوجية من وقت مبكر هو ما بعد صلاة العشاء إلى وقت متأخر. لكن جاءت الرخصة بتوسيع الوقت؛ إذ يذكر المفسرون أن هذه التوسعة كانت نتيجة لخرق بعض الصحابة المواضعة الأولى بالامتناع عن الزوجة قبل العشاء أو لأن بعضهم قد أخدته سنة من النوم ففرط في الرخصة بالتفريط في زمانها. ذكر ابن كثير أن المسلمين «كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة ، ثم إن أناسا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعإلى، «علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن». مثل هذا القول لا يريد أن يصف العصيان، بل يوجد العذر لمن خرق الاتفاق وعذره أن الصوم لا يمكن أن يكون عقابا للنفس العطشى إلى رغباتها الإنسانية الشرعية، بالشكل الذي كانت عليه، لذلك كانت الآية استجابة لهذه النفوس العطشى بعضها لبعض. من الطبيعي أن يفهم المفسرون ذلك من عبارة (أحلّ) التي يمكن أن تدل على انتقال من حالة من التحريم إلى الإباحة. لكن هذا وجه من وجهي التأويل لا يمكن إثباته من داخل النص القرآني نفسه، فربما كان التحريم مقبلا من عادات قديمة، أو من تشدد في اعتبار الصوم حركة عامة تشمل الانقطاع الطويل عن العلاقة الجنسية، ربما كان في ذلك ضرب من المواضعة الثقافية القديمة، التي تواصلت في الإسلام الأول لتعزيز شيء من مجاهدة النفس والتشدد معها. لكن مجاهدة النفس بحرمانها مما ترغب فيه يمكن أن يكون على درجات، فمن الناس من يكون متطرفا في المضي إلى الآخر ومنها من لا يقدر عليه فيخرق المواضعة خرقا يسمى في نص الآية (الاختنان) ومعناه ظلمها النفس والغدر بها وقد يفهم الغدر في هذا السياق خروج بعض الناس على اتفاق الجماعة القاضي بالامتناع عن مباشرة النساء في رمضان بعد صلاة العشاء طيلة شهر كامل ويمكن أن يفهم على أنه ظلم النفس لذاتها، لأنها تشدد في شيء لا تطيق الصبر عليه آمادا طويلة.

في لغة الشرح درجات في هتك ستر النص: الدرجة الأولى تشرح الاستعارة بأخرى وتبقى في حيز الستر الذي يرعى حرمة النص، وهذا ما نجده في قول الطبري: «هن سَكنٌ لكم وأنتم سكن لهم؛ وقال الربيع: هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهم».

المهم أن هذا الإطار الذي استعملت فيه استعارة الجسد ثوبا في قوله تعإلى (هن لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن) وهذا الاستعمال يحتاج تدقيقا في معناه المعجمي وفي سياق النص القرآني. المعنى الأول للباس هو ما يحمي الجسم ويقيه البردَ أو يستره ويخفي عورته وهاتان وظيفتان أساسيتان تعتبر الأولى منهما طبيعية، لأن النفس تصطنعها للوقاية والسعي إلى البقاء وتعتبر الثانية ثقافية لأنها تنخرط في دور أخلاقي. المعنى القرآني يبدو أقرب إلى المعنى الثاني وهذا ما نجده في قوله تعإلى في سورة الأعراف، 26 ، «يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم» يكون اللباس مخفيا العورات، لأنه إن أظهرها صار ذا سوءة وعد من الأراذيل. بناء على هذا فإن يكون الرجل لباس امرأته يعني أن يخفي سوأتها، وهي ليست العورة تحديدا، بل ما ينجم عنها من طلب للذة. وأن تكون المرأة لباسا للرجل يعني أن تخفي سوأته. يدخل هذا في نطاق نظامي عام يتمثل في أن الزواج هو (وِجَاءٌ) أي دافع للرذيلة. أن تكون المرأة لباسا للرجل ويكون هو لباسا لها هو بهذا المعنى أن يكون أحدهما دافعا عن الآخر، أسباب الوقوع في الحرام. لقد أخفت استعارة الجسد – لباسا طرفين: جسد المرأة لباسا للرجل، وجسد الرجل لباسا للمرأة. أخفت الاستعارة كثيرا من الأشياء، وهي تقرر حقيقة العلاقة الشرعية بين الرجل والمرأة من جهة طلب كل منهما الثاني طلبا شرعيا يمكن أن يسد الباب على الطلب غير الشرعي.
حين يكشف المفسرون هذا المعنى فإن الكلام سيعاد إلى قصده الأصلي، بعد نزع ستره، لكن الإشكال أن التفسير ينبغي أن يُراعي حرمة النص. في لغة الشرح درجات في هتك ستر النص: الدرجة الأولى تشرح الاستعارة بأخرى وتبقى في حيز الستر الذي يرعى حرمة النص، وهذا ما نجده في قول الطبري: «هن سَكنٌ لكم وأنتم سكن لهم؛ وقال الربيع: هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهم». فحافظ المفسر على استعارة اللباس في اللحاف وأبدله بالسكن.
أما الدرجة الثانية فهي أن يُعرى اللفظ، وتستعمل له عبارات تنزع لحاف التستر وهو ما نجده في قول الطبري التالي: «وحاصله أن الرجل والمرأة كل منهما يخالط الآخر ويماسه ويضاجعه، فناسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان، لئلا يشق ذلك عليهم، ويحرجوا». لقد سمح الشرح بوظيفته الإبانية للمفسر بأن يتحدث بألفاظ عارية يمكن أن تكون ثقيلة في مقام مقدس، لقد أزيحت الحجب التي صنعتها الاستعارة في النص المقدس. ليست كل استعارة من هذا النوع يمكن أن تلطف، بل أمكن للنص القرآني أن يفعل ذلك في سياق معلوم، ويمكن في سياق نص آخر كالشعري ألا نجد هذا الستر يقول الشاعر:
إذَا مَا الضجِيعُ ثَنى جِيدهَا تداعتْ فكانَتْ عَليْهِ لِبَاسَا
فاللباس ههنا لا يخفي، بل يفضح ولكل لباس في علاقته بالجسد دورٌ ككل لباس يشف عن جسده أو يخفيه.

أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية