ولد الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس عام 1909 وتوفي عام 1990 وكان ناشطا سياسيا يساريا وعضوا في حركة المقاومة اليونانية خلال الحرب العالمية الثانية. ولد في عائلة من ملاك الأراضي في مدينة صغيره تدعى مونيمفاسيا تقع في إحدى جزر اليونان التي على الجانب الشرقي من شبه جزيرة بيلوبونيز. يمثل ريتسوس في خارطة الشعر الإنساني والذاكرة الأدبية العالمية حضورا لا يقلّ عن حضور ت. س. إليوت وسان جون بيرس وبابلو نيرودا ولوركا وناظم حكمت بالإضافة إلى محمود درويش، فجميع هؤلاء الشعراء يصرخون بصمت على تنوع طبيعة الصرخة الشعرية تجاه الهاوية التي ينزلق إليها العالم في إطار الحيف والظلم اللذين يتشكل العالم وحركته في إطارهما، بالإضافة إلى الصمت تجاه غياب العدل.
ولكن الشعراء السابقين لا ينضوون في خط فني واحد، فإذا كان حكمت ولوركا يشكلان خطا فنيا يغلب عليه علو وارتباط الصرخة بالآني والمعيش، وإن كان إليوت وبيرس يشكلان خطا قوامه الفن في صرخته الأقرب إلى الصمت، فإن ريتسوس من خلال إبداعه يجمع هذين التوجهين، فصرخته الفنية مرتبطة بالآني والمعيش، ولكنه يجعلها بطريقته الفنية مشدودة للجوهري والأبدي.
فأهمية شعره تتأسس في كونها تشيّد ارتباطا خاصا بالتاريخ، لأن شعره لانفتاحه على التأمل الممتد الذي لا يرتبط بحدود الزمان والمكان منفتح على الجوهري والأبدي والممتد. ففي نصوصه يلتحم الخاص بالعام والفلسفي المشحون بسؤال الوجود بالعابر واللحظي في وحدة عجيبة ليشكل لنا في النهاية نصا شعريا يحدد موقعه من خلال التعاظم على الحياتي البسيط.
المتأمل لشعره يدرك أنه ليس زمنيا عابرا أو لحظيا، ولكنه شعر الارتباط بما هو إنساني عميق، من خلال الانفلات من المرجعي أو المباشر الحياتي فتتحول النصوص إلى حالة فنية صالحة لكل زمان ومكان، لأنها مهمومة بمفاهيم تجريدية ومكونات صلبة مشدودة للخير والعدل والسلام. يقول ريتسوس في معرض حديثه عن الفارق بينه وبين قسطنطين كفافي في حواره مع خالد النجار»إشكاليتي لم تكن أبدا فردية، ولكن عالمية، وبطبيعة الحال اجتماعية، لأني أعتقد أن الشعر الحقيقي يقع في مكان تقاطع الذاتي مع الموضوعي. ليس هذا فحسب فالشعر معاناة أبدية مع الكلمة».
ففي مجال الشعرية العربية بعد وجود أكثر من ترجمة لنصوص ريتسوس الشعرية، أصبح من اللازم أن نعيد النظر في حجم أثر تلك الشعرية في الشعر العربي بداية من جيل الرواد إلى آخر أجيال شعراء قصيدة النثر، من صلاح عبدالصبور وحجازي مرورا بسعدي يوسف وعباس بيضون وأمجد ناصر وختاما بشعراء قصيدة النثر في الألفية الثالثة.
من أهم مرتكزات ريتسوس الشعرية في مقاربته للعالم كونه لا ينحو منحى تهويميا من خلال حضور فاعلية الأنا، ولكنه يدخل مباشرة إلى هذا العالم لمقاربته من خلال طرح الأسئلة الوجودية والفلسفية الكبرى. ففي معظم نصوصه هناك ترشيد وترشيح لصوت الذات لتقلّ حدة المباشرة من خلال الاتكاء على ضمير الغياب ضميرا ساردا، ذلك الضمير الذي يوهم بالحيادية في الرصد الموضوعي للواقع، ولكن هذا التغييب المشدود لموضوعية الرصد مشدود في الوقت ذاته للأنا، أو للمشترك الإدراكي الإنساني العام، فينفتح نصه على أسئلة وجودية تحيط بنا على الدوام.
فالحياة في منطق نصوص ريتسوس الشعرية ليست صراعا مع شخصيات قد تكون بعيدة في سلوكها عن المثال، وإنما هي صراع مع جزء من طبيعتها الهشة الناقصة التي تعد قانونا للوجود. فالحياة في مجمل النصوص موزعة بين أمل يرتبط بالانتظار وانكسار صامت يدرك هذه الطبيعة الناقصة. ففي قصيدة «ندم» تتجلى ملامح المحدودية والنقصان من خلال اليد أو القبضة التي تمسك – أو تحاول الإمساك – بكل الأشياء، البساتين والكروم، وقبعات القش. فالحياة في منطق النصوص الشعرية معاناة للوصول إلى لا شيء، ونظرة مستديمة لا تخلو من بقايا عبثية، لتشكل في النهاية المعرفة أو وهم الوصول إلى المعرفة، على نحو ما يمكن أن نرى في قصيدة «صعود» حيث تصبح الحياة سلسلة ممتدة للإحساس بالوصول أو وهم الوصول إلى شيء يمكن الارتكان إليه.
إن مقاربة العالم وجزئياته من خلال هذا الرصد الموضوعي لجزئيات الواقع ليست مقاربة كاشفة عن رؤية جزئية أو فردية، فهو في نصوصه الشعرية لكي يشكل أنماطه ونماذجه لا يركز على النمط أو النموذج بعد تقديم أو عرض الكون العام، ولكنه يركز على الكون العام من البداية حتى يشع النمط أو النموذج ويتجلى من خلاله. ومن ثم فهو لا يبدأ من الجزء للوصول إلى الكل، وإنما يبدأ من الكل حتى يبدأ الجزء في الظهور واللمعان من خلال تساوقه العميق مع الكل.
وهذه المقاربة أدت إلى سمات فارقة في نصوصه الشعرية، فاليومي أو البسيط ليس يوميا في جوهره العميق، ولا يمثل الغاية من خلال هذا الانحناء والتوجه الإبداعي شبه الثابت، ولكنه أداة لما هو أبعد، وما هو أعمق أو عصي على الإدراك، وهذا يخرجه من الإطار الذاتي، ذلك الإطار الذاتي الذي ظل إطارا وتوجها عاما- كما يقول رفعت سلام – لشعرائنا العرب من كتّاب قصيدة النثر.
وفي ظل وجود شعرية تتسم بهذه السمات سيبدو التأويل مغامرة غير مأمونة الجوانب، خاصة في ظل تجربة شعرية يتداخل في حوافها العام والخاص والعادي والبسيط بالفلسفي الوجودي العميق، فالحجر بوصفه رمزا سيتحول في بعض نصوصه إلى حالة ثورة ضد الظلم وغياب العدالة، وفي نصوص أخرى سيبدو للقارئ رمزا للانغلاق والصلابة ليصبح صورة لفهم منطو على نفسه لديه يقين بقيمة ما لديه دون عرضه أو امتحانه من خلال المباين أو المغاير الذي يكشف علله ومكوناته التي تحتاج إلى إعادة تأهيل وتشكيل وفق توجه منفتح على الآخر.
ويشير هذا التوجه إلى قدرة ريتسوس في استيلاد منحى جديد في التعامل مع الألفاظ، ففي إبداعه الشعري هناك محاولة جادة لمسح المسّ السابق من الشعراء السابقين وأثره في دلالة الكلمة، مما يشي بمحاولة التفريغ وإعادة شحنها دلاليا من جديد. يكشف عن ذلك محاولته الدائمة في التخلص من السنن المخصصة من السابقين لاستخدام الكلمة، من ذلك إصراره على تنكير عناوين قصائده، وهذا معناه محاولة انعتاق من السابق، وأن على المتلقي أن يجهز نفسه لمعنى جديد للكلمة يحفره من خلال نصه الشعري، ومن خلال تفكيك الارتباط بين الكلمة ودلالتها المعهودة السابقة، ليؤسس بدلا من ذلك ترابطا جديدا له مشروعية، أو ينطلق من التجلي القديم، ويجعله نواة دلالية لتنمو وتزدهر في عروق يمهد لها من خلال نصه الشعري.
ومن سماته الفنية الفاعلة التي تشكل مرتكزا إبداعيا له قدرته على صناعة ضفيرة تجمع بين السياسي والفني، بين المتلاشي والدائم، ففي نص شهير من نصوصه «أبيتافيوس» الذي يقول فيه: «كنت أستمد الشباب من شبابك/ وكنت لا أزال أضحك بداخلي/ فلم تخفني الشيخوخة/ وكنت أتجاهل الموت»، لم يشدّه السياسي المباشر إلى الصراخ، وإنما في كل حالاته وتجلياته هناك عذابات الروح التي تشد النص إلى الإنساني، وإلى الأسئلة الوجودية، والدلالات الغامضة. فالضحك الداخلي ليس إلا حياة هانئة دون أسئلة مرتبطة بالقادم، لأن وجود الابن – لو استمر على قيد الحياة – يكفل امتدادا، وهذا يؤدي إلى تجاهل الموت، وتحويله إلى حدث صغير. ففي النص السابق تتجلى هذه السمة فمقتل الابن الذي تتحرك القصيدة في إطاره لم يشد القصيدة للمباشرة أو السطحية أو العويل، فمقتل الابن هو لحظة صمت ليس للفرد، وإنما للوجود، يتبعها انكفاء طويل، قبل أن تدب الروح في الأطراف، وتنهض تدريجيا لبداية جديدة، فصوت الأم – الصوت السارد في النص الشعري – ليس ندبا للابن، وإنما يمثل ندبا وصراخا على حلم تبدّى طويلا ثم تبخر.
إن السمة السابقة التي تشير إلى دمج الفني بالسياسي والآني والعابر تكشف بشكل واضح عن أن الفن – الفن الحقيقي – به دائما جزئيات تستعصي على الفهم، لأن بها ارتباطات باللامتناهي في ارتفاعه وامتناعه عن الحصر والإمساك بحدوده الدينامية وتفلته من لحظة إلى أخرى، ومن مجال إلى مجال. أهم سمة من سمات ريتسوس تتمثل في اهتمامه البالغ بالتفاصيل، والجزئيات البسيطة التي تبدو في الظاهر منسية ليعيد صياغتها جماليا بما يكشف عن شاعرية متخفية لا تظهر من خلال النظرة الأولى المتعجلة.
ولكن السمة الأهم في شعر ريتسوس التي تأتي وكأنها السمة الأكثر يروزا في قدرتها على تحريك وتشكيل السمات الأخرى السابقة وصناعة مدارها الحيوي الفاعل هي سمة الانطلاق في الكتابة الشعرية من جرح النقصان أو الصمت المقهور تجاه العالم. فالحياة – في منطق الكثير من قصائد ريتسوس- جرح منفتح لا يندمل بالمواجهة أو الانتظار. ففي قصيدة «الحياة جرح في العدم» يشعر المتلقي أن هذه القصيدة تشكل المرتكز الأساسي الذي تتحرك حوله شعرية ريتسوس، فالنقصان أو العدمي أو اللحظي قانون الوجود وقانون الحياة، فالإنسان يواجه كونا أكبر منه، وأعلى من إدراكه الهش المقهور.
وتصبح- في ظل ذلك- مواجهة الحقيقة في إطار السؤال الوجودي مواجهة لها مشروعيتها بوصفها الإطار الكاشف عن الكيفية التي يواجه بها الفنان العالم بنظرة مقاربة كونية لها سمة التعالي والشمول، راصدا التناقضات والتشوهات والنقصان المرتبط والمشدود لطبيعة الحياة. الفنان يقارب الكون ويراقبه، وكأنه جزء منه ومنفصل عنه في آن. ففي قصيدة «رسّام تجريدي» التي يقول فيها: «رسّام تجريدي/ رسم ذات أصيل قطارا/ هربت العربة الأخيرة من الورقة/ وعادت إلى المخزن من تلقاء ذاتها/ في هذه العربة بالذات كان يجلس الرسّام»، تتجلى الأزمة الوجودية لنزوع الشاعر في محاولة الوصول إلى الجوهر البسيط للحياة، ونزع أرديتها التي تجعل جوهرها بعيد المنال، لتجعل الباحث عن الحقيقة واقفا عند حدود معينة مسجونة ومقهورة مسبقا بالتقييد الجاهز والمحدّد.
يمكن تلمس هذا المنحى في مواجهة الوجود أو جرح الوجود المنفتح في قصائد عديدة لريتسوس، على نحو ما يمكن أن نرى في قصيدة «بناؤون»، أو في قصيدة «أعجوبة»، حيث يتجلى الإصرار على اجتراح السؤال الوجودي ومقاربة الحياة بشكل مختلف، فالقصيدة تكشف عن الوجود الجزئي الناقص للإنسان داخل هذا العالم الكبير، ويأتي فعل البناء، وكأنه وسيلة لمقاومة التلاشي ومحاربة النقصان ومحاولة التعاظم للخروج من إطار اللحظي والعابر للوصول للجوهري والأبدي.