وسط تحركات للمرتزقة وميليشيات حفتر هل تتجه ليبيا نحو عسكرة جديدة؟

نسرين سليمان
حجم الخط
0

طرابلس-»القدس العربي»: منذ أن بدأ حفتر مخططه في مختلف نواحي البلاد شرقا وغربا وجنوبا، لم تختف مظاهر التسليح والعسكرة في الدولة الليبية من مرتزقة أجانب من جنسيات متعددة وصولا لأسلحة من مختلف البلدان، وانتهاء بتدخل سافر في شؤون الدولة، ما يمثل انتهاكا صريحا وواضحا للسيادة .
ورغم تدخل القوى الدولية الفاعلة لحل الأزمة الليبية من مجلس الأمن حتى بعثة الأمم المتحدة، وحكومات دول عديدة، ظلت قضية التحشيد وتجنيد المرتزقة مركونة، لا يتناولها المعنيون إلا ببيانات فضفاضة ومطالبات لم تتعد الأحرف والحبر، ولقاءات وتأكيدات بلا أفعال تذكر، حتى باتت استفادة أطراف بعينها من استمرار الوضع العسكري في ليبيا على ما هو عليه واضحا وضوح الشمس .
ولكن ومنذ التوصل إلى وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، والذي أعطى مهلة 90 يوما لرحيل المرتزقة، استأنفت مجموعات منها، مثل فاغنر الروسية، تأمين مواقعها بحفر عدد من الخنادق في سرت والجفرة، ولم تكتف بذلك حيث أكدت غرفة عمليات بركان الغضب أن هؤلاء المرتزقة يحفرون لمد خط أنابيب لنقل النفط من الجنوب إلى الشمال، ثم شحنه بحرا .
التقديرات الأولية رأت أن 3000 مرتزق كانوا يقاتلون مع حفتر على الأراضي الليبية، إلا أن العدد قد تضاعف ووصل حتى 20 ألفا استنادا إلى مجموعة من التقارير الأممية المتعلقة بالشأن الليبي، وجاء هذا التضاعف عقب توقيع اتفاق إطلاق النار ما يؤكد رغبة حفتر الشديدة والواضحة في التمسك بوجودهم كما يتمسك بالحل العسكري .

مرتزقة فاغنر ونفوذ روسيا

لم تتوقف قوات مرتزقة شركة «فاغنر» الروسية، التي يُقدَّر قوامها بـ2000 فرد، عن الانتشار والعمل في شرق ليبيا ووسطها وجنوبها، تدعمها آليات مقاتلة أرسلتها روسيا.
الظاهر للعيان والواضح أن موسكو لا تملك رغبة في سحب قواتها من الأراضي الليبية رغبة في الاحتفاظ بميزان القوى، ولمصالح اقتصادية متمثلة في النفط الذي منحها حفتر منه الكثير بطريقة غير مشروعة .
فقبل أسبوع فقط قال الناطق باسم غرفة عمليات سرت والجفرة العميد الهادي دراه في تصريح لـ»القدس العربي» إن طائرة شحن عسكرية من نوع يوشن الروسية، هبطت في مطار القرضابية بمدينة سرت بعد إخلاء المطار من المدنيين بشكل فوري.
واستنكر دراه في تصريحه عدم تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار الموقع، رغم جهود اللجنة العسكرية التي أكدت مرارا سعيها لمراقبة تنفيذه ومناقشة إخراج المرتزقة الأجانب.
وفي 26 نيسان/ابريل أعلنت عملية بركان الغضب، رصد تحرك لآليات مسلحة تابعة لميليشيات حفتر مدعومة بمرتزقة روس وهم في طريقهم شرقاً إلى الشويرف، مضيفة بأن الرتل المسلح قوامه 62 آلية مسلحة وثلاث شاحنات محملات بالذخيرة ومنظومتي نظام دفاع جوي متنقل «بانتسير إس ون» الصاروخية المدفعية المضادة على متن هيكل شاحنة ألمانية الصنع.
وقبل هذه الحادثة بيوم واحد أعلنت غرفة عمليات بركان الغضب رصد تحرك لآليات مسلحة تابعة لميليشيات حفتر مدعومة بمرتزقة روس في محيط الجفرة في تعارض ونقض لاتفاق 5+5 لوقف إطلاق النار الموقع في جنيف نهاية تشرين الأول/اكتوبر الماضي.
ولم تتوقف الغرفة عن نشر صور لتحركات مرتزقة فاغنر في مدينتي سرت والجفرة وحتى في الجنوب الليبي. ففي العاشر من نيسان/ابريل الماضي رصد هبوط طائرة شحن يوشن العسكرية في مدينة تمنهنت، رصد قبلها بساعات تحرك لطيران حربي روسي .
وخلال الأسبوع الأول من نيسان/ابريل كشفت صحيفة «دايلي تلغراف» أن روسيا زودت مرتزقة فاغنر في ليبيا بطائرات ودبابات، بحسب صور جديدة التقطتها الأقمار الاصطناعية.
وأظهرت الصور الفضائية التي نزعت عنها السرية والتقطتها الأقمار الإصطناعية الأمريكية، أن نظام الصواريخ الدفاعية «أس إي-22» وطائرات الشحن «أي إل- 76» العسكرية والدبابات المضادة للألغام تعمل داخل ليبيا.
وكان رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة قال قبل أسبوع في أبرز كلمة له منذ توليه السلطة «لم نستطع دخول سرت التي هي أرض ليبية بسبب المرتزقة الأجانب» في إشارة لمرتزقة فاغنر «وقد طلب منا زيارة المدينة برا لكننا رفضنا ذلك وسيادة ليبيا فوق الجميع».

المرتزقة السوريون

المرصد السوري لحقوق الإنسان قال في بيان له قبل قرابة الشهر، إن نحو 2000 مقاتل سوري ممن جندتهم شركة فاغنر وأرسلتهم لخدمة المصالح الروسية على الأراضي الليبية مقابل أموال، ما يزالون في ليبيا حتى الآن.
وأكد المرصد في بيانه أن روسيا تستغل الظروف المعيشية الكارثية في سوريا، وحاجة الشباب للعمل، وتقوم بتجنيدهم للقتال في ليبيا عبر شركة فاغنر، وأن عودة هؤلاء المرتزقة إلى بلادهم متوقفة.
وبلغ مجموع الرحلات التي وصلت إلى ليبيا في الفترة منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/اكتوبر الماضي حتى الآن67 رحلة لطيران أجنحة الشام السورية التي تنقل المرتزقة من سوريا إلى حفتر. وقلع طائرات طيران الشام من مطاري دمشق وقاعدة حميميم الروسية في اللاذقية، وتهبط في مطار بنينا في بنغازي أو قاعدة الخادم الإماراتية جنوب المرج، وغالبا ما يتم إخفاء مسار الطائرة من الرادار بمجرد دخولها لأجواء ليبيا.
وسبق ان رُصد عبر برنامج تتبع رحلات الطيران رحلات مماثلة رغم ما يحوم حول الشركة من شبهات، وتخضع شركة أجنحة الشام التي يملكها صهر الأسد لعقوبات أمريكية لنقلها مقاتلين وأسلحة ومعدات بين روسيا وسوريا.
وقال موقع «أفريكا ريبورت» إن حفتر يواصل جلب المرتزقة السوريين بالتنسيق مع نظام الأسد في سوريا، مشيرا إلى أن شركة أجنحة الشام السورية قامت بما لا يقل عن تسع رحلات بين دمشق وبنغازي في نيسان/أبريل الماضي وحده.
ولفت الموقع الفرنسي إلى أن تجنيد هؤلاء المرتزقة تقوده روسيا ويتم تمويله جزئيا بأموال تدفعها الإمارات العربية المتحدة بهدف مساعدة حفتر.

دعم المعارضة التشادية

تقارير محلية ودولية، باتت كثرتها تغني عن ذكرها، أفادت أن ليبيا هي محطة التزود للمعارضة التشادية التي بقيت متواجدة في الجنوب الليبي لسنوات، وقامت خلال هذه الفترة بالقتال مع أطراف النزاع الليبي والتي بدورها منحت المعارضة السلاح والعتاد والمركبات المتطورة، وهو ما ساعدها على تدشين هجومها الذي كانت أول ضرباته مقتل الرئيس التشادي.
سفير الولايات المتحدة لدى ليبيا ريتشارد نورلاند قال في وقت سابق أن الوضع الذي تعيشه ليبيا يخلّف مفاجآت غير محسوبة على الطريق، وأن ما حصل مؤخرا في تشاد مثال على ذلك، فالعناصر التي كانت تعمل من داخل الأراضي الليبية بعضهم تلقى تدريباً من مجموعة فاغنر ومن حفتر.
وأضاف نورلاند أن المطلوب من الحكومة أن تخلق هيكلية عسكرية موحدة يمكنها أن تمسك بحدود البلاد ولا تسمح بحصول مثل هذه الأمور (أي هجوم جماعة مسلحة على تشاد من الأراضي الليبية).
كما سبق أن نشرت صحيفة «تايمز» البريطانية تقريرا في 24 من نيسان/ابريل أكدت من خلاله أن مرتزقة الجبهة من أجل التناوب والوفاق التشادية تلقوا تدريبات في ليبيا من قبل شركة فاغنر الروسية المرتبطة بالكرملين. وأن فاغنر التي عززت وجودها في الجنوب الليبي وظفت هؤلاء المرتزقة للقتال معها في الحرب التي شنها خليفة حفتر على طرابلس في 2019 وحصلوا بالمقابل على المال والمعدات العسكرية والخبرة التي وفرها الروس.
وتابعت أن حفتر زود المرتزقة التشاديين بالمركبات التي قدمتها له الإمارات، بينما قامت شركة فاغنر بتدريبهم في قاعدتين في جنوب ووسط ليبيا ومكنتهم من بعض معداتها الخاصة.

جهود دولية ومناوشات

محللون رأوا أن وجود روسيا في ليبيا أصبح يمثل مصدر ازعاج لكافة القوى الإقليمية الأخرى، وخاصة في ما يتعلق بالدول الراغبة في الانخراط في ملف إعادة الإعمار في ليبيا.
فقرار مجلس الأمن الذي صدر من ثلاثة أسابيع أثبت صحة هذه المعادلة حيث تبنى المجلس لقرار من 22 فقرة حول ليبيا، ينص على إرسال مراقبين دوليين لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، داعيا الحكومة للمباشرة في التجهيز للانتخابات المقبلة. المجلس وفي نقطة أهم طالب بالإخراج الفوري للمرتزقة الموجودة في ليبيا في غضون ثلاثة أشهر من تاريخ القرار، داعيا كل الدول إلى التوقف عن التدخل في النزاع الليبي .
وقبل أسبوع عقد مجلس الأمن اجتماعا مغلقا لمناقشة ملف المرتزقة الشائك إلا أن صداما ومناوشات بين أمريكا وروسيا طغت على الاجتماع .
مطالبات مجلس الأمن هذه وعلى ما يبدو قوبلت بانزعاج من الدول التي ساهمت في إدخال المرتزقة إلى ليبيا، وعلى رأسها روسيا حيث لم تمض ساعات من الاجتماع حتى خرجت تصريحات من مصادر على وكالة «فرانس برس» أكدت أن مناوشات اندلعت بين روسيا وأمريكا خلال الاجتماع .
وفي تقرير نشرته الوكالة، أكدت أن الاجتماع الذي عقده مجلس الأمن الدولي شهد نقاشات حادة بين الولايات المتحدة وروسيا وذلك عقب الإشارة إلى مجموعة فاغنر المعروفة وتأكيد الحاضرين بأنها من موسكو حيث أكد مصدر أمريكي تورطها في الهجوم الأخير للمتمردين التشاديين.
اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة

ورغم قيام لجنة 5+5 بعقد الجولة التاسعة من اجتماعاتها في سرت قبل يومين إلا أنها لم تتطرق لملف إخراج المرتزقة بالشكل المناسب، وفي حديث لـ»القدس العربي» مع أحد أعضاء اللجنة قال إن اخراجهم أمر أكبر من قدرة اللجنة وامكانياتها مشيرا إلى أنه يحتاج لاتفاقيات تبرمها الحكومة مع الدول ذات العلاقة، وقرارات على المستوى التشريعي .
وأضاف عضو اللجنة الذي رفض ذكر اسمه، أن المرتزقة ما زالوا يتمركزون في مواقعهم بسرت والجفرة ما كان عائقا أمام فتح الطريق الساحلي وتوحيد الأراضي الليبية بشكل واقعي، فعلى صعيد الأرض ليبيا ما زالت منقسمة بين شرق وغرب، مضيفا أن أطرافا معينة في إشارة لحفتر ترفض البت في هذه القضية .
كما أن حكومة الوحدة الوطنية بدأت تطالب وبشكل واضح الدول بسحب المرتزقة، حيث أعلنت عن استئناف المفاوضات بينها وبين الدول ذات العلاقة لسحب المرتزقة من الأراضي الليبية على اختلاف جنسياتها، مشددين أن سيادة ليبيا قضية لا تقبل النقاش .
وبين تحشيدات وحفر للخنادق واستجلاب للمرتزقة الروس والسوريين، يظل حفتر متمسكا بالحل العسكري كبديل واضح للديمقراطية، وضمن مساعيه للحفاظ على وجوده، فمعظم المحللين والمتتبعين للمشهد يؤكدون أن حفتر لن يتراجع عن العسكرة، خاصة مع وجود الدعم الروسي والإماراتي، حيث يظل ورقة رابحة للدول المستفيدة تحركها عندما تشعر أن مصالحها لن تنال بالديمقراطية .
كل هذه المعطيات والمؤشرات تجدد المطالبات لحكومة الوحدة الوطنية بوضع حد سريع للانقسام في المؤسسة العسكرية، وبسط سيطرتها على كافة ربوع البلاد، وإلغاء منصب القائد العام المستحدث والاكتفاء برئيس الأركان حسب نص القانون.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية