لا حل في ليبيا إلا برحيل المرتزقة من كل الجهات
نيويورك-»القدس العربي»: قبل أن ندخل في موضوع المرتزقة في ليبيا أود أن أذكر القراء الكرام بأن هناك اتفاقية دولية حول موضوع المرتزقة. ووجود اتفاقية دولية يسهل علينا الاحتكام إلى بنودها كي لا يظن أحد أن هناك مرتزقة صالحين وآخرين طالحين. وبعد استعراض الاتفاقية نمر على مسألة المرتزقة في ليبيا الذين يهددون أمن واستقرار البلاد ويعطلون إمكانية وصولها إلى شاطئ الأمان والاستقرار.
الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة
اعتمدت الجمعية العامة بتاريخ 4 كانون الأول /ديسمبر 1989 القرار 34/44 والذي يتضمن اتفاقية دولية لمناهضة تجنيد واستخدام وتدريب المرتزقة. وقد دخلت الاتفاقية حيز النفاذ بتاريخ 2 تشرين الأول/أكتوبر 2001 بعد أن وصل عدد تصديقات الدول المنضمة للاتفاقية إلى 23 تصديقا. ولغاية الآن لم يصل عدد الدول المصدقة على الاتفاقية إلا إلى 35 دولة وهو رقم ضئيل يشير إلى أن العديد من الدول لا تريد أن تلزم نفسها بأحكام الاتفاقية الدقيقة. وللعلم فكل الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ليست أعضاء في الاتفاقية ولا تركيا ولا الإمارات بينما السعودية وقطر وسوريا وليبيا أعضاء في الاتفاقية. فهناك دول تكسب الملايين من وراء تجنيد وتدريب المرتزقة وتلبية طلبات الزبائن العديدين، وليبيا واليمن من أنصع الأمثلة التي يعمل فيها المرتزقة لصالح الأطراف المتحاربة وتقوم دول بعينها بتجنيد هؤلاء للقيام بمهمات قذرة مقابل تعويضات مالية وحوافز أخرى كالعمل والإقامة والجنسية.
وتعرّف الاتفاقية المذكورة المرتزق بأنه الشخص الذي جند خصيصاً، من داخل البلاد أو من خارجها، للقتال في نزاع مسلح، يكون دافعه الأساسي هو المغنم الشخصي يقدم له من أحد أطراف النزاع، أو يكون قد تسلم وعدا بمكافأة مادية أكبر بكثير من مكافأة الجندي العادي أو الضابط في رتبة مماثلة. هذا المرتزق يكون من رعايا دولة ثالثة ليست طرفا في النزاع ولا من المقيمين في إقليم النزاع أو خاضع لسيطرة أحد أطراف النزاع، ولا هو فرد من أفراد القوات المسلحة لطرفي النزاع ولم «توفده دولة ليست طرفا في النزاع في مهمة رسمية بصفته من أفراد قواتها المسلحة».
هذا التعريف قد يسهل علينا التمييز بين المرتزق وبين الخبراء العسكريين والمدربين الذين يدخلون إلى منطقة النزاع بناء على اتفاقية رسمية بين بلد النزاع وحلفائها في الخارج.
ومن هنا نقول إن القوات والخبراء الأتراك الذين دخلوا ليبيا بناء على اتفاق مسبق بين دولتين معترف بهما رسميا وأودعت وثائق الاتفاقية لدى الأمم المتحدة لا ينطبق عليها مصطلح المرتزقة. لكن التعريف قد ينطبق على عناصر سورية قيل إن تركيا أحضرتها للمشاركة في القتال تحت غطاء مساندة حكومة الوفاق الشرعية. وما عدا ذلك فكل عنصر أجنبي دخل ليبيا دون إذن الدولة وانضم إلى أحد الأطراف المتنازعة أو أقام لنفسه حيزا لجني الثمار بعيدا عن كل الأطراف فهؤلاء لا شك مرتزقة يجب أن تتم معاقبتهم حسب بنود الاتفاقية إما في مكان ارتكابهم الجريمة أو في بلدانهم التي جاؤوا منها بعلم الحكومة أو بدون علمها.
المرتزقة في ليبيا وخلافات أعضاء مجلس الأمن
اعتمد مجلس الأمن يوم 16 نيسان/أبريل الماضي القرار 2570 حول الأوضاع في ليبيا، حظي بإجماع جميع الدول الأعضاء. ويأتي هذا القرار على خلفية التقدم المحرز على الأرض سواء ما يتعلق باحترام وقف إطلاق النار الشامل منذ 23 تشرين الأول /أكتوبر الماضي، أو من حيث تشكيل حكومة وحدة وطنية مؤقتة تعمل على توحيد المؤسسات وتعزيز سيادة ليبيا على كل الأرض الليبية ثم إيصال البلاد إلى الانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية يوم 24 كانون الأول/ديسمبر 2021.
القرار 2570 مكون من 22 فقرة عاملة من بينها فقرتان مهمتان (13 و 14) تتعلقان بضروروة مراعاة حظر توريد الأسلحة إلى ليبيا وإخراج المرتزقة المسلحين ومطالبة جميع الدول بعدم اتخاذ أي إجراءات من شأنها مفاقمة النزاع الداخلي. أما الفقرة الرابعة عشرة فقد تضمنت تهديدا بوضع أسماء المعرقلين للعملية وتنص الفقرة «يجوز للجنة المنشأة عملاً بالفقرة 24 من القرار 1970 (2011) تحديد الأفراد أو الكيانات المنخرطة في الأعمال التي تهدد السلام أو الاستقرار أو الأمن في ليبيا أو التي تقدم الدعم لأعمالها أو التي تعرقل أو تقوض استكمال عملية الانتقال السياسي بنجاح حظر السفر وتجميد الأصول».
هذه ليست المرة الأولى التي يحذر مجلس الأمن من خطر المرتزقة وخطر معطلي عملية الاستقرار. والإشارة في هاتين الفقرتين تكاد تكون واضحة وموجهة نحو مرتزقة فاغنر المدعومين من روسيا وقوات اللواء خليفة حفتر الرافض للترتيبات الأخيرة التي توافق عليها الليبيون. هاتان الجهتان تشكلان الخطر الأكبر على عملية التحول نحو الاستقرار وصولا إلى الانتخابات. فمرتزقة فاغنر وقوات خليفة حفتر وجهان لعملة واحدة تقوم دولة الإمارات بتمويل الطرفين ومدهما بالسلاح والذخائر والأموال بدعم روسي واضح.
وقد ذكر تقرير لخبراء الأمم المتحدة أن مئات من المرتزقة التابعين لمجموعة «فاغنر» العسكرية السرية الروسية يعملون في ليبيا. وحسب التقرير المسرب، فإن هؤلاء المرتزقة يدعمون القوات الموالية للقائد العسكري خليفة حفتر في معاركها ضد الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقرا لها. وأما قيادة القوات الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» فقد نشرت صورا ومعلومات عن نقل ما لايقل عن 14 طائرة مقاتلة من طراز ميغ-29 وسو-24 جوا من روسيا إلى سوريا وأُعيد طلاؤها لتغطية العلامات الروسية، قبل أن تنقل إلى ليبيا، منتهكة بذلك حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة.
وقد عقد مجلس الأمن الدولي جلسة مغلقة يوم 29 نيسان/أبريل لمناقشة موضوع المرتزقة تحدث فيه المبعوث الخاص للأمين العام يان كوبيتش. ومن المعلومات التي رشحت عن الاجتماع كان هناك حدة في النقاش بين المندوب الروسي، فيسالي نبنزيا، والمندوبة الأمريكية ليندا غرينفيلد وعدد آخر من الدول الأعضاء.
لقد ظل الموقف الروسي على ثباته بأن لا علاقة للدولة الروسية بمرتزقة فاغنر ولم تقم الدولة بإرسالهم ولم تسلحهم ولم تنقلهم جوا إلى ليبيا. بينما لا يتفق مع هذا الطرح معظم أعضاء المجلس الذين يرون أن شركة فاغنر الخاصة (على طريقة شركة بلاكووتر الأمريكية) والمختصة في شؤون الأمن والعمليات العسكرية لا يمكن أن تعمل خارج إطار الدولة الروسية وأجهزتها الأمنية المتعددة. بل وذهب أحد المشاركين باتهام مرتزقة فاغنر بأنهم متورطون في عمليات المتمردين التشاديين ومنتشرون في دول الساحل الأفريقي.
لقد شدد الأمين العام، أنطونيو غوتيريش في تقريره الأخير لمجلس الأمن بتاريخ 19 كانون الثاني/يناير 2021 على ضرورة مغادرة القوات الأجنبية والمرتزقة وضرورة تنفيذ قرارات حظر الأسلحة على ليبيا مؤكدا فيه على ضرورة مغادرة القوات الأجنبية والمرتزقة قبل التاريخ النهائي أي ثلاثة أشهر وقد جددت هذه المهلة أكثر من مرة. كما طالب الأمين العام مجلس الأمن بضرورة دعم إرسال مراقبين دوليين لمساعدة الحكومة الليبية في تثبيت ومراقبة وقف إطلاق النار، والتأكد من نزع سلاح الميليشيات والتحقق من خروج القوات الأجنبية والمرتزقة وهو ما تم إقراره في قرار مجلس الأمن الأخير.
إن تقارير الأمم المتحدة وفريق الخبراء ما زال يقدم معلومات حول وصول أسلحة ومرتزقة لمنطقتي سرت والجفرة، ومع أن هناك معلومات تؤكد انسحاب بعض المرتزقة إلا معظم القوات عادت إلى مواقعها السابقة.
الدوران التركي والروسي في ليبيا
لقد كشفت مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا بالإنابة، ستيفاني ويليامز، في كانون الأول/ديسمبر 2020 عن وجود 20 ألفا من «القوات الأجنبية والمرتزقة» في ليبيا، معتبرة ذلك انتهاكاً للسيادة الوطنية. كما أشارت إلى وجود قواعد عسكرية في ليبيا، تشغلها بشكل جزئي أو كلي قوات أجنبية ومرتزقة. كما حث المبعوث الأممي الخاص الجديد لليبيا، يان كوبيتش، القوات الأجنبية والمرتزقة يوم 12 آذار/مارس 2021 على مغادرة المرتزقة والقوات الأجنبية في ليبيا الدولة على النحو المطلوب في اتفاق وقف إطلاق النار العام الماضي. وقال المبعوث الأممي: «نحن مصممون على الوقوف إلى جانب حكومة الوحدة الوطنية».
المرتزقة وقوات حفتر وجهان لعملة واحدة وهما المسؤولان عن عملية التعثر الحالية في ليبيا. فقد أعلن عبد الحميد دبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية أنه لم يستطع زيارة مدينة سرت بسبب المرتزقة. كما أن وفدا من حكومة الوحدة لم يسمح له بزيارة بنغازي يوم 25 نيسان/أبريل وأعيد الوفد على نفس الطائرة التي كانت قد أقلته من طرابلس، وألغيت زيارة دبيبة للمدينة بسبب سيطرة قوات حفتر.
أعتقد أن المشكلة الأساسية ليست في تركيا التي قام وفد رفيع منها بزيارة طرابلس شمل وزيري الخارجية والدفاع إضافة إلى رئيس المخابرات، حيث يجري ترتيب العلاقة بين البلدين على ضوء الاتفاقيات الموقعة والتطورات على الأرض. فلا حل في ليبيا إلا برحيل المرتزقة من كل الجهات. أما الوجود العسكري الرسمي فيخضع لمفاوضات بين البلدين. ولا أظن أن تركيا التي بدأت تنفتح على مصر والسعودية ستكون حجر العثرة في استعادة ليبيا لسيادتها على أراضيها. الخوف كل الخوف من تلك الدول التي وجدت نفسها خارج الملعب وما زالت تصر على دور محوري في ترتيبات المنطقة معتقدة أن إدارة ترامب وكوشونير ما زالت في البيت الأبيض.