غضب بعد مقتل سودانيين خلال إحياء ذكرى «فض الاعتصام» واستقالات من مجلس الشركاء

عمار عوض
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: شيّع مئات السودانيين، أمس الأربعاء، أحد قتيلين سقطا في أحداث محيط القيادة العامة للجيش في الخرطوم، مساء الثلاثاء، خلال إفطار نظم إحياء لذكرى «فضّ الاعتصام» وفيما طالبت أحزاب في الائتلاف الحاكم بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، استقال أعضاء في مجلس شركاء الحكم احتجاجاً على ما حصل.
وتحرك موكب تشييع مدثر مختار (19عاما) من ضاحية اركويت شرقي الخرطوم، إلى مقابر الصحافة جنوبي العاصمة.
وردد المشيعون شعارات من قبيل و«ثوار ح نكمل المشوار» و«يا عسكر ما في حصانة».
وكانت وزارة الصحة السودانية أعلنت سقوط قتيلين وإصابة 37 آخرين، مساء الثلاثاء، في أحداث العنف التي وقعت في محيط القيادة العامة للجيش في الخرطوم. وحسب نقابة أطباء السودان الشرعية، فإن الشابين عثمان أحمد بدر الطالب في كلية الطب، ومدثر مختار «قتلا نتيجة للأسلوب القمعي والهمجي الذي تعاملت به السلطات الأمنية مع الثوار السلميين، الذين لبوا دعوة إفطار منظمة أسر شهداء ثورة ديسمبر في محيط القيادة العامة».
وعلى الرغم من إعلان قوات الجيش إغلاق الطرقات المؤدية لميدان القيادة العامة الجيش، بوضع الحواجز الإسمنتية، لكن الشباب الذين حضروا مع أسر ضحايا فض الاعتصام، استطاعوا الدخول لجزء من الميدان، الواقع قبالة مبنى الفرقة السابعة، عبر شارع الجامعة، وتجمعوا في المنطقة الواقعة بين مبنى التدريب المهني ونفق السكة حديد المؤدي لجسر الحديد المؤدي الرابط بين الخرطوم ومدينة بحري. وهناك تناولوا وجبة الإفطار بعد تراجع عناصر القوات النظامية التي ابتعدت وأحاطت بالذين دخلوا وهم يجهشون بالبكاء لتذكر من فقدوهم أثناء فض الاعتصام الدامي العام قبل الماضي.
وكان «حراك 29 رمضان» وهو يضم منظمات «أسر شهداء الثورة السودانية» دعا إلى إفطار جماعي أمام مقر قيادة الجيش مساء الثلاثاء، بمناسبة الذكرى الثانية لفض الاعتصام.
في يونيو/ حزيران 2019 حيث فض مسلحون يرتدون زيا عسكريا اعتصاما طالب المجلس العسكري (الحاكم آنذاك) بتسليم السلطة إلى المدنيين. وأسفرت عملية الفض عن مقتل 66 شخصا، حسب وزارة الصحة، فيما قدرت «قوى إعلان الحرية والتغيير» (قائدة الحراك الشعبي آنذاك) العدد بـ 128. وحينها، حَمَّلَت قوى التغيير المجلس العسكري مسؤولية عملية الفض، فيما قال المجلس إنه لم يصدر أمرا بذلك.
وبعد الإفطار بنحو ساعة تجمع الشباب الثائر حول والدة الضحية مطر السيد، أميرة، والتي بدأت في تلاوة بيان من هاتفها المحمول، والذي وجهت فيه الاتهام بشكل مباشر لقائد قوات الدعم السريع ونائب رئيس مجلس السيادة، الفريق محمد حمدان دقلو «حميدتي» وشقيقه عبد الرحيم دقلو، عضو مجلس شركاء الفترة الانتقالية، معلنة، عن تصعيد ثوري.
وقالت «منظمة أسر شهداء ثورة ديسمبر»: «في هذا المنعطف التاريخي نشير بأصابع اتهامنا اليوم أمامكم والعالم أجمع، بشكل واضح دون مواربة وبناء على الشواهد والمشاهد والأدلة التي ظهرت قبل وأثناء وبعد فض الاعتصام إلى محمد حمدان دقلو (حميدتي) وشقيقه عبد الرحيم دقلو».

«عزيمة لا تلين»

وتابعت في بيانها: «علينا أن نعي مسؤوليتنا، وأن نفعل ونبذل كل ما نملكه من طاقة، لنضع نهاية للعصور المظلمة، حتى يشرق فجر الخلاص الذي تاه في ليل الظلام الطويل، وندعو من هذه اللحظة وحتى الثالث من يونيو، جميع الشرفاء من بنات وأبناء شعبنا والكيانات والأجسام الثورية والأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني والمبادرات والنقابات وكافة الأجسام الأخرى، للتوقيع على هذا البيان والموافقة عليه لتكون بصمة واضحة ومفرزة وفلترة للمتسلقين والمتصيدين واصحاب المواقف الرمادية».
وزادت «ندعو أخيرا أعضاء المجلس السيادي ومجلس الوزراء لتوضيح موقفهم من هذا البيان أمام الجميع ولن يكون أبدا سقف طموحاتنا التزامكم بالصمت المخجل في كل الأحداث والمواقف لأنها لحظة فارقة، من شاء منكم فليكن أمامنا ومن شاء فليهرول خلف مصالحه، وليترك لنا معاركنا سنقودها وحدنا بإرادة ثابتة وعزيمة لا تلين».
وقال شهود عيان لـ«القدس العربي» إنه «بعد تلاوة البيان بدأ بعضنا في التفرق، وآخرون تجمعوا في حلقات، وهتفوا دعما للبيان، والتصعيد المعلن وبدأت في التحرك للعبور نحو نفق الجامعة، لكن فجأة بدأ إطلاق قنابل الغاز المسيلة للدموع ثم بدأ ينهمر الرصاص، واختلط الحابل بالنابل».

«أسلوب هجمي»

وأصدرت نقابة أطباء السودان الشرعية بيانا، قالت فيه «تابعنا الأسلوب القمعي الهمجي الذي تعاملت به السلطات الأمنية مع الثوار السلميين بإطلاق الرصاص بكثافة وإطلاق الغاز المسيل للدموع والضرب بالعصي والهراوات، حيث احتسب الشعب السوداني شهيدين في هذا اليوم هما الشهيد عثمان أحمد بدر الطالب في كلية الطب، والشهيد مدثر مختار لهما الرحمة والمغفرة».
وتابعت: «هذا بالإضافة إلى عدد من الإصابات التي تتلقى الرعاية الطبية بالمستشفيات حيث توجد ثماني حالات في مستشفى فضيل مستقرة منها حالتان تم استدعاء اختصاصي جراحة المخ والاعصاب لمتابعتهما، وخمس حالات مستقرة في مستشفى رويال كير منها إصابتان في الرأس، إضافة لعدد من الحالات في مستشفى الزيتونة».
هذه التطورات أثارت الغضب في الشارع السوداني إذ احتشد مئات الشباب أمام مستشفيات الزيتونة وفضيل ورويال كير، منددين ومتهمين قوات الجيش السوداني بأنها من أطلق الرصاص عليهم، ومطالبين بإزاحة العسكريين من الحكم ومحاكمتهم بجانب المدنيين، حسب ما رصدته «القدس العربي» من مطالبات شملت كذلك الدعوة لاستقالة الحكومة ورئيسها عبد الله حمدوك.
وفي ساعات الصباح الأولى أعلن إعلام مجلس الوزراء عن انتهاء أعمال اجتماع طارئ لمجلس الوزراء ضم رئيس الحكومة ووزير الدفاع والداخلية ومجلس الوزراء والإعلام.

«جريمة مكتملة الأركان»

ووفق بيان للمجلس «ما حدث جريمة مكتملة الأركان استخدم فيها الرصاص الحي ضد متظاهرين سلميين، وهو أمر لا يمكن السكوت عليه مطلقاً، ولن يتم السكوت عليه أو تجاهله».
وتابع «إن بطء أجهزة العدالة في كشف الجرائم وتقديم المجرمين للمحاكمات صار متلازمة تدعو للقلق، ومن هنا نحن ندعوها وبشكل عاجل لمراجعة عميقة لمناهجها وطرق عملها انتصاراً لقيم ثورة ديسمبر المجيدة».
وزاد «لقد قبلت قوى الثورة بنظام الشراكة لتجميع كل القوى المؤمنة بالتغيير لتساعد في تسريع عملية الانتقال، ويلقي هذا الاتفاق مسؤولية على كل الأطراف. إننا في إطار تحمل هذه المسؤولية ندعو للقاءات عاجلة لجميع مكوناتها لمراجعة المسار وتصحيحه».

«أسر الشهداء» تعلن تصعيدا مفتوحا… والجيش يتعهد بإجراء تحقيق

وأضاف: «في إطار هذه المسؤولية، تمت دعوة من رئيس الوزراء لكل من وزراء الداخلية والدفاع والإعلام ومدير جهاز المخابرات العامة والنائب العام ووالي الخرطوم، لاجتماع طارئ قُدمت خلاله تقارير حول ما حدث، وقد طلب منهم رئيس الوزراء إكمال تحرياتهم والتسريع في إجراء التحقيق حول ما حدث لتسليم المطلوبين للعدالة بصورة فورية ودون إبطاء».

خيبة أمل

وانهمرت بعد ذلك ردود الأفعال الغاضبة من قبل السودانيين والتي عبرت في وسائل التواصل الاجتماعي عن خيبة أملها من بيان الحكومة، واصفة إياه بـ«الضعيف والمتراخي» في أغلب التدوينات، بينما أعلنت منظمة «أسر شهداء ثورة ديسمبر» في منصتها على «الفيسبوك» عن «التصعيد الشامل في كافة أنحاء البلاد».
وقالت «ندعو كافة الشرفاء من أبناء وبنات الوطن والشرفاء في الكيانات الثورية المستقلة والمدنية وكافة الأجسام والكيانات الأخرى بالمباشرة في تنظيم وترتيب الصفوف وتوحيدها تمهيدا لما سنعلن عنه في بياننا صباح الغد (اليوم)».
وتابعت «نعلن في منظمة أسر شهداء ثورة ديسمبر عن بداية التصعيد الثوري السلمي المفتوح في كافة انحاء البلاد».
في السياق، أعلن جمال إدريس، رئيس الحزب الناصري، استقالته من مجلس شركاء الحكومة الانتقالية، الذي يضم العسكريين وزعماء الأحزاب وحركات الكفاح المسلح الموقعة على سلام جوبا.
وقال في بيان إن «ما حدث اليوم (أمس) يؤكد ضرورة الوقفة والمراجعة لما جرى في عامي الثورة، وأهمية تعديل المسار على صعيد الشراكة المدنية العسكرية، وصعيد أداء السلطة التنفيذية في كل ملفات الثورة، وخاصةً ملف العدالة وملف الاقتصاد».
وأضاف «تأكيدا لهذا الموقف واستنكارا ورفضا لهذه الجريمة، أعلن انسحابي من مجلس شركاء الفترة الانتقالية، كما أدعو الإخوة من أعضاء الحرية والتغيير إلى الانسحاب تعبيراً عن رفض ما حدث، وضرورة محاسبة الجناة ومن يقف خلفهم والسعي الجاد لوحدة قوى الثورة».
كذلك نحا حزب المؤتمر السوداني، أحد أهم الأحزاب المشاركة في الحكومة، نفس المنحى، معلنا سحب رئيسه عمر الدقير من مجلس شركاء الحكومة الانتقالية.
وقال الحزب في بيان رسمي ان «تكرار الاعتداء على المدنيين هو مؤشر واضح لمكمن الخلل، وهو امتداد لكافة محاولات خنق البلاد بالأزمات المعيشية والأمنية تمهيداً لانقلاب يقطع الطريق أمام التغيير العميق المنشود».

«تصحيح الأوضاع»

وعدد الحزب خطوات اعتبرها «ضرورية لتصحيح الأوضاع الماثلة».
وقال: «بناءً على ما سبق، فإننا نرى أنه لا مناص من مساءلة كل من وزير الدفاع، وزير الداخلية، والنائب العام والولاة عن أحداث (الثلاثاء) وما سبقها من أحداث مماثلة، وإقالة كل من ثبت تقصيره منهم والبدء فوراً من خلال السلطة التنفيذية في إنفاذ الترتيبات الأمنية، وعلى رأسها إصلاح وإعادة هيكلة القوات المسلحة والنظامية وتأكيد السيطرة السياسية المدنية عليها» وكذلك «إيقاف الضباط والجنود المسؤولين عن الانتهاكات فوراً، وتتبع سلسلة القيادة وتقديم كل المشتبه بتورطهم للمحاكمة أمام القضاء» بالإضافة إلى «اتخاذ التدابير الكفيلة بوضع كافة القوات النظامية و المسلحة تحت القيادة الفعلية للحكومة المدنية وذلك على وجه السرعة» علاوة على « إلزام لجنة التحقيق المستقلة بإكمال التحقيق حول تجاوزات القوات النظامية خلال فترة زمنية محددة متفق عليها لرفع توصياتها».
وختم «كتعبير عن رفض ما حدث وإدانته، قرر الحزب سحب رئيسه من عضوية مجلس الشركاء، على أن يحتفظ بحقه في اتخاذ ما يراه مناسباً من قرارات في الأيام القادمة بما فيها سحب وزرائه من الحكومة في حالة ثبوت عدم توفر الإرادة السياسية لتنفيذ ما جاء (في البيان)».

هيكلة الأمن

وفي سياق متصل، اعتبر حزب «الأمة القومي» أن «ما حدث يوجب ضرورة هيكلة الأجهزة الأمنية وإعادة تأهيلها بالشكل الذي يجعلها تحافظ على الحقوق والحريات العامة».
كما حمّل حزب «البعث العربي الاشتراكي الأصل» السلطة بكامل هيئاتها الانتقالية مسؤولية الكشف عن الجناة وتقديمهم بشكل عاجل للعدالة» مؤكدا «ضرورة إعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة العدلية».
ومساء الثلاثاء قال «تجمع المهنيين السودانيين» قائد الحراك الاحتجاجي الذي أطاح بالرئيس عمر البشير في 2019، في بيان، إن «السلطة الغاشمة هاجمت الثوار السلميين، مستخدمة الرصاص الحي والقنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع، رغم سلمية حراك 29 رمضان (الثلاثاء) ومشروعية مطالبه».
وفجر الأربعاء، قال الجيش السوداني إنه لم يصدر أي تعليمات باستخدام الذخيرة (الرصاص) تجاه المواطنين في محيط القيادة العام في العاصمة الخرطوم، متعهدا بإجراء تحقيق في الأحداث.
جاء ذلك في بيان صادر عن الجيش، نشر على صفحته الرسمية عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.
وقال الجيش في بيانه: «لم تصدر أي تعليمات للقوات التي تحمي محيط القيادة باستخدام الذخيرة تجاه المواطنين».
وأضاف: «تعتذر وتتأسف القوات المسلحة لما وقع من أحداث خلال مسيرات الثلاثاء، ونعد الشعب السوداني بأن ما حدث سيخضع للتحقيق». وشدد على أن العدالة «يجب أن تأخذ مجراها وفق مقتضيات القانون».
وتابع: «تم قفل محيط القيادة من مبدأ حماية المواطنين وحتى لا يتم استغلال المسيرات من جهات لها أجندة (لم يسمها) ترمي لإجهاض مسيرة الانتقال وخلق فتنة بين الشعب وقواته المسلحة».

«أكبر الخاسرين»

مصدر عسكري قال لـ«القدس العربي» مفضلا حجب هويته «رأيي الشخصي أن هناك من يلعب في إعدادات الفترة الانتقالية، لكن قطعا لم يكن قرار إطلاق النار على الشباب وأسر الشهداء قرارا من جهات من المؤسسة العسكرية أو قادتها الحاليين، لأنهم لن يستفيدوا من ذلك بل سيقود لخسارتهم شعبيا مثل ما يحدث الآن».
وتابع «لو كان الجيش كمؤسسة وقادة يريد إطلاق النار وتفريق هذا الحشد لأطلقه منذ البداية، وقبل أن يدخل الشباب محيط القيادة العامة، ولكن قادتنا فضلوا السماح لهم بالدخول، وحصرهم في أضيق نطاق لتناول الإفطار خوفا من أن يقولوا إن الجيش قمع وقتل أسر الشهداء قبل الإفطار في رمضان لذا لا يعقل أن يطلق النار بشكل ممنهج بعد انتهاء المناسبة وبدء الناس في التفرق لبيوتهم».
وواصل: «هناك من يريد إعادة الاحتقان بين الجيش والشعب لأهدافه الخاص لأننا كضباط وجنود غير مستفيدين من هذا الحدث، بل إننا أكبر الخاسرين».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية