لندن – «القدس العربي»: تبدلت أوضاع الساحر الجزائري رياض محرز، من النقيض إلى النقيض في الشهور القليلة الماضية، من لاعب يعاني الأمرين لتأمين مكانه في تشكيلة المدرب الكتالوني بيب غوارديولا الأساسية حتى نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إلى البطل المخلص، الذي هبط من السماء في بداية العام الجديد، ليقود مانشستر سيتي الى حسم لقبي كأس الرابطة والدوري الإنكليزي الممتاز، والأهم دوره المؤثر في تأهل فريقه الى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا للمرة الأولى في تاريخه.
الطريق للكرة الذهبية
ربما في بداية الموسم، كان يصعب الحديث عن ترشيح محارب الصحراء للقائمة المفضلة للفوز بالكرة الذهبية «البالون دور»، خاصة في الشهور الثلاثة الأولى، التي تعرض خلالها الفيلسوف الاسباني لانتقادات في منتهى القسوة، وصلت الى حد وصفه بالمفلس، لتواضع مستوى ونتائج الفريق في تلك الفترة، ناهيك عن اتهامه بالعنصرية اتجاه قائد المنتخب الجزائري، بزعم أن المدرب يفضل عليه رحيم ستيرلنغ وفل فودن وبيرناردو سيلفا وباقي المواهب المتفجرة في هذا المركز، لكن مع الوقت أثبتت التجارب عكس ذلك، تحديدا منذ إعلان مد شراكة مانشستر سيتي وبيب حتى العام 2023. معها جاءت الضربات المتتالية للمشككين في مشروع غوارديولا، بسلسلة الانتصارات التي توقفت عند الرقم 21 أمام عدو المدينة مانشستر يونايتد، وفي خضم هذه الفترة، التي شهدت التحول الكبير في موسم المان سيتي محليا وقاريا، بُهر كل من أساء الظن في طريقة تعامل المدرب مع محرز، بظهور قيمة الأخير وأهميته في القوام الرئيسي، لا سيما في المباريات التي رسمت ملامح هذا الموسم التاريخي، على غرار ما فعله في حملة التتويج بلقب البريميرليغ، بصناعة الفارق الفني في مواجهات توسيع الفارق مع اليونايتد، أمام إيفرتون وآرسنال ووستهام، ونفس الأمر في الكأس ذات الأذنين، بتقمصه دور البطل في مراحل خروج المغلوب أمام بوروسيا دورتموند وباريس سان جيرمان، بتسجيل هدف وصناعة مثله أمام أسود الفيستيفاليا، وتسجيل ثلاثية في شباك العملاق الباريسي، كواحد من أكثر اللاعبين تأثيرا على نتائج الفريق طوال الموسم، بمساهمته في تسجيل 21 هدفا، بإجمالي 14 هدفا و7 تمريرات حاسمة، والأكثر تأثيرا على الإطلاق في الأمتار الأخيرة للموسم، الأمر الذي جعل البعض منا يسأل نفسه ويتساءل مع المحيطين به: ما يمنع رياض محرز من الفوز بالكرة الذهبية، ليصبح أول لاعب عربي في التاريخ يحقق هذا الإنجاز الفريد من نوعه، وثاني ممثل للماما أفريكا يتسلم جائزة «فرانس فوتبول»، بعد رئيس ليبيريا الحالي جورج وياه.
معيار رونالدو
للرد على هذا الطرح، دعونا نعود أربع سنوات إلى الوراء، حيث كان الهداف التاريخي لكرة القدم كريستيانو رونالدو، يعيش واحدا من أتعس مواسمه على الإطلاق مع ريال مدريد، لكن بعد وصول زين الدين زيدان لسُدّة حكم «سانتياغو بيرنابيو»، خلفا للمنبوذ الأعظم رافا بنيتيز، انقلبت ترشيحات الأفضل والأوفر حظا لنيل شرف الوقوف في أعلى الأعجوبة برج «إيفل» لتسلم «البالون دور»، وهذا حدث بفضل انتفاضة الدون في مراحل خروج المغلوب في الكأس ذات الأذنين، بتسجيل 5 أهداف من أصل 8 أهداف، منها هدف بالنيران الصديقة، في المباريات الإقصائية للوصول إلى نهائي «سان سيرو» 2016، وتبعها بأسابيع قليلة بالتتويج باليورو من قلب الأراضي الفرنسية، ورغم أن بدايته في موسم 2016-2017 لم تكن ترتقي الى درجة متوسطة، خاصة في بطولته المفضلة، بالاكتفاء بتسجيل هدف يتيم في مراحل خروج المغلوب، أحرزه في شباك فريقه الأسبق سبورتنغ لشبونة، إلا أن هذا لم يؤثر على قرار المصوتين، لاختياره لاعبا للعام في ديسمبر/ كانون الأول.
والأعجب من ذلك، تكرر نفس السيناريو في العام التالي، باحتفاظه بالجائزة الفردية الأهم عالميا للمرة الثانية تواليا والخامسة في مشواره، فيما عُرف آنذاك بالمعايير «المفصلة» لكريستيانو، كما تفصيل غيرها للغريم ليونيل ميسي، ليفوز بالجائزة أكثر من مرة على حساب زملاء له كانوا أكثر استحقاقا منه، أشهرهم واقعة تجاهل أندريس إنييستا في 2010، وذلك تحت غطاء «الشركات الراعية ورؤوس الأموال»، الذين يبحثون في المقام الأول عن الاستفادة من العلامة التجارية وشهرة الثنائي الفضائي في «السوشيال ميديا»، وهذا كان على عكس المتعارف عليه منذ عقود، أو على الأقل منذ متابعتنا للمركولة المجنونة في عصر ما بعد «الأبيض والأسود»، حيث كانت تذهب للاعب الأكثر تأثير وإمتاعا لجماهير فريقه ومنتخب بلاده على مدار العام، بمعنى آخر اللاعب الأكثر تكاملا طوال العام، بعيدا عن قيمته ووزنه في الصحافة ووسائل الإعلام، كما توج بها مايكل أوين وبافل نيدفيد وأندريا شيفتشينكو في زمن مدجج بالعباقرة، لذا لو طبق معيار اختيار الأفضل بناء على تأثيره في اللحظات الفارقة في الموسم، فلا شك أبدا في أن محرز سيكون على أقل تقدير ضمن القائمة المختصرة الثلاثية المرشحة للفوز بالكرة الذهبية، ولم لا قد يكون المرشح الأوفر حظا، لكن هذا سيتوقف على أهم حدثين، الأول تأثير صاحب الـ30 عاما في نهائي الـ29 من الشهر الجاري، بمعنى أن يواصل على نفس النهج بهز شباك البلوز مرة أو مرتين في النهائي الإنكليزي المنتظر، لتكون نهاية كربونية لما فعله كريستيانو رونالدو في نهائي 2017، حين دك شباك جيجي بوفون مرتين في رباعية «ميلينيوم ستاديوم» بين الريال واليوفي، أما الثاني، أن تخدمه الظروف ويفوز باليورو أحد المنتخبات التي لا تملك منافسين حقيقيين على «البالون دور».
القائمة المفضلة
صحيح أنه يبدو ظاهريا أن الوقت لا يزال بعيدا للتكهن بهوية لاعب أو القائمة المرشحة للمنافسة سواء على جائزة الفيفا «الأفضل» أو الأهم بالنسبة للاعبين «الكرة الذهبية»، لكن واقعيا، اللحظات المؤثرة أو الحاسمة في نهاية الموسم، عادة ما تطبع في أذهان المصوتين الفكرة النهائية سواء للاعب الأوفر حظا أو القائمة المفضلة، وبالنظر إلى الأسماء التي قدمت أوراق اعتمادها لدخول قائمة العشرة الأوائل في 2021، سيكون من الصعب عدم تواجد الوحش الاسكندينافي إيرلنغ براوت هالاند بينهم، بعد الطفرة الهائلة في مستواه وغريزته التهديفية منذ انتقاله من ريد بول سالزبورغ إلى بوروسيا دورتموند قبل تفشي وباء كورونا في الموجة الأولى بأسابيع قليلة، وربما لولا تعليق الجائزة العام الماضي بسبب ظروف الجائحة، لكان واحدا من قائمة ضيوف الشرف (العشرة الأوائل)، ومن سوء طالعه أن البوروسيا يعيش واحداً من أصعب مواسمه منذ زمن بعيد، وهذا في حد ذاته، سيعيقه على حجز مركز متقدم، رغم موسمه الذي لا يختلف عليه أحد، بتوقيعه على 39 هدفا بالإضافة إلى 11 تمريرة حاسمة من مشاركته في 39 مباراة. وبالمثل لن تخلو القائمة من اسم قائد المنتخب الإنكليزي هاري كاين، رغم أن موسم توتنهام لم يكن جيدا على الإطلاق، وهذا يرجع لأدائه الفردي الخيالي، بتوقيعه على 31 هدفا وصناعة 16 من مشاركته في 46 مباراة في مختلف المسابقات، منها 21 هدفا و13 تمريرة حاسمة في الدوري الإنكليزي الممتاز، كأكثر لاعبي الدوري تسجيلا وصناعة للأهداف. فقط يتساوى معه محمد صلاح على مستوى الأهداف، بينما في المجمل، فلا أحد ينافس جلاد السبيرز، وفي حال حدثت المعجزة وتوجت إنكلترا بكأس الأمم الأوروبية للمرة الأولى في تاريخها، وبتأثير ملموس من القائد، فقد يكون مرشحا حاضرا وبقوة في القائمة المختصرة، ومعه أيضا مايسترو مانشستر يونايتد برونو فيرنانديز، الذي ينتظر مكانه في العشرة الأوائل، كأقل مكافأة على تأثيره الكبير على مانشستر يونايتد منذ قدومه من لشبونة في شتاء 2020.
وستشمل القائمة أسماء أخرى أكثر حظا في المنافسة، مثل زميل محرز في ملعب «الاتحاد»، البلجيكي كيفن دي بروين، لما قدمه ويقدمه حتى الآن، باعتباره اللاعب الأكثر تأثيرا على الإطلاق في نتائج المان سيتي على مدار الموسم، منها مثلا تسجيل 5 أهداف وصناعة 11 على مستوى الدوري. وفي دوري الأبطال، تمكن من تسجيل 4 أهداف وتقديم 3 تمريرات حاسمة، والمثير للإعجاب أنه سجل في كل جولة في الأدوار الإقصائية، وبطبيعة الحال إذا كشر عن أنيابه في النهائي وكان له تأثير في حملة منتخب بلاده في اليورو، فبنسبة كبيرة ستزيد فرصه على زميله الجزائري. أما المفاجأة المنتظرة، فربما يكون اكتشاف السيتي فل فودن، للجرأة التي يلعب بها تحت قيادة بيب غوارديولا، وثقته الكبيرة في نفسه، والتي تظهر عندما يقرر الاعتماد على نفسه بالحل الفردي، حيث تنبعث منه روائح البرغوث ليونيل ميسي، بسرعة خيالية بالكرة وخفة حركة في المراوغة وتغيير الاتجاهات، بالتقنية المضمونة لإثارة الذعر الكروي داخل المدافعين في المواجهات المباشرة. ولأنه من المتوقع أن يكون مانشستر سيتي الأكثر حضورا في قائمة المرشحين، فلا يمكن استبعاد المدافع روبن دياش، قياسا بالطفرة التي أحدثها في الخط الخلفي للكتيبة السماوية، بمحاكاة نفس تأثير الهولندي فيرجيل فان دايك في دفاع ليفربول، وقد ظهر تأثيره بأثر فوري منذ ضمه من بنفيكا بأموال ضخمة الصيف الماضي، ليخلص غوارديولا من صداع ضعف وهشاشة الدفاع، بنتائج عملية تجسدت في دوره في حفاظ الفريق على شباكه نظيفة في 14 مباراة من أصل 30 مشاركة على مستوى البريميرليغ، ويا حبذا لو واصل بنفس الزخم مع المنتخب البرتغالي في اليورو، وكان له دور في ذهاب أحفاد فاسكو دي غاما بعيدا في اليورو أو الاحتفاظ بها، فقد يكون ثاني مدافع يتوج بها منذ فابيو كانافارو، بعدما كان فان دايك قريبا منها في نسختها الأخيرة.
المرشحون الكبار
واحد من الثلاثة المتوقع رؤيتهم في القائمة المختصرة بصرف النظر عما سيحدث في الشهور المقبلة، هو البرغوث ليونيل ميسي، الذي سيبقى منافسا على كل الجوائز الفردية طالما لم يقرر تعليق حذائه. وكما نعرف، أنه في طريقه للخروج من الموسم بكأس ملك إسبانيا فقط، بعد الخروج المبكر من دوري الأبطال وخسارة الكأس السوبر والاقتراب من التحسر على لقب الليغا، لكن أرقامه الفردية تعيق فكرة استبعاده من قائمة المرشحين للفوز، منها تسجيل 37 هدفا وتقديم 14 تمريرة حاسمة، بخلاف الأشياء الخارجة عن نطاق العقل التي يقوم بها في كل مباراة. ويتساوى معه في نفس الفرص، حامل لقب الجائزة روبرت ليفاندوسكي، وأيضا لسجله التهديفي الخرافي، رغم الانتكاسة التي أعاقته عن اللعب طوال شهر أبريل/ نيسان، حيث سجل 46 هدفا وقدم 8 تمريرات حاسمة في ظهوره في 38 مباراة في مختلف المسابقات، منها 39 في البوندسليغا، وهو على بعد هدفين فقط من معادلة رقم غيرد مولر، الأكثر تسجيلا في تاريخ الدوري الألماني خلال موسم واحد، ومع ابتعاده عن المشاركة أمام باريس سان جيرمان في مواجهة الدور ربع النهائي لدوري الأبطال، التي شهدت خروج البايرن من المسابقة التي كان يحمل لقبها، بات أمله الوحيد هو تحقيق شيء مختلف مع منتخب بولندا في اليورو، أما غير ذلك، فقد يأخذ مكانه إما كريستيانو رونالدو، نعم عزيزي القارئ، وذلك لفرصه القوية في ترك بصمة لا تنسى في آخر ظهور له في اليورو قبل الاعتزال، منها ليعوض إخفاقه الجماعي الكبير مع اليوفي، ومنها ستكون بوابته للعودة إلى المنافسة على ألقابه الفردية المفضلة، والآخر بنسبة كبيرة سيكون كيليان مبابي، لموسمه الجيد جدا من حيث الأرقام مع باريس سان جيرمان، بتسجيل 36 هدفا حتى الآن، إلى جانب فرصته القائمة مع منتخب فرنسا للفوز باليورو، أو على الأقل الذهاب بعيدا في البطولة، لتعويض خسارة نهائي 2016 أمام زملاء الدون، والسؤال لك عزيزي القارئ: هل تعتقد أن فرص رياض محرز ستكون أقوى من هؤلاء؟