غزة ـــ “القدس العربي”:
أصوات انفجارات عالية، تتلوها أصوات أبواق عربات الإسعاف المنطقة لأماكن القصف الإسرائيلي، وسحب دخان سوداء تغطي السماء، هكذا استقبلت غزة عيد الفطر.
وبذكريات أعات لأذهان السكان، ما كان عليه وضعهم خلال الحرب الأخيرة على غزة، صيف العام 2014، حين أمضوا غالبية أيام شهر رمضان، وعيد الفطر وقتها تحت القصف، استقبل سكان غزة العيد.
فبدلا من سماع قرع الأبواب من الأقارب والجيران، لتبادل التهاني بالعيد، والتي تبدأ فور انتهاء صلوات العيد، استمع الغزيين لأصوات هدير الطائرات الحربية العالية، التي عطت سماء قطاع غزة من شماله إلى جنوبه، تطلق حمم صاروخية صوب المنازل والشوارع والعديد من المؤسسات، لتحولها إلى ركام في لحظات.
وبقي الأطفال على غير العادة داخل منازلهم، ولم يخرج أحد منهم للشارع للعب والمرح، على غرار العادة، إذ لم تنصب في شوارع غزة وحواريها الأرجوحات، كما لم تقم لهم طقوس اللعب المعروفة في العيد، بركوب ظهور الخيل والجمال، التي يقودها أصحابها وهي مزينة بسروج بألوان جذابة إلى تلك الحواري والشوارع، في عمل يوفر لهم مصدر دحل موسمي.
فكل تلك الطقوس حكمت عليها طائرات الاحتلال الحربية بالإعدام، كما منعت حالة الحزن والموت ورائحة الدمار، الغزيين من الفرح، ففي جميع الأحياء هناك إمام شهداء أو جرحى، أو منازل دمرت أو تضررت، فسرقت تلك الأحداث الفرح من قلوب السكان وعيونهم التي فاضت بالدمع.
ومنذ ساعات الصباح الأولى لعيد الفطر، وتحديدا في الوقت الذي كانت تقام فيه صلوات العيد، كانت طائرات حربية إسرائيلية تقصف بعنف العديد من الأهداف في القطاع، لكن رغم ذلك علت تكبيرات العيد من العديد من المساجد.
وأقام بعض أهالي غزة صلاة العيد في المساجد، بعدما قررت وزارة الأوقاف، منع الصلاة في الساحات العامة كما جرت العادة، بسبب الأحداث الجارية.
السيدة سعاد، وهي في منتصف الأربعينات، قالت إن عيد الفطر مر هذا العام أسوأ من الأيام العادية، فلم تستقبل على خلاف العادة أشقائها وأقاربها في منزلها، كما جرت العادة في ساعات الصباح، وتقول أنها أخفت الحلويات والشوكولاتة التي اشترتها قبل التصعيد الجاري، لتقديمها لضيوفها في زيارة العيد، لأن الأجواء القائمة قتلت الفرح، وتشير هذه السيدة أنها أبقت أطفالها في المنزل، فلا مكان لهم للخروج في أجواء القصف، وتشير إلى أن القصف طال في ليلة العيد مكان مجاور لمنزلها، وقد عبرت عن خوفها وقلقها على أطفالها، بعد سقوط عدد من صغار السن في الغارات الإسرائيلية، وتؤكد هذه السيدة الغزية أنها إسرائيل قتلت الفرحة.
وقد اكتفى الكثير من سكان غزة، بتقديم التهاني بالعيد إما عبر الاتصال الهاتفي، أو من خلال الرسائل القصيرة، ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن كلمات التهاني لم تكن مشابهة لتلك المألوفة، وفي مقدمتها “كل عام وأنتم بخير”، بل جاء في العديد من رسائل التهنئة التي كتبت على صورة لأحد المنازل المستهدفة بالقصف والنيران تلتهمه عيد تحت القصف في غزة.. عيدكم مبارك ودمتم سالمين”، وجاء في أحد التهاني “عبدكم مبارك صناع المجد وحماة القبلة الأولى”، كما ركزت تهاني أخرى بالدعوة للشهداء بالرحمة والجرحى بالشفاء، فيما أرسل أخرون أدعية بالسلامة بدلا من التهاني.
وإلى جانب ذلك لم يرتد السكان خاصة الأطفال والشبان ملابس والنسوة ملابس العيد، وبقوا داخل منازلهم يترقبون الأخبار، ويستمعون إلى محطات الإذاعة، لمعرفة تطورات الأحداث في الخارج.
يذكر أن هناك أطفال كثر قضوا جراء الغارات الإسرائيلية، وأبرزهم أطفال عائلة المصري مروان ورهف ويزن، الذين قضوا في اليوم الأول للهجمات الإسرائيلية على غزة، كما أطفال عائلة الرنتيسي جنوب القطاع، الذين قضوا بفعل غارة جوية في أول أيام العيد، وناموا في القبور إلى الأبد، بعد أن كانوا يرقبون ارتداء ملابسهم الجديدة.
وقد تناثرت ملابس العديد من الأطفال بمن فيهم الشهداء، وآخرون كثر في الشوارع، بعد أن دمرت منازلهم جراء الغارات الإسرائيلية، كما فقدت ألعابهم التي اشتروها للهو بعا في العيد تحت أنقاض القصف.
وقد دعا تنظيم الجبهة الشعبية المواطنين إلى زيارة المقابر ووضع أكاليل الزهور على قبور الشهداء، وزيارة عائلاتهم، وكذلك عوائل الأسرى والجرحى للتخفيف من آلامهم، وبما يساهم في تعزيز أواصر التكافل، في هذه الظروف الصعبة التي يعانون منها في ظل العدوان المتواصل.