باريس-»القدس العربي»: تكاد فرنسا أن تكون اليوم في مقدمة بلدان العالم التي تكرم الشجرة وتنظم لها حفلات ومهرجانات ومسابقات لاختيار أجملها أو أعرقها أو أثراها ذاكرة. وإذا كانت فرنسا قد صدَّرت مثلا إلى العالم عيد الموسيقى والذي يُحتَفل به كل عام في الحادي والعشرين من شهر حزيران/يونيو، فإنها صدرت أيضا في هذا السياق إلى دول الاتحاد الأوروبي الأخرى مسابقة سنوية تقام منذ عام 2011 ويختار المشاركون فيها أفضل شجرة أوروبية على الإطلاق. وأفضل أشجار أوروبا لعام 2021 سنديانة خضراء تقع في الجبال القريبة من إحدى قرى محافظة وشقة الواقعة في شمال إسبانيا الشرقي. وقد شارك في المسابقة هذه عبر شبكة الإنترنت ستمئة ألف شخص وضعوا هذه السنديانة في المرتبة الأولى لسببن اثنين هما أولا احتفالها بعيد ميلادها الألف وتسجيل اسمها في ذاكرة محافظة وشقة الجماعية بوصفها الشجرة التي قهرت الساحرات وكل الكوارث الطبيعية التي عرفتها المحافظة منذ ألف عام.

والحقيقة أن كل المشرفين على إدارات البيئة في البلديات الفرنسية يدركون تماما أهمية العناية بأشجار المدن والقرى من خلال ما تستحقه من تظاهرات وفعاليات ثقافية تقام من حولها وتسمح بإيجاد مصدر من مصادر تمويل موازنات هذه البلديات لاسيما إذا لم تكن لديها الإمكانات المالية الكافية لتمويل أنشطتها. ومن المسؤولين الذين يشرفون على إدارة ملف البيئة في البلديات الفرنسية دوني دوغور، الذي يكاد أن يكرر ليل نهار أن عاصفة «أُولا» الهوجاء التي طالت منطقة لابروتانيو الفرنسية الواقعة في شمال البلاد الشرقي ذات ليلة من ليالي عام 2014 كانت في الوقت ذاته نقمة ونعمة بالنسبة إلى مدينة بون لابيه، التابعة لهذه المنطقة والتي يشرف في مجلسها البلدي على شؤون البيئة. فهو لا يزال يتذكر من جهة أن هذه العاصفة أتت على أشجار كثيرة من أشجار حدائق هذه المدينة. وهو لا يزال يتذكر من جهة أخرى أنه لم ينم تلك الليلة خوفا على شجرة الصفصاف البَكَّاء التي كانت عند مدخل المدينة. والحقيقة أن أساطير كثيرة تقف وراء تسمية هذا الصنف من أشجار الصفصاف بـ»البكَّاء». وملخص غالبية هذه الأساطير أن أغضان هذه الصفصافة وأوراقها المتدلية يشبه حالها حال الدموع التي تنزل من أعين الآدميين عندما تُحيق بهم مصيبة وأن كل مكان تنبت فيه شجرة مماثلة حصلت فيه مآس لا يمكن أن تنساها ذاكرة الأشجار ولاسيما الصفصاف البكاء الذي يجسد عبر نمو أغصانه وأوراقه المتدلية حجم المصائب التي ألمت بالمواقع التي ينبت فيها أو بسكانها.
ليلة ليلاء
والمهم أن شجرة الصفصاف البكاء التي كانت عند مدخل مدينة بون لابيه الواقعة في منطقة لابروتنايو الفرنسية، كان سكان المدينة ولا يزالون يتبركون بها لأنها ثبتت أمام كل الكوارث الطبيعية. ولكن ضراوة العاصفة التي هبت على المدينة وعلى المنطقة برمتها ذات ليلة من ليالي عام 2014 جعلت كثيرا من سكان المدينة يقولون في أنفسهم إن شجرتهم المباركة غير قادرة على الثبات أمام تلك العاصفة الهوجاء التي لم يروا مثيلا لها من قبل. وعند صباح اليوم الذي أعقب ليلة العاصفة، تجرأ عدد من سكان المدينة منهم دوني دوغور المسؤول عن شؤون البيئة في مجلس المدينة البلدي على النهوض باكرا ليروا بأم أعينهم كيف أطاحت العاصفة بشجرتهم المفضلة. وكان فرحهم عارما عندما اهتدوا إلى أن الشجرة فقدت جزءا كبيرا من أوراقها وأغصانها التي كانت تغذي جزءا كبيرا من جذعها السفلي ولكن أوراقها وأغصانها العلوية ظلت صامدة. وعندما رأوها على هذه الشاكلة ذكرتهم أغصانها وأوراقها المتدلية على رأس الشجرة بشَعر رأس مغني البوب والروك الفرنسي الشهير ميشيل بولناريف الذي يبلغ اليوم من العمر السابعة والسبعين.
أسطورة جديدة
يقول دوني دوغور إن الصباح الذي أعقب ليلة العاصفة الهوجاء التي ضربت منطقة لابروتانيو في عام 2014 شهد ميلاد أسطورة جديدة أصبحت تلهج بها ألسنة سكان مدينة بون لابيه ومفادها أن روح ميشيل بولناريف تتنقل دوما من جسده إلى جسد صفصافتهم التي تقع عند مدخل المدينة. وسرعان ما اقتنع المجلس البلدي بمقترح عدد كبير من مواطني المدينة بأنه لابد من صياغة نظارتين تشبهان النظارتين التي تعود بولناريف على وضعهما على وجهه والتي تلازمانه في حله وترحاله وأمام الخاصة والعامة وحتى في حفلاته منذ شبابه إلى اليوم. فقد البصر وظلتا على عينيه واسترجع النظر وظلتا على عينيه. وغدتا جزءا من أسطورته وهويته. وارتأى أصحاب المقترح وضع النظارتين اللتين يبلغ طولهما مترين على وجه رأس شجرة الصفصاف. وشيئا فشيئا أصبح محبو ميشيل بولناريف المُقِلِّ في الظهور يقصدون عمدا مدينة بون لابيه ليجلسوا غير بعيد عن تلك الشجرة ويستمعوا إلى عينات من أغنياته التي ذاع صيتها في العالم كله ومنها أغنيتا «سنذهب جميعا إلى الجنة « و»أحبيني».
فعلا أصبحت هذه الشجرة معلما من معالم منطقة لابتروتانو السياحية بعد أن بارك الفنان المبادرة التي استفادت منها بشكل خاص بلدة تقع غير بعيد عن مدينة بون لابيه وتسمى لينون. وسبب استفادة هذه البلدة من المبادرة أنها مسقط رأس والدة ميشيل بولناريف الذي ولد من أم فرنسية وأب روسي كان مؤلفا موسيقيا.
وفي بداية نسيان/أبريل الماضي، فوجئ الناس الذين قاموا باكرا لزيارة الشجرة ميشيل بولناريف في المدينة بأنها لم تكن تحمل نظارتيها. وظنوا أن أحدهم أراد أن يفتعل سرقة النظارتين حتى يحتفل بـ «كذبة أبريل». ولكنه اتضح بعد أيام أن ما حصل لم يكن كذبة أبريل بل عملية سطو متعمدة من قبل ثلاثة طلاب فرنسيين يقيمون في مدينة بريست ليثبتوا لأنفسهم ولمحبي الفنان بولناريف أنهم قادرون على حرمانهم من متعة الاستماع إلى أغانيه أمام الشجرة التي أصبحت تحمل اسمه ويتعامل معها الناس كما لو كانت الفنان ذاته. أما الشخص الذي سهل عملية وصول المحققين إلى الطلبة الثلاثة فهو أحد سكان حي يقع عند مدخل المدينة أصبح من عشاق الفنان الفرنسي بسبب العاصفة التي أتت على جزء مهم من أوراق الصفصافة البَكَّاءة ولكنها جعلت من بولناريف بالصدفة أحد سكانها الافتراضيين بل أبرزهم. هذا المواطن كان دوما حريصا على التقاط صور بالفيديو للفنان «الشجرة». ولم يكن الطلبة الثلاثة الذين سطوا على النظارتين يعلمون أن العملية كانت مسجلة عبر الفيديو.
والمهم في نهاية المطاف أن النظارتين أعيدتا إلى الفنان «الشجرة» أو الشجرة «الفنان» وأن الضجة الإعلامية التي رافقت عملية السطو على نظارتي ميشيل بولناريف لدى الشجرة التي أصبحت تمثله في شمال البلاد جعلت كثيرا من عشاق الفنان الأيقونة في فرنسا وخارجها يقررون وضع زيارة هذه الشجرة في مقدمة أولوياتهم بعد رفع إجراءات الحظر التي فرضتها جائحة كورونا.