المواقف الدولية من العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني وموقف غوتيريش المنحاز

عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

نيويورك-»القدس العربي»: أود أن أقدم شهادة للتاريخ جوهرها أن موقف الأمين العام الحالي، أنطونيو غوتيريش، مما يجري في القدس وغزة وفلسطين قد اتسم بالتردد والنفاق وازدواجية المعايير بطريقة لم أعهدها من قبل منذ بدأت علاقتي بالأمم المتحدة منذ نحو 40 سنة. لقد تهرب من الاستحقاق الأخلاقي الذي يفرضه المنصب كقيـّم على ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، وأشاح بوجهه عما يجري في الشيخ جراح والقدس والأقصى ودفن رأسه في الرمال وكأن الأمر لا يعنيه. أعرف أنه رشح نفسه لدورة ثانية تبدأ مطلع عام 2022 وأنه يبحث عن رضى السيد الأمريكي الذي يمر عبر القناة الإسرائيلية، لكن أن يصل به الحد لأن يرفض أن يدين قتل الأطفال الأبرياء والنساء وهدم الأبراج وتدمير المدارس، فتلك خطيئة لا تغتفر وسيسجل التاريخ نقطة سوداء في سجله.

وسأحاول في هذا المقال أن أقدم ملخصا للمواقف الدولية ثم أعود إلى موقف غوتيريش، لأبين مدى الانحياز الكبير الذي وقع فيه.

الشيخ جراح الشرارة

منذ بداية شهر رمضان عملت القوات الصهيونية على تكثيف الاستفزازات للمصلين في منطقة الحرم الشريف عن طريق المستوطنين والمتطرفين المحميين ببنادق الأمن والشرطة والاستخبارات. وبالكاد مر يوم واحد من دون اقتحام أو استفزاز أو مواجهات. ولأن القدس في شهر رمضان تستقبل مئات الألوف من المصلين كانت المواجهات تتصاعد وتزداد حدة كل يوم.
توسعت الاستفزازات لتشمل الشيخ جراح ذلك الحي المقدسي العريق الذي يحمل اسم طبيب صلاح الدين الأيوبي. كان قرار محكمة الاغتصاب الصهيوني المركزية بإخلاء سكان الحي يوم الإثنين 2 أيار/مايو الذي استقروا فيه منذ بداية الخمسينات على إثر النكبة الفلسطينية ومنحت لهم شهادات تملك من قبل السلطات الأردنية آنذاك.
سكان الحي ومنذ عام 1972 يعانون من الاستفزاز والضغط والترهيب لإخلاء الحي، حيث قامت جماعة من المستوطنين من طائفة اليهود السفرديم بدعم من لجنة في الكنيست بادعاء تملك أرض الحي منذ عام 1885 وأبرزت شهادات مزورة أمام المحكمة وقدمت دعاوى لإخلاء المنازل التي تقطنها العائلات الفلسطينية بدعوى أنها مقامة على أرض مملوكة لها، وهو ما تنفيه العائلات الفلسطينية والحكومة الأردنية ووكالة الأونروا التي ساهمت في بناء 28 بيتا للاجئين مقابل تخليهم عن بطاقات اللجوء.
وحسب مسح أجراه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» عام 2020 فقد رُفعت دعاوى إخلاء ضد ما لا يقل عن 218 أسرة فلسطينية في القدس الشرقية، بما في ذلك أسر في الشيخ جراح، من قبل «جمعيات استيطانية» وهو ما سيعرض 970 شخصا، بمن فيهم 424 طفلا، لخطر التشريد.
مع اقتراب موعد الإخلاء بدأت حركة تضامن واسعة مع سكان الحي. وفي معظم الليالي كانت تقام مائدة إفطار جماعي للمتضامنين الذين تجمعوا من كافة أرجاء الوطن. وفي نفس الوقت ازدادت حدة الاعتداءات على المتضامين. وقد شاهد العالم أكثر من مرة مهاجمة الصائمين ساعة الإفطار وتحويل المؤائد الجماعية إلى مجابهات بالأيدي والكراسي والعصي والبنادق أحيانا من قبل المتطرفين. لكن الشباب والشابات المقادسة استطاعو أن يطردوا قوات الأمن من درجات باب العامود الشهيرة وأن يطاردوا المستوطنين في حارات القدس العتيقة ما أدى إلى ارتفاع معنويات أبناء المدينة أولا والمتضامين معهم ثانيا والشعب الفلسطيني ثالثا.
لشدة المواجهات اضطرت المحكمة إلى تأجيل الإخلاء القسري إلى يوم الخميس 5 أيار/مايو. هذا القرار أجج حركة التضامن وزاد عدد المعتصمين بالحي. ثم جاء يوم الجمعة الأخيرة، يوم القدس العالمي، حيث أعلن النفير العام وتوجه مئات الألوف للقدس مساء الجمعة وقامت قوات الاحتلال باقتحام الأقصى بطريقة همجية مخلفة نحو 300 مصاب وانتشرت المواجهات في كل أنحاء المدينة.
كان المتطرفون الصهاينة يحضرون لمسيرة ضخمة يوم الإثنين 28 رمضان (10 أيار/مايو) للاحتفال بذكرى توحيد القدس بعد حرب حزيران/يونيو 1967 تنطلق من القدس الغربية نحو القدس الشرقية وتصل إلى منطقة الحرم الشريف. وقد صدرت عدة تحذيرات دولية بما فيها بيان من الخارجية الأمريكية تطالب بإلغاء المسيرة ووقف إبعاد سكان الشيخ جراح عن منازلهم ووقف انتهاك حرمة المسجد الأقصى. لم يعط نتنياهو وصقور الحرب من حوله أي اعتبار لتلك المناشدات. تجمع الصهانية في الموعد بمئات الألوف. حركة حماس أنذرت المسيرة ومنظميها أنها ستطلق رشقة من الصواريخ نحو القدس الغربية إذا لم تنفض المسيرة. لم يأخذ منظمو المسيرة تهديدات حماس مأخذ الجد. الساعة السادسة بتوقيت فلسطين انطلقت الصواريخ. تفرق القوم ينتابهم الذعر. هرب كل واحد منهم باحثا عن النجاة عندما سمعوا صفارات الإنذار. فشلت المسيرة. بعد ذلك بدأت المواجهات.

المواقف الأممية

هناك شبه إجماع من كافة منظمات وأجهزة الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان بإدانة استفزازات إسرائيل ومطالبتها بالكف عن التدخل في شأن المصلين بالمسجد الأقصى أو المظاهرات السلمية في الشيخ جراح. وقد صدرت بيانات عديدة لا يتسع المجال لذكرها. فقد طالبت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إسرائيل بأن توقف فورا جميع عمليات إجلاء العائلات في حي الشيخ جراح في القدس الشرقية. وقال روبرت كولفيل، المتحدث الرسمي باسم المفوضية، إن أوامر عمليات الإجلاء، إذا صدرت وتم تنفيذها، ستنتهك التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي وقد ترقى إلى مستوى جريمة حرب. كذلك ناشدت هنرييتا فور، المديرة التنفيذية لليونسيف، بضرورة حماية الأطفال وعدم استهدافهم. وأعرب ممثل الأمم المتحدة السامي لتحالف الحضارات ، ميغيل أنخيل موراتينوس، عن استيائه وقلقه العميق إزاء الاشتباكات العنيفة الأخيرة في المسجد الأقصى، ثالث أقدس الأماكن الإسلامية. ودعا الممثل السامي إلى احترام حرمة الأماكن الدينية وحق المصلين في ممارسة شعائرهم الدينية وتقاليدهم بسلام وأمان دون خوف أو تخويف. وناشدت الأونروا في بيان وقف التصعيد وأدانت مقتل 20 شخصًا، بينهم تسعة أطفال فلسطينيين، أربعة منهم أشقاء. بينما أعرب خبراء حقوق الإنسان عن قلقهم البالغ إزاء ردود إسرائيل العدوانية على الاحتجاجات في القدس، ودعوا إسرائيل، بصفتها القوة المحتلة، إلى الانهاء الفوري لتهديدها بطرد مئات الأسر الفلسطينية من منازلهم المحمية قانونا. وقد وقع البيان كل من مايكل لينك، المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 وبالاكريشنان راجاجوبال، المقرر الخاص المعني بالسكن اللائق. وقال خبراء، في بيانهم «إن إعادة إحلال الهدوء في القدس أمر مهم، لكن تهيئة الظروف لتحقيق العدالة والمساواة في المدينة أكثر أهمية».

موقف الأمين العام

ظل الأمين العام صامتا مع كل هذه التطورات الميدانية في القدس وخاصة في الشيخ جراح. وقد أثرنا موضوع هذا الصمت المريب لخمسة أيام متواصلة مع المتحدث الرسمي، ستيفان دوجريك، (3-7 أيار/مايو) دون جواب. وحتى بعد قيام القوات الصهيونية بالاعتداء على المصلين مساء الجمعة وانتهاك حرمة الأقصى الشريف ظل الأمين العام صامتا.
وأخيرا أصدر أول بيان له حول الأحداث مساء الأحد 9 أيار/مايو حثّ فيه إسرائيل على وقف عمليات الهدم والإخلاء، تماشياً مع التزاماتها بموجب القانون الدولي. وقال: «يتحمل جميع القادة مسؤولية العمل ضد المتطرفين والتحدث علانية ضد جميع أعمال العنف والتحريض». كما حث «التمسك بالوضع الراهن في الأماكن المقدسة واحترامه» في لغة خشبية لا تعني إلا المساواة بين الضحية والقاتل.
في اليوم التالي الإثنين 10 أيار/مايو، يوم المسيرة الصهيونية لبسط السيطرة على القدس، أطلقت حماس الصواريخ بعد تحذيرين لمنظمي المسيرة، الساعة السادسة مساء (11 صباحا بتوقيت نيويورك). الأمين العام أصدر بيانا الساعة 12 بتوقيت نيويورك أي بعد ساعة فقط من إطلاق الصواريخ يدين فيه «بأقوى العبارات إطلاق الصواريخ». إذن انتظر الأمين العام أكثر من عشرة أيام ليقول شيئًا باردا عما يجري في القدس وبعد أن أصيب أكثر من 300 شخص في المسجد الأقصى، بينما أصدر بيانه بعد ساعة من إطلاق الصواريخ مستخدما لغة أشد قسوة من اللغة الناعمة والعتابية التي يستخدمها مع إسرائيل.
ومنذ يوم الإثنين وحتى يوم الجمعة ما فتئ الأمين العام يطلق بيانات بعبارات شديدة الحذر يساوي فيها بين المعتدي والمعتدى عليه بما في ذلك بيان يوم الجمعة الذي قال فيه إن التصعيد العسكري المستمر أدى إلى معاناة ودمار كبيرين وأودى بحياة أعداد كبيرة من المدنيين بمن فيهم، وبشكل مأساوي، الكثير من الأطفال. فهو يساوي بين الطرفين ولا يذكر 31 طفلا فلسطينيا و 15 امرأة قتلوا دونما ذنب. ويتحدث عن الدمار في الجانبين وكأنه متساو. وعندما نثير الأسئلة حول هذه البيانات يتمسك المتحدث بها. «هل يتمتع الفلسطينيون بحق الدفاع عن النفس؟ هل يحق للشعب الواقع تحت الاحتلال أن يقاوم القوة القائمة على الاحتلال؟ هل كلمة «إدانة» تستخدم حصريا عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين؟». لا جواب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية