دقائق المرح الأخيرة: هكذا قضى الأطفال الـ8 في القصف الإسرائيلي.. والضحايا الـ 42 في شارع الوحدة عاشوا لحظات رعب

أشرف الهور
حجم الخط
1

غزة– “القدس العربي”: هل سيسمع العالم لصرخات محمد الحديدي الرجل الذي فقد 10 أفراد من عائلته، بينهم زوجته وأطفاله الأربعة، وعدد من الأقارب، ولم يعد له في الدنيا سوى طفل يبلغ من العمر خمسة أشهر، بعد أن قضوا في غارة إسرائيلية استهدفت منزلهم الواقع في مخيم الشاطئ للاجئين، بدون سابق إنذار فحولته إلى ركام، وحولت لهو أطفاله ومرحهم في ذلك الوقت تحت سقف منزلهم، إلى صمت أبدي، بعد أن سكنوا القبور، أم سيسمع إلى عذابات عائلات الكولك وأبو العوف.

اللعبة الأخيرة للأطفال 

في الحادثة الأولى وفي ليلة حالكة السواد من ليالي التصعيد الإسرائيلي ضد غزة، وبشكل مفاجئ، حول صاروخ إسرائيلي ابتسامات أطفال عائلة ذلك المواطن، الذين كانوا في زيارة لمنزل خالهم من عائلة أبو حطب، يلهون هناك مع أقرانهم، وهم يرتدون ملابس العيد، بعد أن حرموا بفعل الغارات والعدوان على غزة من النزول للشارع.

ولم يكن هؤلاء الأطفال الثمانية أطفال عائلة الحديدي وأبو حطب، ولا أمهاتهم يعلمون أن حتى المنزل لن يكون بمأمن من الصواريخ الحربية التي تطلقها الطائرات الحربية الإسرائيلية التي تجوب سماء غزة، وتنشر الموت في كل مكان.

في لحظة واحدة، سكت صوت المرح، وانتهت إلى الأبد ابتسامات الأطفال الثمانية، ومنهم صهيب ويحيى وعبد الرحمن، هناك خرجت أرواحهم إلى بارئها، بعد أن تحول المنزل إلى ركام، لكن بقي من تحت الركام صراخ الطفل عمر ابن الخمسة أشهر، الناجي الوحيد من المجزرة، فدل صوته فرق الإنقاذ على مكانه تحت الركام، فهناك أخرج وقد كان متشبثا بيده الصغيرة بأمه، التي قضت في الغارة، ولم تتمكن من حمايته، وبات هذا الطفل وحيدا لن يجد من يداعبه من أشقائه، ولن يرى أمه إلى الأبد.

هذا الرجل الذي قدم مصدوما إلى مشفى الشفاء، بعد أن أخلته الطواقم الطبية وفرق الدفاع المدني من تحت الركام، أفراد عائلته، وهناك صدم من هول الفاجعة، قال وعيناه تفيضان من الدمع “نريد من العالم الظالم أن يتفرج على هذه المجازر، هؤلاء كانوا آمنين في بيوتهم لم يحملوا سلاحا ولم يطلقوا صواريخ”، ويضيف أن أطفاله كانوا وقت القصف فرحين، وقد ارتدوا ملابس العيد، على أمل الخروج من واقع القصف المرير الذي تتعرض له كافة أنحاء قطاع غزة.

الناجي طفل رضيع 

وفي الوقت الذي كان فيه الرجل يتحدث داخل المشفى عن مصيبته بفقدانه أطفاله، وحديثه عن آخر أدخل إلى غرفة العناية المكثفة، أبلغ أن ذلك الطفل ويدعى أسامة، قد لحق بأخوته مفارقا الحياة، ويقول إن من نجا من أطفاله فقط هو عمر ابن الخمسة أشهر، حتى لا يبقى وحيدا في الحياة، وفي مشفى الشفاء، احتضن طفله الرضيع، ليعود معه بشريط ذكريات طويل جمع باقي أقراد الأسرة، قبل الرحيل، ولا يزال هذا الرجل يكرر جملته “ماذا فعل أطفالي لإسرائيل لكي تقتلهم”، ويتساءل إن كان هناك عدل دولي يقاضي من تسبب في المجزرة.

ووقت القصف، كان هذا الرجل وخال أبنائه الذي فقد هو الآخر أولاده وزوجته خارج المنزل، وهو ما نجاهم من موت محقق، وقد تفاعلت قصة تلك العائلة بشكل كبير في قطاع غزة، ولاقت تعليقات كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشر السكان صورا للأطفال الضحايا بعد انتشالهم من تحت الركام، كما جرى التركيز على أصغرهم عمر ابن الخمسة أشهر الذي بقي على قيد الحياة، بعد أن نجا بأعجوبة من الموت الذي غيب أشقاءه وأمه، وذلك بعد أن ظهر الطفل الرضيع عمر، وهو بين يدي الطواقم الطبية في المشفى، وعلى وجهه آثار دماء من الجروح التي أصابته بسبب القصف.

أجسادهم مزقتها الصواريخ بعد أن قتلت أحلامهم وقطعت قلوب الأقارب والمحبين 

وبشكل كبير تأثر المسعفون الذين هرعوا لانتشال أفراد أسرة أبو حطب، من هول المشهد الذي شاهدوه هناك، فرغم أن تلك الطواقم رأت في مسيرة عملها الكثير من الأحداث الدامية والمجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال، إلا أن أحد المسعفين انهار لحظة إدخال الأطفال إلى ثلاجات الموتى، وأجهش بالبكاء، وبدأ يضرب بقبضة يده جدران المكان، قبل أن يغادره على عجل.

يشار إلى أن تلك الغارة  الدامية، أسفرت عن استشهاد سيدتين وثمانية أطفال، كما أدت إلى إصابة العشرات بجراح، وإلى تدمير المنزل المستهدف بالكامل، ووقوع أضرار في منازل أخرى.

وقد أدانت منظمة العفو الدولية “أمنستي” مقتل الأطفال الثمانية، وقالت إن الحادثة تتسق وسياسة العقوبات الجماعية ضد الفلسطينيين التي تنتهجها إسرائيل.

مجزرة قتلت الأحلام 

ولم يطل أمد تلك المجزرة، حتى ارتكبت قوات الاحتلال واحدة أعنف منها، راح ضحيتها 42 مواطنا، من عوائل الكولك وأبو العوف واشكنتنا، وبعض جيرانهم، حين استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية منازلهم الواقعة في شارع الوحدة بمدينة غزة، فحولتها في ثوان معدودة وبدون سابق إنذار إلى رماد.

في تلك المنطقة لا تزال رائحة الموت تغطي المكان، فمن كتب له النجاة من الجيران، يعيش الصدمة بكل معانيها، هناك تدمع العيون بمجرد تخيل المشهد، الذي كان فيه السكان آمنين في منازلهم، قبل أن تتساقط عليهم الصواريخ وتحولها إلى ركام، وتضرب بعنف الشوارع المحيطة، لتمنع وتعيق وصول عربات الإسعاف والإنقاذ.

في تلك المنازل انهارت الجدران، وبقيت الذكريات حاضرة، لدى الأقارب والجيران، ومن كتب له النجاة من تحت الأنقاض، وخطف الموت فجأة أحلاما كبيرة، لشاب كان يحلم بمستقل عملي فخطفه الموت، ولشابة كانت تستعد ليوم فرحها، وتنسق بشأنه مع صديقاتها، ولطبيب أبدع كثيرا في علاج مرضاه، ولأطفال مثل آدم الكولك، ويحيى اشكنتنا أبناء الثلاث سنوات، الذين لا يعرفون من حياتهم سوى اللعب، والخوف من أصوات الصواريخ والقصف، قبل أن تنتهي حياتهم بفعل آلة الحرب الإسرائيلية.

إحدى السيدات القاطنات في الحي المستهدف، وقد نجت من القصف، قالت وهي تذرف الدموع، وتراقب المنازل المستهدفة “حسبنا الله ونعم الوكيل.. ما تركوا أشي نزلوا العمارة على إلي (من) فيها”، وتشير إلى أن القصف نفذ دون أي إنذار، فيما بدا الانهيار واضحا على أطفال الحي، وبدا الخوف يعتلي وجوههم، فهم لا يأمنون بعد نجاتهم في المرة السابقة أن يتعرضوا لمجزرة جديدة، خلال العدوان.

البوست الأخير 

وقبل استشهادها وفي دلالة على هول الموقف، والخوف من القصف، كانت الشابة ريهام الكولك كتبت على صفحتها على موقع “فيسبوك”، “يا رب سلم”، وقبل الاستهداف بيومين كتبت تلك الشابة “يا رب رحمتك، يا رب سلم”.

ويشرح أحد أفراد عائلة أبو العوف الناجين المشهد لـ”القدس العربي” بكلمات قليلة إذ ما زال الألم يعتصر قلبه، بسبب الفاجعة، ويقول “الضرب والقصف كان كبيرا ومتواصلا” ويتابع “راح الأهل وراح الجيران”.

وقد أعلنت وزارة الصحة بعد ساعات من عمليات الإنقاذ وإخراج الضحايا من تحت الركام، أن حصيلة تلك المجزرة بلغت 42 شهيداً من بينهم 16 سيدة و10 أطفال.

وأكدت الرئاسة الفلسطينية، أن الجرائم البشعة التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي، تعد “جريمة لا يمكن السكوت عليها”، وقالت “أي دعوات بأن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها هي تحريض على استمرار القتل، وضوء أخضر للعدوان واستمرار عمليات التهجير وتدمير الممتلكات وتشريد المواطنين، وتشجيع للعنف والتطرف ضد الشعب الفلسطيني”.

من جهته قال أحمد أبو هولي، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، إن “المذابح التي ترتكبها حكومة الاحتلال الإسرائيلي، لن تكون الأخيرة “في ظل صمت المجتمع الدولي”، مؤكدا أن ما حصل يعكس وحشية وحجم الإجرام الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني، مشددا على أن هذا الأمر “يستوجب تدخلا عاجلا من المجمع الدولي لوقف هذا العدوان الوحشي ومحاكمة قادة الاحتلال الإسرائيلي على جرائمهم بحق شعبنا في المحاكم الدولية”، وطالب المحكمة الجنائية الدولية بسرعة فتح تحقيق جنائي في “جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية”، التي ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني الأعزل.

وقال مفوض العلاقات الدولية في حركة فتح روحي فتوح، إن ما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي هو “مجزرة حقيقية وجريمة حرب بتعليمات مباشرة من نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة”، لافتا إلى أن إسرائيل استخدمت أسلحة محرمة دولياً واستهدفت المدنيين العزل دون أدنى رحمة.

وقالت حركة حماس معلقة على ما جرى، إن المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل ضد المدنيين تعد “جريمة حرب مكتملة الأركان، وتعكس حجم بشاعة الإرهاب الذي يمارسه الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني”، وقال الناطق باسم حماس حازم قاسم “هذه الجريمة تعبر عن عجز الاحتلال في مواجهة المقاومة في غزة والضفة الغربية والقدس”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية