المناظرات مع اليمين المتصهين: تجربة عبد الوهاب المسيري نموذجا

تُعَدّ المناظرات فنا حواريا في الأساس، لا يمكن دراستها إلا بشكل تكاملي، لتفكيك أبعادها، والوقوف عند مفاهيمها، ومعرفة تشابكاتها، وقراءتها ضمن معطيات الإنسان الفرد، والإنسان الجماعة، والإنسان الوطن، والإنسان الثقافة، والإنسان الدين، والإنسان الحضارة، والإنسان السياسة.
وسنلاحظ أن لفظة الإنسان ثابتة، ويتغير معها عنصر، ذلك أن الإنسان هو كل ما سبق، وما هذه العناصر إلا تجزئة لكل، وفروع من أصل، والتجزئة لا تعني تفكيكا، بقدر ما تعني تسهيلا للدرس، لأن الكل وهو الإنسان يظل وحدة، لكنها تستعصي على التفسير والبحث.
فالمناظرة تعبر عن ذوات المتناظرين، لذا، من المهم النظر إلى مكوناتها، والوقوف على ظواهرها، ودراستها في ضوء الإنسان الفرد من ناحية، والجماعة الإنسانية – صغرت أو كبرت ـ من ناحية أخرى، لتتضح الصورة وتنضج. ولنا في تجربة عبد الوهاب المسيري نموذجا في مناظراته مع الصهاينة، إبّان إقامته في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث واجه ادعاءات الصهاينة بمقولات مثبتة وموثقة، صادرة عن قادة صهاينة أو ليهود عاشوا في الغرب، يدين من خلالها التصورات الرومانسية التي يروّجها أنصار إسرائيل، عن دولتهم الوليدة، التي تعيش في مجتمع عربي دموي محارب لها، وأنها راغبة في السلام والعيش باطمئنان. كما يتوقف المسيري عند مواقف عديدة جمعته مع اليهود، وقد أدرك من واقع خبراته معهم، ضرورة أن تكون مواقفه الحوارية مسلحةً بالمعرفة والحنكة وسرعة البديهة. فعلى سبيل المثال، عندما قالوا له بتقريرية وفخر، بعد حرب يونيو/حزيران 1967: إن العرب هزموا، وعليهم تقبل الحقيقة، كان يرد أنا على استعداد كامل لتقبل هذا المنطق الدارويني المتوحش، شريطة أن يفعلوا هم الشيء نفسه مع هتلر الذي دحرهم وسحقهم وأبادهم، فكادوا يصابون بالذهول، على حد تعبيره، لأنه لا يرد بشعارات وحماسة وإنما بمنطقية.
هذا نموذج لمناظرة بين نِدَّينِ- مع الفارق في الحالة النفسية والسياسية لكل منهما- الند الأول: عربي مسلم مهزوم يعيش في أمريكا المناصرة لإسرائيل، والند الثاني: أفراد من اليهود والمتصهينين، المناصرين للمشروع الصهيوني، في وقت كانت الدعاية الصهيونية في أشد حالات صعودها، وهم ارتكزوا على واقع اللحظة باستعلاء اليهود واحتلالهم لأراض خمس دول عربية في أيام ستة. لجأ المسيري إلى التاريخ، ليكون دليلا دامغا على أن النصر آت، وأن الأيام دول، فماذا هم قائلون بعد هولوكوست هتلر معهم، وهي حقيقة لا جدال فيها، فهل بعدما أباد الآلاف منهم، ومن نجا فرّ، هل استسلموا؟
في الليلة الأخيرة من وجود المسيري في الولايات المتحدة عام 1969، وافق على مناظرة مع جوزيف ناير، وهو من أكبر الأكاديميين المتخصصين في فلسفة أوغست كونت في الغرب، وأحد المؤيدين للمشروع الصهيوني، فقدم له المسيري توثيقا لأربع عشر مذبحة صهيونية قبل مذبحة دير ياسين وبعدها؛ وبيّن للسامعين أنه نمط متكرر للعدوان الصهيوني، وليس حادثة استثنائية. ثم فنّد أكذوبة هرتزل، بأنه لم يطالب بطرد العرب فأشار المسيري إلى صفحات بعينها في يوميات هرتزل، تدعو إلى طرد السكان الأصليين، وهذه اليوميات كتبها في سنواته الأخيرة.
وهنا، سقطت عقلانية الأكاديمي ناير واهتز تماماً، ولم يتمالك نفسه، بل تحرّك إلى مقدمة المسرح، موجها حديثه إلى الجمهور، وصرخ بصوت وثني بدائي – على حد وصف المسيري – وقال: هذه هي حقوق الشعب اليهودي المقدس وسندافع عنها بحد السلاح، ولن يوقفنا أحد» فيعلق المسيري: «دهش الحاضرون من هذه الوثنية المسلحة، وصُدِم بعض طلبته من اليساريين مما حدث، وعرفت وأنا في ليلة عودتي إلى مصر أننا أمام عدو بدائي شرس، يحمل أسلحة متقدمة فتاكة، وما الأكاديمية إلا غطاء، إذا انكشف عنهم انفضحت حقيقتهم.
إنها مناظرة بين أكاديمييَنِ، لكنها كشفت عن المخالب التي يضعها مناصرو الصهيونية خلف خطابهم الأكاديمي، وقد برزت عندما وجد حجج المسيري قوية دامغة موثقة، فليس أمامه إلا التمسك إلى النخاع بقناعاته، وترديد الشعارات النمطية نفسها التي يذيعها اليهود ومن ناصرهم.
المفارقة في تجربة المسيري أيضا، أنه أتيح له أن يظهر مرتينِ في مناظرة تلفزيونية مع حاييم هيرتزوج رئيس إسرائيل السابق. وكان يشغل وقتها رئيس وفد بلاده في هيئة الأمم المتحدة. وقد بدأ هيرتزوج مناظرته بالإشارة الساخرة إلى هذا الشاب المجهول (المسيري) الذي أرسل به العرب، ليناقشه، وكان الحديث يدور حول الذكرى العاشرة لحرب 1967، وكانت استراتيجية هيرتزوج هي إغراق الجمهور في سرد المعلومات والتفاصيل العسكرية، عما حدث في هذه الحرب، باعتباره جنرالاً سابقاً في الجيش الإسرائيلي. فاتبع المسيري استراتيجية مختلفة تماماً، ألا وهي الحوار من خلال الحركة التاريخية العامة، فحينما كان يتحدث هيرتزوج عن حركة الدبابات الكاسحة وهجوم الطائرات المباغتة، كان المسيري ينحو بالحديث منحى آخر، فيتطرق إلى فشل الإسرائيليين الذريع في الاستقرار في المنطقة، فلا جذور لهم في الأرض، ولا مكان لهم بين الشعوب العربية. فما يتفاخرون به اليوم، هو ضد حركة التاريخ الإنساني، أي أنهم نبت غرسه الاستعمار الكولونيالي، وما هم إلا مجرد أداة. وكما قال أحد الساسة الأمريكيين: إن إسرائيل توفر علينا تكلفة عشر حاملات طائرات كان علينا وضعها في البحر المتوسط لحماية مصالحنا في الشرق الأوسط، فهم يدفعون بدمائهم ثمنا لزرعهم.
ونقول ختاما، من الضروري مناقشة «المناظرة» بوصفها بنىً وطروحات، وتأثيرات ومؤثرات، وغير ذلك من زوايا البحث، على أن يكون على قاعدة النقاش النظري المتكامل، المؤسس لأرضية صلبة يمكن الوقوف عليها بعدئذ لدراسة المناظرات في أبعادها الثقافية والحضارية والدينية، والنفسية والتربوية والمجتمعية.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية