الذاكرة الضائعة للرواية في الخليج العربي

لا يزال خطاب الرواية، في الخليج العربي، مشغولا بهم التأصيل، أو الهوية، أو أصالة الشخصيات (كما اعتدنا على تسمية هذه اللحظة المستعصية على الإلغاء). لكن توجد عدة محاولات ناجحة لتحويل التكرار غير المجدي إلى نفي ما هو غائب، ولتحويل النشاط السالب في الجوانب الثابتة إلى تمثيلات موجبة. وربما كانت رجاء عالم أفضل من يمثل هذا الأسلوب، فقد اختارت لأعمالها مفردات وعناصر من الماضي بسياق متبدل. بمعنى آخر أعادت قراءة الذاكرة القديمة لتصنع من عناصرها ذ اكرة راهنة، كما فعلت في «نهر الحيوان» 1994 أو «ستر» 2005 و«خاتم» 2012 ، فقد لجأت فيها للحيلة الفنية المعروفة وهي الكولاج، وبذلك استغنت عن أهم عنصر من ذاكرتنا القديمة وهو التسلسل. ولتعويض هذا الفراغ لجأت لطريقة من اثنتين.
1 تطويع المألوف والتقليدي ليعبر عن حداثة فوق واقعية، أو حداثة تفكير وتأملات، يحول الواقع الافتراضي إلى ذاكرة. وكانت تنتقي أو تنتخب ما يساعدها على تمرير مبدأ الأنوثة في مجتمع يتحكم به الآباء. وحرصت على إعادة تدوير لمبدأ الأنوثة.،فقد أضفت على كل شيء مذكر وجارح صفة حامية ومانحة. «خاتم» مثلا كانت شخصية ذات وجهين هما: رذائل وخطايا عالم هلال (إله العالم السفلي) ونظافة ونقاء عالم سند (الملاك الطاهر الذي يشبه الأحجار الكريمة) ولذلك استحقت أن يقول عنها الراوي إنها : طويلة كشهقة الرمح، جميلة كالولد المليح، بنت بثياب ولد، خيزرانة، إلخ…
2 الطريقة الثانية هي في دمج اللحظة السابقة مع ظروف الانتقال الحضاري. وهكذا يتبدل وعي الشخصيات بوجودها، أو بطريقة إسقاط ما هو غير منظور على ما هو حي ومرئي، دون التضحية بمنطق الحضارة الجريحة. وكان الجرح الحضاري في تجربتها مزدوجا، أو أنه بوجهين أيضا. أحدهما مأساوي يشعر بالجزء المفقود من الذاكرة الأصلية، والآخر وجودي يشعر بالجانب القسري للمنطق، بعكس ما فعلته زميلاتها أمثال زينب حنفي وصبا الحرز كان النفي لديهما صداميا وعدميا لذلك هو يحتمل النكوص وبالأخص في حالة الحرز. بعد تحرر الوعي من السقوط أمام الطبيعة التقليدية، اضطرت للتصالح معها بسبب عبثية أي مشروع مقاومة.
ومن هذه النقطة تبدأ تجربة عبده خال مؤلف «ترمي بشر» 2009ثم مؤلف «الطين» 2003 و«الأوغاد يضحكون» 2003 وسواها. وتبدو لي ذاكرة خال داخلية وتركز على سبر معاناة الأفراد، ولذلك لا يمكن أن تتعايش مع البيئة أو الواقع الخارجي إلا من خلال رؤية الشخصيات، ومن خلف زجاج وجدانها العازل. وهذا هو سر اللعبة الفنية لديه، إنه يسعى بكل ما أوتي من قوة لكسر العتمة الفولاذية، مع ذلك يبدو أن التخبط بالظلام هو القدر الوحيد الممكن أمامه، حتى إن افتتاحية روايته الصغيرة «نباح» 2007 تبدأ بصورة لمدينة عدن «النائمة تحت لحاف الليل، مثل امرأة مسلوبة الإرادة والبكارة». وتنتهي بصورة «طائرة تحلق خلف جدار عازل يخفي عن النظر كل المشاهد». ولا أريد أن أقول إنه يشبه كافكا في هذه الصفة، إنما هو أقرب لموقف لا أدري. فهو لا يريد أن يحترق بقوة النور الساطع، ويهرب من هذه المأساة بالتأجيل، ويسمح لشخصياته وكلها مسلوبة الإرادة، بالدوران حول موضوعاتها. فالقصر في «ترمي بشرر» واقع عياني موجود، لكن الدخول إليه واقع ممكن ومؤجل، حتى أن مستهل الرواية يبدأ باعتراف البطل أنه دائما لديه «فكرة قائمة يمكن تنفيذها في الوقت المناسب» ثم يضيف لتوضيح ماذا يقصد: «كنت كالطائرة الورقية أحلق في الفضاء، وخيط رفيع يمسكني».
وربما هذا هو اختيار الإماراتية ميسون صقر في روايتها « في فمي لؤلؤة» 2016 وهي رواية ملحمية توظف المبالغة في الحوار والأداء لتكشف عن الخلاف النوعي بين الذاكرة والواقع. فهي ذاكرة ضيقة ومأزومة لا يمكنها أن تستوعب دراما الواقع البانورامي، وبخلاف كل من سبقها تلجأ صقر لتسليط الواقع على الخيال، فهي تقيد التخيل بالمنطق والنتائج بالأسباب، وبكلمة مختصرة إنها تكتب حكاية بشكل روائي. وهذا يعني أنها أقرب الجميع لمفهوم الرواية بالمعنى الكولونيالي المتفق عليه. إن مشروع «في فمي لؤلؤة» مشروع وطني حرر الوجدان الفني للرواية في الخليج مثلما كان يدعو لتحرير الواقع النفسي للشخصيات، لتكتشف موقعها في المجتمع. وإذا كانت الفكرة الأساسية للرواية هي الإبحار بالمراكب في عباب المحيط، ثم غوص البحارة في الأعماق لاستخراج اللؤلؤ، فهي في الوقت نفسه، إنما تصطنع إسقاطات موضوعية، وتنجح لأبعد حد باكتشاف الجوهر النضالي في كل إنسان بسيط. إن البحارة في الرواية لا يبحثون عن لؤلؤتهم فقط، وإنما عن جوهرهم الضائع، أو بذرة روحهم المقيدة والمفقودة لتحريرها من الذاكرة الضيقة.

إن مشروع «في فمي لؤلؤة» مشروع وطني حرر الوجدان الفني للرواية في الخليج مثلما كان يدعو لتحرير الواقع النفسي للشخصيات، لتكتشف موقعها في المجتمع.

وإذا اختارت صقر شكل الرواية الكولونيالية فقد حرصت على تفريغها من أي مضمون عنصري وغير تاريخي. وتعبر عن هذه الفكرة بمقولة جاءت في الخاتمة وعلى لسان مولانا جلال الدين الرومي : «كل ما ينتمي إلى الماضي، ذهب مع الماضي، وينبغي الآن أن نحكي أشياء أخرى» ثم تضيف على لسان بطلة الرواية: «لا توجد جوهرة جميلة في المتاحف، ما أجملها حين تكون حول عنق أمي».
تبقى عدة ملاحظات لا بد منها:
أولا: الذاكرة الخليجية ليست محصنة ضد مشاكل الشرق الأوسط، والتي تهتم بالمشكل الاجتماعي والسياسي قبل المشكل الحضاري. ومهما حاولت أن تعزل نفسها تجد أنها متداخلة بهم مناطقيا، سواء بسبب التجاور مع مناطق تصعيد توتر كاليمن التي فرضت تحولا أساسيا في فهم ومعالجة وحدات السرد والدراما على السعودية والإمارات، أو كإيران التي أثرت في علاقة الفن في الخليج مع العراق.
ثانيا: إذا كان المشرق بشكل عام يضخ موجات متعددة من الهجرات والنزوحات الكبيرة بسبب الكوارث والحروب، فالخليج أيضا ضخ عدة موجات هجرة إنما في المكان. والدليل على ذلك هو نزوع النوستالجيا الملحوظ في أعمال العماني محمد عريمي على سبيل المثال. ويمكن أن تفهم من رواياته أن الخطاب اغترابي ويخترقه الاستلاب الوجداني من عدة جوانب. من ناحية الطبيعة التي تبدل وجهها الحقيقي وتكتفي بقناع الحضارة الحديثة. ومن ناحية الهم الذي يبدو مريضا أو عليلا، ولا يمكنه أن يتقدم في مسرح الأحداث وإنما يتنقل بواسطة كرسي متحرك. وإن ما نقرأه بشكل صراع تقليدي بين البادية أو الطبيعة والإنسان هو في الحقيقة تعبير عن تحويل للصور الثابتة، أو وضع الجزء الثابت من الهوية داخل عربة تتحرك. والمشكلة برأيي هي مجرد ترجمة لمشروع السرد كله، والانتقال من مرحلة الحكاية والسيرة، أو مراقبة المكان ومراقبة الذات، إلى إنتاج مدينة يمكنها أن تستوعب المعنى الفلسفي للرواية.
وهناك ملاحظة أخيرة عن وهم الشخصيات في ما يتعلق بمشكلة الحضور والغياب. إنها تعتقد أن العالم كله موجود، والحقيقة هي الغائبة. وربما هو غياب غير مرضي أو غياب ضروري، فبفضل هذا الوهم تحقق التوازن النفسي مع مارد القمقم، وتتجنب أهوال الحروب الأهلية التي مزقت العواصم التقليدية للمشرق، وعلى رأسها بغداد والقاهرة ودمشق. فخراب الواقع تحصيل حاصل بسبب عجز الحضارة عن التفاهم معه، وهو الدرس الذي تفيدنا به أعمال تتراوح بين الاجتماعي كما في «دمشق الجميلة» لأحمد يوسف داود، والتاريخي كما في «عزازيل» ليوسف زيدان، أو الحضاري وهو موضوع «واحة الغروب» لبهاء طاهر، في حين أن تغييب هذا الواقع وإسدال ستارة فوقه يحول بيننا وبين الاعتداء عليه. وبطريقة حسابية بسيطة غياب جسم الجريمة لا يعني عدم وقوعها. وهو فرق أساسي بين مشروع الخليج ومشروع البقية. فالخليج يعمل على محورين: دولة المدينة ودولة الأمة. بينما البقية في مرحلة حساب خوارزمي لمشكلة لا يبدو لها أي حل، وهو جدل الأمة والدولة أو الواقع والخيال. وقد وضع هذا الجدل الرواية العربية أمام نفسها. ويكفي أن نعلم أنها بدأت من رؤية واقعية للتاريخ ثم رؤية تاريخية للواقع. بينما تطورت في الخليج بالمقلوب. بدأت من وعي غيرها، وانتهت باكتشاف نفسها. وقد عبر محمد حسن علوان في آخر أعماله «جرما الترجمان» 2020 بجدارة عن هذه القضية حينما وضع بطله بين نقطتين متعاكستين، الإكراه والإرغام، مغادرة مسقط رأسه في مستهل الأحداث رغما عنه، والقبول والموافقة، العودة لبلده طوعا. ولم تكن تحدوه النوستالجيا الوطنية، المرض الرومانسي الذي يعبر عن قلق وخوف الذات الضعيفة أمام جبروت الطبيعة، لكن لحل مشكلة الفراغات الكثيرة التي يعاني منها كيانه الناشئ الصاعد بلغة الخطاب التعبوي، وعن ذلك يقول: «خلفت ورائي أبوابا مشرعة لا بد أن أعود لأوصدها».

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية