خلقت مواقع التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا التواصل والاتصال نمطاً جديداً من المنافسة بين نجوم الدراما والسينما لم يكن بهذه الحدة قبل وجود المنصات الإلكترونية وتأسيس جماعات وفرق تتولى مهمة المدح أو القدح، بحسب الحاجة والضرورة والأهداف. فقد دأب المتفاعلون مع السوشيال ميديا والمستخدمون لها على إطلاق الأحكام القاطعة المانعة للتأثير على جماهيرية بعض الأعمال الفنية، سواء بالتأييد أو الرفض، وقد بلغت سطوة الكتائب والمنصات الإلكترونية حدودا فائقة في فرض الوصاية، حيث طالب البعض بمنع عرض مسلسلات بعينها بدعوى أنها تخالف قيم المجتمعات الشرقية وتدعو لفساد الأخلاق، وهي بالقطع ذرائع يمكن اختلاقها واستخدامها في الحروب الدائرة بين النجوم بلا معايير موضوعية.
ولعل ما حدث مع مسلسل «الطاووس» بطولة جمال سليمان وسهر الصايغ، كان دالاً بشكل كبير على قوة تأثير الكتلة الجماهيرية الافتراضية التي باتت تتحكم في نوعيات ما يتم عرضة درامياً وتعمل على فرض الرقابة بشكل إجباري لتفويت فرصة العرض والمنافسة على المرفوض من وجهة نظرها. فالمطالبة بمصادرة المسلسل المذكور ورفعه من الخريطة الدرامية جاءت بناءً على وجود بعض المشاهد التي رأى أهل الضبط والربط من الرقباء الجدد أنها مشاهد تتسم بالجرأة ولا ينبغي عرضها على الجمهور. ولم يلتفت أي من المعترضين إلى السياق الموضوعي الذي وردت فيه المشاهد الجريئة بحسب وصفهم.
ولو أن قادة المنصات الإلكترونية نجحوا بالفعل في فرض إرادتهم وتمكنوا من حجب مسلسل «الطاووس» كما كان مخططاً لكانت الأزمة قد اتسعت وشكلت خطورة كبيرة على مستقبل الصناعة الدرامية في ظل وجود مقاييس فردية تستهدف بالأساس تعطيل الحركة الإنتاجية وتقويض العملية الإبداعية، ولكنها تستخدم المعيار الأخلاقي كسلاح للحيلولة دون تزايد معدل المسلسلات والأعمال الفنية.
الإشكالية الأخرى في وجود النشاط الزائد للمنصات الحرة بالمواقع الإلكترونية، تكمن في خلق الصراعات وتنظيم الحملات للطعن في كفاءة الممثلين والممثلات وتسفيه قدراتهم، بل ووصفهم أحياناً بأوصاف خارج نطاق التقييم الموضوعي ومعظمها يتصل اتصالاً مباشراً بالأحقاد الشخصية، وهو ما يعيب وجهات النظر ويفقدها مصداقيتها، وللأسف أن من بين ما يستخدمون الخطاب الهجومي العاري تماماً من اللياقة، بعض النجوم أنفسهم الذين يطلقون الشائعات ضد زملائهم من الممثلين والمخرجين والمؤلفين ويدفعون بالشباب من هواة القنص عبر المنصات إلى ضرب نجم أو نجمة للتأثير على شعبيتهما وهو ما يعد تجاوزاً صارخاً للخطوط الحمراء وانتهاكاً للأعراف المهنية والفنية والأخلاقية. العجيب أن هناك نجما قدم بطولة مشتركة في مسلسل اتسم إلى حد كبير بالعنف والغلظة، تُخصص له ميليشيات الصحافة الإلكترونية مساحات واسعة للمدح والإكبار وتعظيم الشأن والمقدار ليظهر بمفرده دون بقية الأبطال كأنه النجم الأوحد الذي حمل على كاهله مسؤولية المسلسل، علماً بأن دوره كان شديد الضعف والتهافت، فضلاً عن أن موضوع المسلسل ذاته جاء مُحاطاً بعشرات الأسئلة وعلامات الاستفهام، فهو لا يقدم نموذجاً للحارة المصرية ولا أهلها ولا مشكلاتهم وإنما يطرح صورة مشوهة لمجتمع آخر تقع فيه الجرائم بشكل دوري كأن الحارة لا يسكنها سوى البلطجية والخارجين على القانون فقط!
ومن السمات الرئيسية لبعض المنصات، الهجوم المبالغ فيه على محمد رمضان وخلط الأوراق المُتعمد بين مستوى ما يقدمه من أعمال درامية وبين سلوكياته الشخصية التي يرى المهاجمون أنها تستدعي النيل منه والتقليل من تأثيره، وهو أمر يمكن رده إلى محاولة رمضان تحقيق التميز في كل عام وحرصه على أن يكون في صدارة المشهد كنجم وبطل وهو ما يمثل استفزازاً قوياً لبقية الأبطال المنافسين.
الحرب لا تختص فقط بالنجوم الشباب، لكنها تمتد للنجمات أيضاً فهناك من يتحامل على بطلة معينة لصالح بطلة أخرى كي يُضعف من تأثير الأولى التي ظهرت فجأة في دور متميز وصار لها شكل وشخصية وطريقة أداء مختلفة، وربما تأتي دينا الشربيني على رأس قائمة المُستهدفين من الهجوم كونها حصلت على بطولة كبرى في مسلسل «قصر النيل» وأثبتت جدارتها للعام الثاني على التوالي كممثلة لديها مهارات وقدرات بغض النظر عن مستوى المسلسل وأهميته، وكذلك ريهام حجاج التي لعبت في هذا الموسم بطولة مُطلقة وقدمت دورا لا بأس به في مسلسل «كل ما نفترق» مع أحمد فهمي وعمرو عبد الجليل، لم تنج من وخز النقد الحاد واللاذع في معظم الصفحات في المواقع الإلكترونية المخصصة للهجوم وتصفية الحسابات!
الأمر في جُله يشكل خطورة ويبعث على القلق، لا سيما في ظل تفاقم الظاهرة وعدم وجود ضمانات قانونية تمنع التعدي الصارخ على الحرية الإبداعية وتحافظ على التنوع الثقافي بغير اللجوء إلى أسلحة الاتهامات وتهديد السمعة وتسفيه القيمة الفنية ونشر الشائعات.