لمى المولى: محاولات لتخطي الصعوبات عبر تشارك الفضاءات والموارد والتفكير الجمعي

زهرة مرعي
حجم الخط
0

«صندوق التضامن مع لبنان» يدعم 43 مؤسسة وفضاء ثقافيا ويمنع انهيارها

بيروت-»القدس العربي»: عانت المؤسسات والفضاءات الثقافية في لبنان من الانهيار الاقتصادي الذي أطلّ برأسه في نهاية صيف 2019. ومع بدايات 2020 داهمت جائحة كورونا العالم، وحجرت الناس وزاد الحال سوءاً. وفي الرابع من آب/اغسطس من العام نفسه حدث تفجير المرفأ المدمر ليقضي على البنية التحتية لعشرات المؤسسات الثقافية المنتشرة في محيطه، وفي مدينة بيروت بكاملها. إذاً في أقل من عام كانت المؤسسات الثقافية تتلقى الضربة تلوى الأخرى، وبخاصة العاملين فيها من إداريين وفنانين.

في أيار/مايو من العام 2020 أعلنت مؤسستا المورد الثقافي والصندوق العربي للثقافة والفنون – آفاق عن تعاونهما لدعم الكيانات الثقافية والفنية في ظل الانهيار الذي فاقمته الجائحة. ومن خلال هذا التعاون دُعمت 23 مؤسسة فنية وثقافية في كافة أنحاء لبنان. وعندما داهم التفجير الجميع بنت المؤسستان الثقافيتان الرائدتان في الوطن العربي على تعاونهما الأول، ووضعتا مخططاً يعالج انعكاسات التفجير على المؤسسات الثقافية، والأزمة الاقتصادية المتصاعدة. وهكذا دعم «صندوق التضامن مع لبنان» في دورته الأولى 208 من العاملات والعاملين في القطاع الثقافي ممن تأثروا بالتفجير. ومؤخراً أعلن عن دورته الثانية التي دعمت المؤسسات الثقافية والفنية والفضاءات على امتداد الأراضي اللبنانية. هو دعم طال إعادة الإعمار والترميم، والدعم المؤسسي، والدعم البرمجي. واستفادت منه 43 مؤسسة وفضاء ثقافيا.
سألت «القدس العربي» المعنيين في بعض المؤسسات الثقافية التي نالت دعماً: «كم يشكل هذا النوع من الدعم المالي سنداً؟ وهل يمنع الانهيار فقط أم يأخذ بيدكم إلى الأمام؟»

المؤسسات: بالتأكيد أتاح الاستمرار وتنفيذ مشاريع

مجموعة ناشطين في ميدان السينما أسسوا سنة 2007 «مجتمع بيروت السينمائي» وفي سنة 2017 حصلوا على علم وخبر وصارت لهم صفتهم الرسمية. يقول رئيس الجمعية سام لحود: عندما لم تكن لنا صفتنا الرسمية كنا نعمل لتنظيم مهرجانات سينمائية أبرزها «مهرجان جامعة سيدة اللويزة للفيلم القصير». كما نظمنا العديد من ورشات العمل للتدريب على الـ»أوديو فيزوييل». وبالعودة إلى صندوق التضامن مع لبنان فهو يقوم بحاجتين بالنسبة لنا، أولها الدعم المؤسساتي بخاصة ورواتب بعض العاملين. وثانياً دعم البرامج التي سنقوم بها، فنحن نعمل لوضع هيكلية لنشاط ثقافي سينمائي، ومن ثمّ نسعى لإيجاد التمويل لنباشر. وإذا توقف التمويل يتوقف المشروع، ويصبح العاملون فيه عاطلين عن العمل. نسعى كجمعية لإيجاد فرص عمل ولو مؤقتة للخريجين الجامعيين الجدد. والدعم المادي الذي تلقيناه من صندوق التضامن مع لبنان سيساعدنا في تنظيم «مهرجان سينما المرأة» و»مهرجان بيروت لسينما الطفل والعائلة» و»مهرجان الفيلم القصير». كما سيساعدنا هذا الدعم لتنفيذ أنشطة تدريبية للأطفال في المناطق بهدف مساعدتهم على التعبير، حيث ننفذ حالياً نشاط «فتيات من أجل التغيير». وبرنامج «بيروت ماي تشايلد» المختص بالصور المتحركة.
ويخلص سام لحود للقول: من المؤكد إن هذا الدعم أتاح لنا الاستمرار خلال العام 2021 والعام المقبل، فينال العاملون أتعابهم، ونستمر في تنفيذ المشاريع. ونحن ننظر بإيجابية كبيرة إلى تضامن المجتمع الدولي الاجتماعي والإنساني مع لبنان، ورفضه أن تنهار مؤسساته وفضاءاته الثقافية. وهذا ما يمدنا بالدعم المعنوي للاستمرار قبل الدعم المادي.
حسين نخّال من مؤسسي جمعية «ورق» في سنة 2012 ومسؤول الإدارة الفنية، يقول: تُعنى «ورق» بالتجريب الفني في مجالات الرسم والتصوير والكتابة. ونشكل فضاء ثقافياً عنوانه «بيت ورق» ومقره رأس النبع ـ بيروت. ومن خلاله ندعو الفنانين لتقديم إنتاجات مختلفة، واستخدام أدوات الطباعة كما الطباعة الحريرية وغيرها. أول المشاريع حمل عنوان «بيت ورق» وهو المكان الذي يضم مشاغل فنية وسمح لنا بإطلاق كافة نشاطاتنا.
ويتابع حسين نخّال: مع ما يحدث في فلسطين لم يعد ممكناً لي تقييم أي دعم دولي نتلقاه كمؤسسات ثقافية. فنحن في لبنان لسنا منفصلين عن ما تشهده منطقتنا برمتها. تقدمنا بطلب للحصول على الدعم رغبة بالبقاء والاستمرار في نشاطنا، ولتنفيذ المشروع الذي نؤمنه به. ومن المؤكد أن هذا الدعم يساهم باستمرارية المؤسسات الثقافية، ولا سبيل سواه الآن.
«موسيقيات» فضاء ثقافي يعمل لترويج الموسيقى الكلاسيكية ولتكون في متناول الجميع. بدأت جمعية «موسيقيات» عملها قبل أربع سنوات بحسب الموسيقي وأحد المؤسسين سليمان قرباني. قال: ننظم نشاطات مشتركة بين موسيقيين لبنانيين وأجانب يزورون لبنان، وهي مجانية بالكامل. والهدف أن تصل هذه الموسيقى لكل من يرغبها. تأسست «موسيقيات» في بلدة بعبدات المتنية من قبل مجموعة موسيقيين ينتمون للبلدة. كنيسة البلدة وصالتها تشكلان فضاء عروضنا الموسيقية. وقصد الجمهور حفلاتنا من أبعد المناطق اللبنانية. الدعم الذي تلقيناه مدّنا بالمعنويات. ووجدنا من يؤمن بحضورنا ودورنا كفضاء ثقافي، وخاصة في هذه الظروف الصعبة. دعم أمّن استمراريتنا، وسيتيح لنا تنفيذ برنامجنا تباعاً.

صندوق التضامن: التحديات كبيرة والتغيير للأفضل ليس سريعاً

سألت «القدس العربي» منسقة صندوق التضامن مع لبنان لمى المولى عن قراءتها للوضع الثقافي في لبنان من خلال الملفات التي تمّ تقديمها طلباً للدعم؟
قالت: في حين أن العديد من المؤسسات الثقافية والفضاءات الثقافية أغلقت في أواخر عام 2019 أبوابها تضامنًا مع المتظاهرين/ات المحتجين/ات في انتفاضة تشرين، فإن البعض منها حولها إلى مراكز اجتماع ولقاء للناشطين/ات ما أدى سريعاً لأن تواجه مشكلة العجز عن دفع رواتب مجزية، أو تمويل مشاريع وبرامج ونشاطات تمكنها من الوصول إلى الجمهور الواسع. وفي غياب التمويل الحكومي ومحفزات تنمية وتطوير الفنون والثقافة، وفي ظل جائحة كورونا، فإن المؤسسات المتعثرة مالياً في الأصل بسبب الأزمة المالية الهائلة وغير المسبوقة في لبنان، صارت عاجزة عن تلقي الدعم والمنح المخصصة للبرامج والنشاطات. وأصبحت غالبية مؤسسات الثقافة والفنون اليوم في وضع حرج يُخشى معه من خسارة مورد رزق الفنانين/ات والعاملين/ات في الثقافة، وبالتالي إضعاف ساحة الفن والثقافة وهجرة العاملين/ات فيها من فنانين/ات وعاملين/ات. ثم جاء انفجار مرفأ بيروت الذي أودى بحياة المئات، وتهجير الآلاف، وتدمير المنازل وأماكن العمل في مدينة بيروت، وتسبب بخسائر مادية ومعنوية لقطاع الثقافة والفنون. وهذه الخسائر كانت ملموسة في مختلف فضاءات وأماكن ممارسة الفن والثقافة، ولكنها كانت أيضاً واضحة بقوة على مستوى البنى الاقتصادية وشبكات العمل، ومختلف أنواع التراث الثقافي المادي الملموس كما المعنوي غير المادي، ناهيك عن معنويات ومزاج وأرزاق العاملين/ات في هذا القطاع في لبنان.
وأضافت: تواجه المؤسسات العاملة في قطاع الثقافة والفنون جملة تحديات نوجزها بالآتي:
-خطر الإغلاق وهو خطر كبير وحقيقي.
-عدم القدرة على تلقي التمويل الجديد غير المقيد، أو الوصول إليه.
-الحاجة إلى إعادة تصوّر أدوارها وإعادة اختراع عملياتها بطرق تسمح لها بالبقاء على قيد الحياة وبأن تظل ذات معنى.
وعلى الرغم من كل هذا، هناك رغبة قوية بالاستمرار وشعور بإمكانية صنع فرق حقيقي وملموس من قبل الفضاءت الفنية والثقافية. فقد لاحظنا في آخر سنة، من جميع الطلبات التي تلقيناها، وجود سعي لعقد شراكات محلية وإقليمية، مما يبشر بعلامات إيجابية لقطاع الفن والثقافة.
وسألنا لمى المولى: هل تتوقعون حدثاً إيجابياً للمستقبل؟ قالت: لعله من المبكر جداً أو من السذاجة بمكان توقع تغيرات سريعة أو قريبة ولا يمكننا ترك العاملين/ات في قطاع الثقافة والفنون يتحملون وحدهم/ن عبء هذه المسؤولية المهمة والكبيرة، فالإنتاج الفني والثقافي ليس منفصلًا عما يحصل في بلادنا، وصمود واستمرارية هذه المؤسسات والفضاءت يعطي للفنانين/ات والكتاب/كاتبات وغيرهم/ن من العاملين/والعاملات في القطاع، مساحة ضرورية لتقديم وجهة نظرهم/ن وأعمالهم/ن في ظل هذا الوضع القائم. وهذا الاشتباك بين الإنتاج الفني والثقافي والواقع الذي نعيشه، كما المستقبل الذي نتخيله ونريده، هو عمل إيجابي وضروري في هذه اللحظة.
وخلصت للقول: التحديات العاجلة والمباشرة والمتمثلة في الحفاظ على المهارات والكفاءات في البلاد، وفي تفعيل الفضاءات والمساحات والشبكات الموجودة، وفي إعادة التفكير في التراث وكيفية حفظه في ظل هذا الظرف المأساوي لمرحلة ما بعد الكارثة، وفي خلق عمل جديد وأشكال جديدة من التعاون، تشكل أيضاً لحظة مهمة لجماعة أهل الفن والثقافة، لبلورة أولويات ورؤى جديدة في الوقت الذي يجسدون فيه ذلك التضامن الرائع الذي نشهده. ما هو واضح وجلي حتى الآن أن مؤسسات الثقافة والفنون تحاول الخروج من حالة الصدمة وتعمل على التلاقي، لتحديد الأولويات وبلورة الرؤى. وقد بدأت هذه المؤسسات في إعادة تصور دورها وفي التعاون فيما بينها والتشارك في فضاءاتها ومواردها، وفي محاولة مواجهة الأزمة المتعددة الوجوه. وكان واضحاً من الطلبات التي وصلتنا، وعلى الأخص من المقابلات والمحادثات التي أجريناها مع العاملين/ات والممارسين/ات في قطاعي الثقافة والفنون، أنهم/ن جميعهم/ن على وعي بأن الطريق أمامهم طويل وصعب وأنهم/ن مستعدون/ات وجاهزون/ات لإعادة تصور أنفسهم/ن وأدوارهم/ن بطرق بديلة تقاوم هذا الوضع المأساوي القائم وذلك على قاعدة التضامن والتعاون. ولكن ما هو أكثر ضرورة وإلحاحاً في الوقت الراهن هو أن تكون مؤسسات الثقافة والفنون، وفضاءاتها، وأماكنها، ومشاغل الحرفيين، قادرة على الاشتغال من جديد وعلى أن تؤمن أرزاق العاملين/ات فيها، ومقدمي/ات الخدمات لها وكل البيئة والشبكات المحيطة، وأن توفر لهم/ن المطلوب للبقاء ولاستعادة حيوية هذا القطاع. المحادثات والحوارات مستمرّة، ونأمل بعقد سلسلة من الاجتماعات وتبادل الآراء والأفكار مع فضاءات ومساحات ومؤسسات الثقافة والفنون ما يسمح لها بممارسة التفكير الجمعي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية