الفيلم الأمريكي «صوت المَعدَن»: البحث عن مَسَرَّات الحياة بغياب الصوت

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

قائمة الأفلام التي كانت مرشحة لنيل جائزة الأوسكار لعام 2021 تضمنت فيلم Sound of Metal للمخرج داريوس ماردر، وبعد منافسة قوية حسمت الجائزة لصالح فيلم «نوماد لاند « للمخرجة الصينية كلوي تشاو، لكن فيلم المخرج داريوس تمكن من نيل جائزتي المونتاج والصوت، وجوائز عديدة نالها في مهرجانات دولية سبقت موعد الأوسكار مثل جائزة البافتا، والفيلم يستحق ان يحتفى به، لأنه من الناحية الفنية امتلك هاجس الامساك بتفاصيل التحولات التي يواجهها الفنان الموسيقي من بعد ان يفقد السمع، فتتحطم تطلعاته وهو في مطلع مشواره الفني، والحكاية هنا تتحرك بخط واحد بدون ان يكون لها تفرعات ثانوية قد تشتت انتباهنا عن المتن المركزي الذي يدور حول حكاية درامية مشحونة بمشاعر متوترة، محورها شخصية الشاب العازف على آلة الدرامز، التي عادة ما تكون مركز أي فرقة غربية تقدم موسيقى الجاز والروك.
المفارقة الدرامية في السرد تحدث عندما يصاب روبن بالصمم (يؤدي دوره الممثل ريزر أحمد) في اللحظة التي كان يعيش فيها أجمل أيام حياته مع لو شريكته المغنية وعازفة الغيتار (أدت شخصيتها الممثلة اوليفيا كوك) التي اختارت ان تعيش معه داخل سيارة من نوع كارافان، بعد ان وفَّرا فيها كل ما يحتاجان في حياتهما من أشياء، وبواسطتها يتنقلان إلى جميع المدن الأمريكية التي يقيمان فيها حفلاتهما .
سيناريو الفيلم يحسب له انه فرض على المتلقي ان يتقاسم مع الشخصية حالة التوتر النفسي التي تعيشها، باعتماده الصمت التام بدءا من التايتل واللقطات الأولى، التي يظهر فيها روبن جالسا خلف آلة الجاز، وهو في حالة من الانشداد والترقب قبل ان يبدأ العزف، بذلك استخدم الصمت كتقنية درامية سحب فيها المتلقي إلى المنطقة التي يلتقي فيها مع الشخصية الرئيسية ليصاب هو الآخر مثل روبن بحالة من الصدمة بعد ان يفقد السمع في اللقطات التي تليها.
في جمالية هذه اللعبة التي افتتح بها السيناريو أحداث الفيلم تمكن المخرج من أن يقتنص اهتمام المتلقي وأشعل شغفه لمعرفة ما سيفضي اليه هذا الدخول التغريبي في توظيف الصوت وتحميله بعدا جماليا، وقيمة درامية تتكئ عليها الصورة في دلالتها وليس العكس، وكان قصده من ذلك ان يتشارك المتلقي مع روبن في قساوة التجربة عندما تنقطع علاقته مع الأصوات نهائيا.
هنا تبرز قيمة التقنيات الصوتية في بنية الفيلم وتكتسب دلالتها المتحركة في الفضاء الدرامي، باعتبارها عنصرا أساسيا تستند عليها الحبكة الدرامية في نسج البناء السردي، فجاء توظيفها على درجة من التميز والتفوق، فالتكامل الدرامي في بنية الفيلم ما كان له ان يصل إلى هذه الدرجة من النضج، في سياق الايحاء بما أصاب روبن من تحولات، لو لم يكن توظيف التقنيات الصوتية قد تحرك في مساحة مكثفة من الحساسية الجمالية لإيصال ما كان يضطرب في دواخله من مشاعر.

تركيبة الشخصية
نحن هنا أمام شخصية تعيش حياتها منجذبة إلى الايقاعات المتوترة بما يختزنه صوت الطبول من ايحاءات تحاكي العواطف الفطرية للإنسان، باعتباره من أقدم الآلات التي رافقته. وفي اللحظات الأولى من إصابته، لم يكن روبن مستوعبا لهذا التحول الذي أطفأ حاسة سمعه، فتجاهل خطورة إصابته وحاول ان يواصل العزف، لانه لم يكن مدركا بعد ان هذه الإصابة ستنعطف بحياته إلى مسار سيأخذه بعيدا عن حساباته في تحقيق طموحاته الفنية والشخصية، وهذا ما جعله غير قادر على استيعاب الرَّجة العنيفة التي ضربته في مقتل، فالصوت بالنسبة له ارتباط وتورط ذاتي يؤكد حضوره كفنان، ومن غيره ما كان لصلة الحب التي جمعته مع حبيبته ان تكون، لذا كان من الصعب عليه ان يجد نفسه وبشكل مفاجئ غير قادر على التقاط الصوت وابتكار التنوعيات الإيقاعية التي تثير البهجة والطاقة الانفعالية لدى عشاق الموسيقي، فكان من الطبيعي ان يبحث عن وسيلة للعودة إلى ما كان عليه ولكن دون جدوى. في النهاية تأتي تجربة الصمم لتضع مصيره المهني والإنساني على المحك، فمن غير الممكن ان يستمر بما اعتاد عليه من سياق في حياته وفي حضوره على المسرح .

التقنيات الصوتية
ما يستحق الإشارة إليه، التوليفة الصوتية التي توصل إليها مهندس الصوت نيكولاس بيكر والمؤلف الموسيقي ابراهام ماردر بعد ان يصاب روبن بالصمم، أوصلت لنا الأصوات التي بات يسمعها بشكل ضعيف وهي تبدو مكتومة ومتداخلة مع بعضها بشكل غريب ومزعج وحاد، وازاء ذلك يضطر روبن إلى ان يراجع طبيبا مختصا يصارحه القول بإنه سيواجه المزيد من التدهور أذا ما استمر في العزف، وينصحه بالتوقف، والاقتناع بشكل قطعي بأن السمع الذي فقده لن يعود إليه مجددا، ومن الممكن ان يستعيد شيئا منه في ما لو زرع قوقعة صناعية، كما ينصحه بتجنب التعرض إلى الضوضاء نهائيا، إلاّ ان روبن يحاول الإنكار.
لكنه في النهاية يصل إلى قناعة من انه لابد له ان يتعامل مع زمن انعدم فيه الاحساس بالصوت، وهذا ما يفرض عليه ان يتخلى عما اعتاده في حياته من ممارسات حافلة بالصخب والأصوات، ويجد نفسه في حالة صراع داخلي، لا يستطيع الفرار منه، خاصة مع ما أصاب حياته المهنية من انعطافة حادة، انحدرت فيها إلى النقيض .

البنية العاطفية
الجانب الآخر من المفارقة الدرامية التي أصابت الشخصية، ما يتعلق بعلاقته العاطفية مع لو شريكته في المشوار الفني، إذ يجد بان هذه العلاقة من الممكن هي الأخرى ان تنهار مثلما انهار سمعه، وبذلك ستنتهي المشاعر الحميمة التي جمعتهما معا، وكل ذلك يجده مرهونا بمدى تقبله لِما أصابه، خاصة إذا لم يتعامل بروح إيجابية مع حالة الصمم. فينصاع مرغما إلى نصيحة حبيبته باللجوء إلى منتجع خاص يعيش فيه مجتمع من المصابين بالصمم، وهنا يظهر أمامنا الممثل بول راسي الذي يؤدي شخصية جو، مدير المنتجع بأداء مبهر محمول على توظيف أدواته الجسدية بكثافة ايحائية عالية. وسيرة هذا الممثل تشير إلى انه ولد في عائلة تعاني من فقدان السمع، وقد ساعده ذلك على ان يكون أداءه واقعيا.
وخلال وجود روبن بين مجموعة الصم يتمكن جو من ان يقنع حبيبة روبن بأن أفضل طريق له حتى لا ينهار، ان يبقى في المنتجع فترة طويلة، بذلك سيتعلم لغة الإشارة ويتمكن مرة أخرى من ان يتواصل مع الآخرين ويستعيد ثقته بنفسه، وبعد ان يقتنع ببقائه في المنتجع يبدأ يتآلف شيئا فشيئا مع المكان ومع زملائه، ورغم تنوع واختلاف أعمارهم إلا ّان علاقة قوية تنشأ بينه وبينهم خاصة مع الأطفال، لكنه ظل يحلم بالخروج من عالم الصم، والرجوع إلى عالم الصوت الذي يجد فيه الوسيلة للتعبير عن ذاته، فجمع ما يكفي من المال وزرع قوقعة صناعية أعادت له شيئا بسيطا من حاسة السمع، لكنه تفاجأ بحجم الضجيج والأصوات المزعجة الذي تعج بها الحياة، وأيقن انه لم يعد قادرا على تحمل ما تسببه له من أذى، فيقرر نزع القوقعة، ليستعيد حالة الهدوء التي وفرها له فقدان السمع .
سيناريو الفيلم الذي تعاون على كتابته الأخوان داريوس وابراهام ماردر ينشغل في الكشف عن خفايا عالم يبدو غريبا علينا نحن الذين نتمتع بحاسة السمع، انه عالم لا نعلم شيئا عن شخوصه وعمايشغلهم وهم يتواصلون عبر لغة الإشارة بدون ان يكون فقدان السمع عائقا أمام شعورهم بالسعادة والفرح، وهذا ما تم سرده في المشاهد التي دارت فيها الكاميرا داخل منتجع الصم.

موهبة الممثل ريزر احمد

يؤكد مرة أخرى نجم موسيقى الراب ريزر أحمد البريطاني الجنسية الباكستاني الأصل على سطوع موهبته في التمثيل بشكل لافت، خاصة في تقديم شخصيات مركبة، تتسم بتعقيد دواخلها النفسية، حيث بدا مقتدرا على إيصال التحولات العميقة التي تتعرض لها الشخصية، واتحفنا بأداء يتسم بشحنة كثيفة من العواطف، منحت حضوره تميزا وتفردا عن الممثل الغربي في طبيعة أسلوبه التمثيلي. وما يميز هذا النجم انه لا يكتفي بدوره كممثل، بل يتعدى ذلك إلى المساهمة في كتابة النصوص السينمائية التي يشارك فيها، وهذا يعني انه، يمتلك في جعبته رؤى يسعى إلى إيصالها ليس عبر التمثيل فقط، انما من خلال ما يضخه من أفكار في حبكة الفيلم، ومعلوم ان المشاركة في حقل الكتابة الإبداعية ليس من الممكن ان يقدم عليها أي نجم، مهما تراكمت الخبرة لديه بفعل ادائه لأنواع مختلفة من الشخصيات، إلاّ إذا توفرت فيه الثقافة الرفيعة والذكاء، والأهم من ذلك التوق إلى ان تكون الكتابة ملعبا أثيرا يمارس فيه شغفه في التعبير عما يجول في داخله من أفكار. وسبق للنجم أحمد ان شارك في فيلم Mogul Mowgli إنتاج 2020 الذي جسد فيه شخصية مغني راب بريطاني باكستاني، يعاني في مرحلة تألقه الفني من ضمور في عضلاته، وهذا ما يجعله لا يقوى على الوقوف أو السير. وعلى ما يبدو فإن المخرجين باتوا يراهون عليه في أداء الشخصيات الدرامية غير النمطية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية