المناطق المستهدفة بالغارات الإسرائيلية أشبه بأفلام الخيال.. ورائحة الموت والخراب في كل مكان

أشرف الهور 
حجم الخط
2

غزة– “القدس العربي”: انتهت الحرب على غزة، لكن رائحة الدمار والموت لا تزال تبعث من كل مكان، مشاهد مرعبة لمن يرى أماكن القصف بعد أيام، فكيف كان حال الأسر التي كانت في منازلها آمنة حين ضربتها الصواريخ الإسرائيلية، على غفلة وبدون سابق إنذار.

في الشوارع ما زالت آثار الدمار قائمة، فالمنازل ذات الطبقات المتعددة، نزلت ككومة من الكرتون فوق بعضها البعض، أبراج عالية كانت تشكل معلما أساسيا من مدينة غزة، انهارت وخربت ما حولها من مبان، وأصبحت أثرا بعد عين، شوارع رئيسة وسط حي الرمال ذلك الحي المركزي في غزة، الذي تتواجد فيه كبرى المحال والمؤسسات التجارية، وأخرى في مناطق عدة شمال وجنوب القطاع، خربها القصف، بعد أن أحدث فيها حفرا عميقة، وأخرج ما في باطنها من شبكات بنى تحتية، من بينها شبكات المياه والصرف الصحي.

في أحد أركان حي الرمال الذي شهد مجزرة عائلة الكولك وأبو العوف وجيرانهم، ومحيط المكان، وعند برجي الجلاء والشروق اللذين كانا يضمان مكاتب صحافية، حولت إسرائيل مشاهد أفلام الخيال التي تروي قصص الأجرام السماوية التي تضرب الأرض، وتدمر مبانيها، إلى واقع ملموس، يمكن مشاهدته على الواقع، وإن كان العالم لا يراه إلا في أفلام الخيال العلمي.

هناك تساوت البنايات العالية بالأرض، يتعب العقل وتدمع العين منذ الوهلة الأولى لرؤية المشهد، حين تفكر قليلا في حال سكانها حين أصابتهم الصواريخ بدون سابق إنذار.

فالقصف الجوي والمدفعي العنيف الذي بدأته قوات الاحتلال منذ اليوم الأول للعدوان، غير معالم القطاع بشكل كبير، وبدلا من مشاهدة الأبراج السكنية والمنازل والعمارات التي تضم مؤسسات إعلامية وتعليمية، وغيرها من المؤسسات، والتي كانت مميزة بشكلها ومكانها، يرى الآن في أماكنها ركام وقطع كبير من الخرسانة والحجارة، وشيء من الأثاث، فيما يحرص بعض سكانها لتفقدها، وإعادة شريط ذكرياتهم، وأحلامهم التي خططوا لها في منازلهم المدمرة قبل الاستهداف.

ولم يكن أحد من سكان قطاع غزة من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه يأمن على نفسه وعلى أسرته وأطفاله من الغارات الإسرائيلية، فالجميع كانون يقضون يومهم متوجسين ومتخوفين من غارة قد تضرب مكان سكناهم، وتجعلهم من سكان القبور، خاصة بعد المحزرة التي نفذتها قوات الاحتلال بحق عوائل الكولك وأبو العوف وجيرانهم.

وحين يجن الليل كان السكان لا يهجعون إلى نومهم إلا في وقت متأخر، وكان كثير منهم يبقى يقظا يبادل مناوبات النوم مع آخرين من الأسرة، حتى يفيقهم من غفوتهم على عجل لو حصل قصف مجاور أو طلب إخلاء المكان لقصفه.

الهدنة بدأت بعد 11 يوما مريرة مرت على السكان شاهدوا فيها الموت مئات المرات 

كثير من الأسر تركت منازلها وهامت في الشوارع بحثا عن مأمن، بعد اتصالات إسرائيلية لأبراج ومساكن قريبة تنذر بقصفها، فهرعوا على شكل جماعات لا يملكون إلا ملابسهم وأوراقهم الشخصية، التي اعتادت الأسر الغزية على وضعها في حقيبة لحملها وقت الخروج.

وتروي مشاهد الدمار الخطيرة في غزة، مئات القصص، سيدونها الناجون والجيران، ومن فقدوا مأواهم ومكاتب عملهم، وأولئك الأطفال الذين ما زالوا يعيشون الصدمة وأهوال الكارثة، أو من سرقت فرحتهم، بفعل آلة الحرب الإسرائيلية، التي تكرر فعلتها في كل حرب ضد غزة، مع إضافة الكثير من التطورات على أساليب القصف والدمار، لتكون أكثر فتكا وتدميرا.

فالشاب أنس اليازجي، يعيش على أطلال الذكريات الجميلة، ففي هذا الوقت كان من المفترض أن يزف إلى عروسه شيماء أبو العوف، الطالبة في السنة الثالثة بكلية الطب، لكن من اختارها لتكون شريكة عمره، خطفها الموت بصاروخ إسرائيلي دمر منزلها ومنازل الجيران في يوم المجزرة الكبيرة التي وقعت يوم 16 مايو، وأوقعت 42 شهيدا، بينهم رجال مسنون وأطفال ونساء ورجال وجميعهم من المدنيين العزل.

فرحة الشاب أنس قتلت في مهدها، وعلى أعتاب الدمار يستذكر الأيام الأخيرة قبل الحرب، حين كان يضع الرتوش الأخيرة مع خطيبته على مراسم الفرح، هي التي كانت حتى أيام قليلة قبل الحرب، تشارك صديقاتها بأفكارها الخاصة ليوم الزفاف، ليكون بشكل مبهج يحمل ذكريات جميلة، قبل أن يخطفها الموت إلى غير رجعة.

كما سيحن الطفل أحمد أبو العوف ابن العامين ونصف العام الناجي الوحيد من عائلته، إلى أسرته، وهو طفل ما زال يعيش الصدمة، وتدوي في أذنيه أصوات القذائف التي انهالت على المنزل.

وفي شمال قطاع غزة، لا تزال أم أطفال عائلة المصري رهف ويزن، الذين سقطوا في اليوم الأول، مع أبناء عمومتهم تبحث في أركان المنزل عن الأحبة، فتعيد شريط الذكريات، فتتذكر فرحهم ولهوهم وطعامهم وشرابهم، ومن ملابس العيد التي اشتروها ولم يلبسوها، حيث خطفهم الموت قبل يوم العيد، الذي لم يحتفل فيه سكان غزة بفعل العدوان كباقي دول العالم، تشتم رائحتهم، ليتفطر قلبها ألما، وعيونها تفيض من الدمع، على أطفال كانوا يملأون المنزل فرحا ومرحا.

وفي مدينة غزة، هناك محمد الحديدي الرجل الذي فقد في ليلة واحدة، زوجته وثلاثة من أطفاله، ولم يتبق منهم سوى طفله الرضيع عمر، ابن الستة أشهر، الذي أخرج من تحت ركام منزل عائلة خاله الذي دمرته إسرائيل، في غارة أدت إلى استشهاد عشرة ممن كانوا فيه، هم أشقاؤه الثلاثة ووالدته، وأبناء خاله ووالدتهم.

وقد أنهى صاروخ أطلقته طائرة حربية إسرائيلية، تجاه منزل في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، حياة الشاب المقعد إياد صالحة (33 عاما)، الذي استشهد برفقة زوجته الحامل، وطفلتهما التي كانت تبلغ من العمر ثلاث سنوات.

ووقت تلك المجزرة كانت العائلة تستعدّ لتناول طعام الغداء قبيل أن تلاقي حتفها، ليختلط الطعام بالدم وبقايا الأشلاء التي مزقها الصاروخ الإسرائيلي، ويبعثر ألعاب تلك الطفلة، وينهي أحلامها الصغيرة.

ووفقا لوزارة الصحة، فإن هناك العديد من العائلات التي شطبها الاحتلال الإسرائيلي بالكامل في قطاع غزة، من السجل المدني الفلسطيني، جراء الغارات الدامية، وهي عائلات أبو حطب، والمدهون، وأبو عصر، والحديدي، والمصري، والطناني، وأمن، والعطار، والتلباني، وعيسى، والرنتيسي، وشرير وصالحة والكولك وأبو العوف.

كما لا يزال هناك أطفال كثر ينتظرون آباؤهم الذين غيبتهم الصواريخ الإسرائيلية، وآخرون يعتقدون من هول الصدمة أنهم في حلم، وأنهم من الممكن أن يروا أمهاتهم.

فلا تزال اللقطات التي صورت لفتى في مشفى الشفاء، وهو يركض خلف رجال الإسعاف الذين حملوا جثة والده إلى ثلاجة الموتى، بعد أن فارق الحياة في غارة جوية، تروي تلك الآمال، فذلك الفتى الذي انهار وهو يصرخ بجوار أبيه، يكرر مقولته “قوم (قم) يابا.. يا ناس قولوا أنا في حلم وأبوي (أبي) حيرجع”.

ورغم انتهاء الحرب، لا تزال هناك الكثير من الأسر، التي تضررت منازلها بشكل جزئي وبليغ لا تستطيع العودة للسكن فيها، كونها لا تزال تحتاج إلى إصلاحات كثيرة، جراء الغارات التي استهدفت أجزاء منها، أو ضربت أماكن قريبة، وتقيم هذه الأسر وعددها أكثر من 100 ألف أسرة، إما عند الأقارب والأصدقاء، أو في مراكز الإيواء، التي أقيمت في عدة مدارس على عجل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية