الخطاب القصصي في «مصارع العشاق» للتونسي أصيل الشابي: مقاربة شعرية تداولية

عن منشورات الدار التونسية للكتاب، صدر في مطلع 2021 كتاب مهم يحمل عنوان «الخطاب القصصي في مصارع العشاق للسراج البغدادي» للباحث والناقد التونسي أصيل الشابي، بعد كتابه «الخطاب الرسائلي عند عبد الحميد الكاتب مقوماته وخصائصه» (2018).
يقع هذا الكتاب الجديد في 442 صفحة من الحجم الكبير، ينطلق فيه مؤلفه من مجموعة من التساؤلات الإشكالية وهي: ما الجامع بين أخبار مصدّرة بالأسانيد المدققة في ظاهرها، والنص بوصفه خطاباً ناظماً وإطاراً شاملاً یعسُر ضبطه ويشغل بانزياحاته عمّا فيه من أخبار ووقائع؟ هل يتعلق الأمر بأخبار مروية أم ماذا؟ ألا ينخرط السّراج البغدادي، وفق هذا، في حلقة القُصّاص فنضيف إلى ألقابه السابقة لقب الراوية؟ليتصدى لقضايا دقيقة جداً تتمحور حول خصائص الخطاب المروي، كيف صيغ زمنياً، أي كيف صيغت ضمنه الوقائع والأقوال؟ وكيف تم تصوير الشخصيات؟ وإلى أي مدى طال التحريف تلك الجوانب وتمّ خرق المراجع على اختلافها؟ كما انشغل بقضايا الخطاب والراوي وأهمها على الإطلاق تلفظ الراوي، متسائلاً عن العلاقة بين الراوي والرواية، وبينه وبين المروي له، وبينه وبين المؤلف التاريخي والشخصيات العاشقة المتلفّظة، وعن درجة استدعاء مثل هذا الخطاب نصوصاً أخرى، وما هي مستويات التبئير المفعلة؟ هل يمسك الرواة بزمام القصّ، أم تشاركهم في ذلك الشخصيات؟

يرى أصيل الشابي، أن بحثه في هذا الكتاب يتوفر على جانب كبير من الطرافة، لأنه يهتم أساساً بالخطاب القصصي في مدونة ناتجة عن مصارع العشاق، تمیزت كثيراً عن غيرها من مدونات العشاق، يتعلق الأمر بإشكالية قديمة جديدة، لأن نصوص هذه المدونة كانت موجودة على مدار الأزمنة، وكانت تحظى بقبول لدى فئات من القراء والدارسين. وهو ما دفع أصيل الشابي إلى التساؤل عن سلطة هذا الخطاب القصصي، الذي استطاع عبور ما عداه من خطابات في زمانه وما بعده، أي في سياق ثقافي وحضاري عربي إسلامي غير قابل للانقسام إلى ماض وحاضر؛ وهو ما يحتم النظر في إمكانيات التئامه وسيرورته .
ومما يستدعي البحث في أخبار العشق، كما وردت عند السراج البغدادي، هو أنها تشد القارئ كما تحيره صياغتها، في انتقالنا بين ما تظهره وما تُضمره، وما تخلقه من مفاجآت تربك القارئ. وقد طُبعت هذه المدونة بطرافة كانت محرّضة للباحث أصيل الشابي على الانخراط في هذا البحث، وتتمثل في ارتباط العشق أو المحبة فيه بالموت، في كتاب خصصه السراج لهذا الغرض، ولم يفتتحه بمقدمة نظرية توجه قراءته وتأويله، تاركاً الباب مفتوحا أمام القراء، على اختلاف أنواعهم وأزمانهم وتباين منطلقاتهم المعرفية وتباين أهدافهم من قراءته.

ومما يستدعي البحث في أخبار العشق، كما وردت عند السراج البغدادي، هو أنها تشد القارئ كما تحيره صياغتها، في انتقالنا بين ما تظهره وما تُضمره، وما تخلقه من مفاجآت تربك القارئ.

وسعى أصيل الشابي وراء هدف أساسي في كتابه؛ تمثّل في النظر إلى أخبار السراج على أنها تندرج في خطاب قصصي يتميّز بخصائص ظاهرة. ويحتوي هذا الهدف هدفين فرعيين؛ يتعلق الأول بزمنية الخطاب المروي وأثرها في صياغة الأحداث وعرض الشخصيات والأفضية، ويتعلق الثاني بالتلفظ، سواء ارتبط بالرواة أو بالشخصيات، ويتحقق ذلك عبر تقصي الخطاب القصصي وكيفية ورود أخبار العشاق ضمنه، ومدی خرقه لمبدأ الحقيقة التاريخية وتورطه في الاختلاق والتخييل.
وعلى المستوى المنهجي عمل أصيل الشابي على المزاوجة بين الوصف والاستقراء، بالتركيز على كتاب السراج، وحاول النظر فيه وفي مميزاته، والتفاعل معه على ذلك الأساس، مع التقيد بإشكالية الخطاب القصصي، مراعياً أمرين: أولهما الزمن باعتباره من أهم مكونات الخطاب القصصي، وكيف تمّ تشكيله، ثانيهما: كيفية صياغة الرواة والشخصيات للقول، أو الكلام وطبيعة رؤيتهم في ارتباط بملابسات التلفظ في درجتها، وصولاً إلى فعل التبئير ودوره في تعيين المدركات. وقد اختار الباحث لمقاربة أخبار العشاق المقاربة الشعرية البنيوية، مع وعي قوي بالصعوبات التطبيقية، اعتماداً على نموذجي تزيفيتان تودوروف، وجيرار جنيت وإسهاماتهما معاً في إطار ما يعرف بسرديات الخطاب، ساعياً إلى دراسة احتمالات الخطاب القصصي، ناظراً في ما تحكّم في بنائه وصياغته، وفرض عليه ذلك التعويل على الخطاب، بوصفه نظاماً یشكل المادة الحدثية تشكيلاً خاصاً، على أساس قصدي ينم عن وعي مسبق، وتكمن أهمية هذه المقاربة في أنّنا بوصفنا قراء لا نتعرّف الأحداث إلا من خلال الخطاب أو طريقة نقله لها، هذا إذا لم يكن الخطاب مختلَقاً وموهماً به، وهي فرضية غير مستبعدة في مدونات الأخبار القديمة على نحو خاص، في ظل اختلاف روايات موضوع واحد في الصياغة، رغم كثرة الأسانيد، وفي ظل وقوع هؤلاء الرواة في دائرة الاتهام بالكذب والتزيد، في ظل ثقافة يسود فيها براديغم الإسناد، لأن أصيل الشابي معني بالنظر في طرق تصريف الأحداث والوقائع، على ألسنة الرواة في مستوى التعبير الفني الحالي، وما يضطلع به من قيمة تحويلية، توليدية إبداعية.
وفرضت استحالة تخيّل ذلك بمنأى عن تلفظ المتلفظين في الأخبار، أن يُولي الباحث أهمّية لفعْل التلفّظ لدى الراوي والشخصية معاً، لأنّ تلفّظ الكلام يتم في سياق خاص، ولا يُفهم خارج سياقه، وبما أن السياق هو ما يربط منشئ الكلام بمُتلقيه، وتتحقّق ضمنه أعمال مختلفة، فإن الخطاب سيكتسي بُعداً تداولياً؛ وهو ما يستدعي الاستعانة بالمقاربة التداولية، انطلاقاً مما سماه تودوروف في سجلات القول في كتاب الشعرية بدرجة حضور الذات في الكلام.
وقسّم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أبواب؛ قدّم في الأول المفاهيم المؤسسة للبحث، وحرص على تتبّع هذه المفاهيم وربطها بالتيارات التقنية، وما اعتراها من نقد وتقليب وإضافة في صيرورتها، وإبراز جذورها المعرفية في سيرورتها، وما يحيط بها من التباس، وما تثيره من إشكالات نظرية وتطبيقية، كمفهوم البنية والشعرية والخطاب والتخييل والمرجع والخبر ومفهوم العشق. وعرض في الباب الثاني الموسوم بالخطاب المروي ثلاثة فصول، خصصها للترتيب الزمني وسرعة السرد والتواتر في «مصارع العشاق». وخصّص الباب الثالث لتلفظ الراوي من خلال إبراز درجات حضور الراوي والمروي، ووظائف الراوي، وتلفّظ الشخصيات في «مصارع العشاق».

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية