القاهرة ـ «القدس العربي»: فازت رواية «دفاتر الوراق» للكاتب الأردني جلال برجس بجائزة البوكر العربية في دورتها الـ (14) لهذا العام، متجاوزة الروايات الخمس التي وصلت للقائمة القصيرة في مارس/آذار الماضي، وهي.. «نازلة دار الأكابر» للتونسية أميرة غنيم، «عين حمورابي» للجزائري عبد اللطيف عبد الله، «الملف 42» للمغربي عبد المجيد سباطة، «وشم الطائر» للعراقية دنيا ميخائيل و»الاشتياق إلى الجارة» للتونسي الحبيب السالمي.
وأشار رئيس لجنة التحكيم الشاعر اللبناني شوقي بزيع إلى حيثيات منح برجس الجائزة قائلاً.. «قد تكون الميزة الأهم للعمل الفائز، فضلاً عن لغته العالية وحبكته المُحْكمة والمشوقة، هي قدرته الفائقة على تعرية الواقع الكارثي من أقنعته المختلفة، حيث يقدم المؤلف أشد البورتريهات قتامة، عن عالم التشرد والفقر وفقدان المعنى واقتلاع الأمل من جذوره، بما يحول الحياة إلى أرخبيل من الكوابيس. ومع ذلك فإن الرواية ليست تبشيراً باليأس، بل هي طريقة الكاتب للقول بأن الوصول إلى الصخرة العميقة للألم، هو الشرط الإلزامي لاختراع الأحلام، وللنهوض بالأمل فوق أرض أكثر صلابة».
يذكر أن جلال البرجس شاعر وروائي أردني من مواليد عام 1970. عمل في الصحافة، ويشغل الآن منصب رئيس مختبر السرديات الأردني. صدرت له مجموعات شعرية وقصصية، نذكر منها.. مجموعة «الزلازل» 2012، وروايات، «مقصلة الحالم» 2013، «أفاعي النار» 2015، «سيدات الحواس الخمس» 2017، وروايته الرابعة «دفاتر الوراق» الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2020.
إبراهيم الورّاق
«أنا رجل وحيد، لا طريق لي غير التي تأخذني من بيتي في جبل الجوفة إلى وسط البلد، حيثُ كشك الورّاق الذي كنت أمتلكه، وحيد بشكل لا أدري إن استطعتم فهمه أو لا في مدينة عالية الضجيج».
إبراهيم هو الشخصية المحورية في الرواية، لكنه في الوقت نفسه ليس الصوت الأوحد، فبخلاف حالة التشتت الذهني التي يعانيها، جرّاء العذابات التي لاقاها منذ طفولته، حتى ضياع مصدر رزقه ـ كشك بيع الكتب الموروث عن أبيه ـ ثم بيته، ثم وجوده في النهاية، ومحاولته البائسة التواصل مع الحياة، ربما ثمّة أمل. ونعود لسيرة الرجل من خلال سيرة الأب (جاد الله) الذي خالف حلم والده بأن يصبح طبيباً، وذهب إلى روسيا ودرس الفلسفة، والمنتسب قبل ذلك إلى الحزب الشيوعي ـ الصورة النمطية للمثقف اليساري ـ ثم عاد من روسيا مهزوماً، بسبب غضبه من خذلان الاتحاد السوفييتي للعرب في حرب 67، حتى إنه اعتقل في السجون السوفييتية، ليعود إلى وطنه، الذي لم يرحمه، فيتم اعتقاله بتهمة كونه شيوعياً، فيخرج خائفاً مرتعباً من كل شيء. هذا الخوف الذي أورثه بدوره إلى ابنه إبراهيم، فلا مجال لثقة في أحد، ولا مفر من العزلة.. «ما أدراك أن البقال مثلاً ينقل المعلومات للجهات الأمنية؟ ألم تلاحظ كيف يتنصت عمال النظافة على البيوت، يلتقطون أي كلمة ليدونوها في تقاريرهم اليومية» لينتهي به الأمر مشنوقاً في المطبخ.
ليلى
«خطوة واحدة نحو عالم لا عائلة لي فيه ولا أقرباء، أعطوني مئتي دينار، وبطاقة شخصية فيها اسم أب وأم مستعارين، ودلّوني على بيت تسكنُ فيه فتيات من النزيلات السابقات للملجأ، ثم قالوا لي: (عليك أن تغادري الآن)، هكذا وبكل بساطة». وما حكاية ليلى إلا حكاية الكثيرات مثلها، تتعرض للتحرش من مُشرفة دار رعاية الأيتام، وتحاول صد المحاولات بمجرد خروجها إلى الشارع، حتى لعبة تنكرها في زي رجل، لم تشفع لها، فلا فارق ما بين ولد وبنت في هذه الأجواء القذرة. وهنا تتقاطع حكاية ليلى مع الورّاق، الذي لا يجد ملجأ سوى بيت مهجور يأوي إليه المتشردون واللقطاء وأبناء السبيل، يتعاطف الورّاق مع ليلى ورفاقها، ليعلو صوته الداخلي أكثر، بألا يصمت، ولا بد له أن يتحول من التفكير إلى الفعل، كفى مهانة ومهاترات، وقراءات لن تغني شيئاً ولن تحل أزمة.
الصوت
«كان عليك أن تقتل مَنْ تسبب بالذي أنت فيه الآن، ابتداء من زمن القرية وانتهاء بزمن المدينة، الذين آذوك كثر، وأصواتهم ما تزال عالقة حتى في شعر أذنيك، لكنك أجبن من أن تفعلها؛ لهذا سأقتلهم بطريقة وحشية. أنت لا تعرف معنى لهذه المفردة، ولا تعرف أنك يمكن أن تصير وحشاً، الوحشية نقيض الحبّ، واليد المحبة التي تمنح لمسة دافئة يمكن أن تستحيل إلى يد تجز رأساً، الصعوبة دوماً في بداية ما نفعل فقط». يأتي هذا الصوت من بطن إبراهيم الذي ينتفخ، ويذهب لطبيب نفسي، بدون جدوى، صوت مُحرّض على الأخذ بالثأر. فيبدأ إبراهيم في التنفيذ تحت وطأة ألم رفاق بيت المشردين ـ نلاحظ أنه سكت عما حدث له ـ ويلعب الكاتب لعبة الاستفادة من كون الرجل مثقفاً وقارئا نهما للكتب، ليس المثقف التقليدي المتأنق، الذي يعرف أنه يكذب ويحل مشكلات الكون بكلمات غامضة، ولا تقل تفاهة عن وجوده، هنا يتقمص إبراهيم شخصيات روائية شهيرة، على رأسها بالطبع (سعيد مهران) بطل «اللص والكلاب»، وتتوالى الشخوص، مصطفى سعيد بطل «موسم الهجرة إلى الشمال»، وأحدب نوتردام، وزيفاغو باسترناك، والسيد أحمد عبد الجواد بطل الثلاثية، حتى لا يتورع أن يتسمى باسم (ديوجين) على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو البائس والباحث عن الحقيقة في ضوء النهار، حتى يُذاع صيت الرجل، هذا المقنع الذي يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء، وهو صورة رومانتيكية/خيالية لمحاولة إعادة الحق لأصحابه، هنا يتعاطف معه جموع الناس، لأنه مثال لكسر حالة الخوف داخلهم، أو أنه فعل ما يحلمون به.
وتتداخل الحكايات أو مصائر الشخصيات فتعثر ليلى على عمل في بيت (إيميلي) القعيدة، لترعاها وتدير شؤونها، إيميلي بدورها ضحية (إياد نبيل) ـ رجل الأعمال الفاسد، الذي قام بالاستيلاء على كشك إبراهيم، بهدف تحويله إلى مول كبير ـ والذي تنكر لها بعد أن أنجبت منه طفلا، هو (يوسف) الطبيب النفسي الذي يُعالج إبراهيم.
الجنون
تضيق الحياة بإبراهيم، حتى يقرر الانتحار خلاصاً، إلى أن تظهر (ناردا) طليقة أبيه الذي كان متزوجاً بها سراً، التي تعرّفت عليه بدون أن يعرفها، في العقبة، حيث المكان الذي أراده لإنهاء حياته، (ناردا) التي قررت الانتحار، بعد انتحار جاد الله، عدلت عن ذلك في اللحظة الأخيرة، بعد التقائها بإبراهيم الذي عشقها حد الجنون، واحتفظ بمذكراتها بعد أن نسيتها. وبعدما علم بحقيقتها من خلال المذكرات، وصل إلى حالة الخلاص بالفعل (الجنون)، ولا ندري هل جنونه هذا بسبب المرأة؟ أم بسبب ما تمت مواجهته به، فهو في الأخير تتم معاقبته على جرائم لم يرتكبها ـ كحالنا جميعاً في عالمنا العربي السعيد ـ وإن كانت مادية في الرواية، لكنها تمتد لماضي الرجل ومستقبله المقضي عليه في النهاية، فيُلقى القبض على إبراهيم الورّاق، وتوجه له تهمة قتل والده جاد الله وعماد الأحمر الفاسد المرتشي، وإياد نبيل رجل الأعمال السلطوي، ورناد محمود متحرشة ملجأ اليتيمات، لينتهي به المطاف في مستشفى الأمراض العقلية.
الرواية العربية
وفي ملاحظة أخيرة على الروايات التي تحصد جائزة البوكر العربية، نجد عدة سمات تسيطر على الكتابة الروائية عموماً، حتى تحوز الثقة، أو ما يُطلق عليه (القيمة الأدبية)، ومع اختلاف ذائقة لجان التحكيم، إلا أن هناك خيطاً أو بوصلة تشير إلى هذه القيمة، وهو التماس مع ما هو سياسي واجتماعي، بعيداً عن طبيعة الكتابة الروائية التي تغيّرت، وربما لم يزل العرب بعيدون عنها. فمهما كان الحديث عن سرد حداثي وما بعد حداثي، وحتى بعد ما بعد، إلا أنها كلمات ومصطلحات جوفاء ـ يكفي ترتيب الفصول بشكل مختلف حتى يُطلق على الرواية في بساطة شديدة أنها ما بعد حداثية، ولنا في نقادنا الأبواق أسوة سيئة ـ فالكل غارق في مشكلات تجاوزتها الكتابة، فكرة الحكاية ومحاولة التماس مع آخرين، أو بمعنى أدق أن تتجاوز الرواية أو تتوسل بالتاريخ ـ الذي يفر إليه الكثيرون الآن ـ حتى أن بعض الآراء ترى في كتابة الذات سُبّة ومراهقة، فلا بد من جيل هنا وآخر هناك، ولا بد من استعراض حياة المهمشين ـ المصطلح المُبتذل ـ أو المهاجرين غير الشرعيين، وصولاً إلى الأقليات، وإلا أصبح الكاتب ـ العربي ـ بعيداً وغريباً عما يدور حوله، وكأنه من اللازم أن يتحول العمل إلى حالة من النقد الاجتماعي والسياسي، هذه اللعنة التي أصابت الرواية العربية، ولو خالف الكاتب ذلك، كان الجهل صفته والنسيان مصيره.