خلال نصف قرن تقريباً أو يزيد امتدت رحلة الفنان الراحل سمير غانم التي بدأها من كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية، في أوائل الستينيات من القرن الماضي مع صديقيه الضيف أحمد وجورج سيدهم إبان تكوين فرقة ثلاثي أضواء المسرح التي تأسست فكرتها على تقديم نوعية فنية خاصة من النقد الكاريكاتيري القائم على التجسيد الكوميدي الموسيقي الغنائي، حيث اجتهد الفنانون الثلاثة الموهوبين في ابتكار الصورة الدرامية الساخرة ذات الطابع المرح والإيقاع السريع.
وقد بدأ مشوار الثلاثي بعدة اسكتشات غنائية تمثيلية تضمنت الحالة النقدية الكاريكاتيرية المُشار إليها، كان من بينها اسكتش «حواديت» و»كوتو موتو» والأخير تحديداً اعتمد على المفارقات الساخرة المُتضمنة في السلوكيات الاجتماعية والفردية واستهجن فكرة الرفاهية الزائدة والتدليل الضار في أسلوب التربية الاجتماعية، وبالفعل نجح الإسكتش في الإشارة للخلل التربوي فصارت كلمة كوتو موتو اختصاراً للإفراط في الترفيه وعنواناً للميوعة على الطريقة الفنية للثلاثي الشهير.
وبمقتضى النجاح الذي تحقق للفرقة والتفاعل الجماهيري مع اللون الكوميدي الجديد، استمر الأبطال الثلاثة في نفس النهج فقدموا المزيد من الأفكار والأعمال فكان إسكتش «ماما حوا» واحداً من أعمالهم المتميزة، بالإضافة إلى إسكتشات أخرى وعدداً من المسرحيات، من بينها مسرحية «روميو وجوليت» التي مثلت تنويعاً رومانسياً على الرواية العالمية الأصلية بمأساتها ورومانسيتها وتفاصيلها الإنسانية التي بدأت بالحب وانتهت بكارثة.
وقد كان من الصعوبة بمكان تحويل هذه القصة الرومانسية التراجيدية الخالدة إلى عمل كوميدي تدخل فيه العناصر الموسيقية والغنائية والحركية كأدوات للتعبير الفكاهي المُفجر للضحك والداعي للانسجام والقبول!
وربما تجلت عبقرية الأداء في هذا التناقض بين طبيعة الرواية العالمية المأسوية والتوظيف الكوميدي الجديد لها وفق الأسلوب الاستعراضي الغنائي التمثيلي الفريد لأعضاء الفرقة بما كانوا يمتلكون من مواهب وخفة ظل وقدرة على الأداء الخفيف والتأثير السريع.

وبعد عبور مرحلة البداية والانتشار ووفاة الضيف أحمد في وقت مبكر عام 1970 استمر الصديقان سمير وجورج لفترة محدودة في مواصلة النشاط الفني لفرقة ثلاثي أضواء المسرح، إلا أن الظروف حالت دون الاستمرار الكامل فعمد الفنان الراحل سمير غانم إلى التركيز في المسرح فقدم مع جورج مسرحية «موسيقى في الحي الشرقي» بطولة صفاء أبو السعود وعبد العزيز موافي، ثم قدم بعدها بفترة طويلة مسرحية «المتزوجون» و»أهلاً يا دكتور». ففي «المتزوجون» قدم الفنان الكبير شيرين كوجه مسرحي جديد في دور كوميدي متميز أصبح في ما بعد علامة فارقة في حياتها الفنية، كما اكتشف أيضاً نجاح الموجي وأسند إليه دور مزيكا صبي الجزار الذي كان بمثابة بوابة العبور للنجومية في زمن قياسي.
وفي مسرحية «أهلاً يا دكتور» كان لدلال عبد العزيز الحظ الأوفر مع سمير غانم، حيث شاركته البطولة لأول مره في عمل كبير ومهم، ومع نهاية الموسم المسرحي ارتبطت به عاطفياً وتزوجته فصارت عاملاً مشتركاً في العديد من الأعمال التي قام ببطولتها، خاصة في السينما التي اتجه إليها في فترة الركود المسرحي من قبيل التعويض، حيث جسد بعض الشخصيات النمطية في أفلام تجارية مثل «العرضحلجي» و»حسن بيه الغلبان» و»البعض يذهب للمأذون مرتين» و»قصة الحي الغربي» و»الحرب العالمية الثالثة» و»المشخصاتي».
ولم يكن غانم محظوظاً في السينما إلا في بعض التجارب القليلة، وذلك لانقياده للتيار الكوميدي الاستهلاكي وعدم تدقيقه في ما يقدمه واعتباره البطولات السينمائية عملاً إضافياً، حيث كان للمسرح الأولوية القصوى في حياته، فهو المُنقذ الحقيقي للممثل على حد تعبيره، ولهذا ظلت الأعمال المسرحية لسمير غانم هي المقياس للنجاح أو الفشل فحرص أشد الحرص على العناية بها، وبالفعل استطاع أن يكون واحداً من نجوم المسرح المصري، فهو الضلع الثالث في مثلث الكبار، عادل إمام ومحمد صبحي، ولديه من الرؤى المسرحية الجريئة ما يميزه كفنان وممثل قدير، كرواية» جحا يحكم المدينة» على سبيل المثال التي استمر عرضها لفترة طويلة ولاقت صدى جماهيريا ونقديا واسع المجال.
ومن المسرح والسينما إلى التلفزيون، حيث تنوعت مسيرة الفنان آخذة أشكالا كثيرة من التطور الفني، فقد كانت «فوازير فطوطة» ضمن أنشطته البارزة في شهر رمضان على مدار سنوات، غير أنه اهتم بالدراما والمسلسلات على وجه الخصوص، فكانت له حصيلة وفيرة من الأعمال النوعية منها «حكاية ميزو» مع فردوس عبد الحميد و»كابتن جودة» و»بطل الدوري» و»بكيزة وزغلول» و»يوميات زوجة مفروسة» و»عزمي وأشجان» و»سوبر ميرو» و»الكبير» فضلاً عن اهتمامه بالدراما الإذاعية التي كان من بينها مسلسل «أحلام سعيدة» و»الناجح يرفع إيده» و»مناقره حرة» و»بيتك-بيتك».
كذلك لم يفوت سمير غانم فرصة المشاركة في أعمال الكارتون الخاصة بالأطفال فقدم بعض النماذج الكوميدية الخفيفة، بالإضافة إلى قيامه بتقديم نوعيات من البرامج كسمير شو وساعة مع سمير وهي محاولات وتجارب لها ما لها وعليها ما عليها، لكنها ترجمت نشاط الفنان النجم وحيويته في جميع مراحله العُمرية والفنية حتى الأيام الأخيرة من حياته.