لندن – «القدس العربي»: لا يختلف اثنان اليوم على عراقة نادي برشلونة، الذي رسم خارطة الكرة العالمية الحضارية بشكلها الحالي. فمن المؤسس الأجنبي غامبر إلى الأب الروحي والفيلسوف يوهان كرويف مهندس الكرة الشاملة، وصولاً إلى أفضل لاعب بتاريخ المستديرة ليونيل ميسي، أبت مسيرة القرن إلا أن تُسطّر كلماتها الحالية بمداد من الشك والحيرة.
كل شيء ينتهي، هي مقولة قاسية بعض الشيء، لكنها واقع لا مفر منه. مضت مواسم كارثية على برشلونة خلال الأعوام الماضية، صفعت جماهير النادي صفعةً قاسية أرسلتهم إلى واقع مرير ظن الجميع أنه مؤقت، لكن تكرار الكوارث أيقظ كل النائمين والحالمين ببرشلونة بكونه ما يزال قادراً على أن يعانق ويسطر المجد. وبالنظر لأي مشكلة، لا بد من البحث عن مصدرها بُغية إيجاد الحلول. لكن في برشلونة الحكاية مختلفة، إذ أن رأس المشكلة بات معروفاً ومهيمناً على كافة أروقة النادي التي أدت به إلى هذا الضياع.
ما يميز النادي الكتالوني بالذات أن وصوله لأبهى مستويات العطاء في تاريخه جاء خلال العقدين الماضيين، ما جعله محل اهتمام جيل الشباب الحالي الذي نشأ على الندية العالية بين برشلونة وغريمه الأزلي ريال مدريد. فبعد أعوام عدة من التخبط قررت إدارة النادي برئاسة ‘الذهبي’ والإبن الروحي ليوهان كرويف جوان لابورتا اتخاذ قرار جريء بتعيين بيب غوارديولا مدرب الفريق الرديف لتدريب الفريق الأول في 2008. كان القرار محط دهشة للجميع، حيث أن النادي كان على وشك تعيين جوزيه مورينيو بعد حقبته الممتازة مع بورتو وتشلسي، لكن لابورتا وعكس إرادة الجميع استمع فقط لكرويف الذي كان المرجع الاول له، إذ قال له لا داعي لتعيين مدربين من خارج أسوار النادي لأن المدرب الذي يريده برشلونة يعمل بالمؤسسة ذاتها.
قدم برشلونة عام 2009 أفضل فريق عرفته البشرية، حيث تمكن من الفوز بكافة البطولات المتاحة له في موسمٍ واحد لأول مرة في تاريخ اللعبة. ست بطولات أدهشت الجميع لأنها أتت بقيادة شابٍ لم يُعرف بعد على الساحة التدريبية، ولأن الموسمين التاليين كانا استثنائيين أيضاً، إذ وضعا النادي الكتالوني ضمن صفوة الصفوة في الكرة العالمية. جميع من تربى على تلك الحقبة التاريخية لم يكن ليتوقع أن حال النادي بعد عقدٍ أو أقل سيكون كما هو اليوم. ففي 2010 رحل لابورتا وتولى رئاسة النادي ساندرو روسيل الذي أدخل السجن لاحقاً وتاه بين متاهات القانون والمحاكم الإسبانية على خلفية قضايا غسيل أموال وفساد. ليأتي بعده حكم نائبه جوسيب بارتوميو عام 2014 الذي عمل كقائم بأعمال الرئيس إلى أن فاز برئاسة النادي عام 2015. وهنا أدخل النادي بنفقٍ مظلم لا مفر منه، وكانت النتائج خير دليل.
بارتوميو أقل ما يمكن تشبيهه بالسرطان، بل ليس تشبيها فحسب بل هو السرطان بعينه. قد يكون تعبيراً قاسياً بعض الشيء، لكن المتابع الحثيث لبرشلونة خلال السنوات الماضية يعرف قيمة هذا الكلام، إذ أن السرطان حتى ولو اختفى، يترك أثراً إلى الأبد، تماماً كما بارتوميو. تعامله مع الفريق على أنه شركة رابحة أودت بالفريق إلى الهاوية، بسبب صفقات إعلانية وتجارية لا منطقية، إلى صفقات لاعبين مليئة بالغموض، إلى تعيين إداريين ومدربين دون المستوى، لأنهم ببساطة كانوا مستعدين بالقبول بالهيمنة الإدارية عليهم مقابل العمل في برشلونة، والكثير من المحطات والخفايا.
ففي 2015 كان برشلونة يمر بفترات رائعة مع مدربه الجديد لويس إنريكي، إذ أن العناصر التي عاشت الفترة الذهبية مع غوارديولا كانت تسيطر على أهم ركائز الفريق الذي فاز بالثلاثية التاريخية آنذاك. وفي ذات الصيف أتت انتخابات الرئاسة، وبحكم أن بارتوميو كان القائم بأعمال آنذاك، قادت العاطفة أعضاء النادي إلى إهداء الفوز الكاسح له، ما كان متوقعاً لكنه وصل للحكم والفريق ما زال يجني ثمار عطاءات ونجاحات الإدارة السابقة بشكلٍ كبير. وبذلك قاد بارتوميو النادي عبر التخلي عن هوية أكاديمية ‘لاماسيا’ التي رسمت وجه النادي لسنواتٍ عدة، فقام ببيع خريجيها المميزين واستقدام لاعبين أجانب طمعاً في نجومية أسمائهم، بمعنى أن معظمهم بنوا أسماءهم خارج أسوار النادي، وهم لا يليقوا ولا يلبوا أسلوب الفريق، إضافة إلى تشبث بارتوميو بالموقع حتى وإن كان على حساب أي لاعب أو مدرب أو إداري والذين ذهبوا ‘كبش فداء’ لأجل بقاء إدارته التي لم تنهِ صفقاتها المشبوهة حينئذ. كل هذا انعكس على أداء الفريق خلال المواسم الخمسة الماضية والتي غاب فيها عن التتويج الأوروبي الأهم لكبار القارة العجوز. المشكلة لم تكمن في الغياب فحسب، بل أيضاً بطريقة الخروج المذلة التي تكررت موسماً تلو الآخر، بدءاً من هزيمة أتلتيكو مدريد ليوفنتوس وروما وليفربول لفضيحة ميونيخ وأخيراً باريس. ومع غرق السفينة خرج بارتوميو بعد فوات الأوان وبتصويتٍ إقصائي من أعضاء النادي مع نهاية العام الماضي وترك المؤسسة بمديونية تراكمية على مدار إدارته تفوق المليار وربع المليار يورو تقريباً وهي الأعلى في أوروبا! وهو ما أوقع النادي في وضعٍ حرج للغاية.
وكانت الإدارة المالية الكارثية لعقود اللاعبين ورواتبهم الفلكية التي تعتبر الأعلى أوروبياً وعقود الرعاية الغامضة ومجيء الجائحة، قادت النادي إلى قرب إعلان إفلاسه. أما الإنجازات المحلية الطفيفة التي أتت خلال حقبة بارتوميو فساهمت في توفير «جرعاتٍ مهدئة» عاماً تلو الآخر للجماهير الطامحين بالمجد الأوروبي، لكنها لم توقف الكوارث الداخلية من التراكم لحد الاختناق. فالتمسك بخمسة لاعبين من أبناء النادي في التشكيلة الأساسية، على سبيل المثال، والذين تقدموا بالسن ومرت عليهم سنوات عطائهم ولم يعودوا قادرين على الوصول لسقف طموحات النادي لاقناع الذات بأن «لاماسيا» ما زالت تقدم، بينما هم من أسوأ اللاعبين ميدانياً، كانت بمثابة الأساس لانهيار مستوى الطموحات. فمن لا يغير الكادر وجب ألا ينتظر تغييراً في النتائج. الكثير من الانتكاسات عاشها عشاق القلعة الكتالونية خلال السنوات الماضية. واليوم وبعد موسمٍ آخر سيئ لم يفز فيه برشلونة بمباراة كبيرة واحدة سوى نهائي كأس الملك أمام بلباو وغادر المنافسة الأوروبية من دور الستة عشر لأول مرة منذ 14 عاماً وأنهى الدوري الإسباني بالمركز الثالث، لابد من طرح السؤال: هل ذهب برشلونة فعلاً لكتابة وصيته بعدما كتب التاريخ والمجد خلال العقد الأخير؟ أم أن خروج بارتوميو وإعادة انتخاب الرئيس الذهبي لابورتا مؤخراً وظهور العديد من المواهب الشابة على يد المدرب رونالد كومان يمثل بصيصاً من الأمل لعودة الكتلان لساحات التتويج القاري والعالمي؟ أم أن خروج ميسي المرتقب سيدخل النادي في نفقٍ جديد؟ المؤكد أن برشلونة الحاضر ليس قريباً حتى من برشلونة الماضي والذي شهدنا صعوده المدوي قبل عشرة أعوام.