قصة «القصر المثالي» حقيقية وبطلها فرنسي كان ساعِي بريد تحول إلى مبدع

آدم جابر
حجم الخط
0

باريس-»القدس العربي»:  من يتصفح ذاكرة أدب الأطفال في مختلف بلدان العالم يهتدي بسرعة إلى أن للقصور الخيالية حيزا كبيرا فيه أيا يكن البلد وأيا تكن العصور والحضارات التي تعاقبت على هذا البلد أو ذاك. وكثيرا ما تأسر هذه القصور الأطفال حتى قبل سن المراهقة. ولكن فرنسيا يسمى جوزيف فرديناند شوفال ظل قصرا يُذكر بعوالم ألف ليلة وليلة شغله الشاغل طوال خمسة وأربعين عاما وبالتحديد طيلة جزء من فترة كهولته وفترة شيخوخته برمتها.

الحقيقة أن قصة القصر المثالي بدأت ذات يوم عندما كان جوزيف فرديناند شوفال في الـ43 من عمره أي عندما كان ساعي بريد يتنقل بين عدد من القرى الواقعة في جنوب فرنسا الشرقي منها قرية ليرباس، التي ولد فيها وترعرع وسط أسرة ريفية فقيرة مما جعله ينقطع عن الدراسة وهو في سن الثانية عشرة ليعمل في مخبز قبل أن يغادر القرية ويغيب عنها لسنوات طويلة. وعند عودته إليها عثر على عمل في مركز البريد وأصبح يتنقل من قرية إلى أخرى لتوزيع الرسائل.
وإذا كان شوفال قد ولد في عام 1836 فإن عام 1879 كان بحق محطة مفصلية في مساره. ففي يوم من أيام تلك السنة، دعس جوزيف على حجر وهو يرتاد ثنية كانت تقوده إلى إحدى القرى، فجاءته فكرة حمله معه إلى المنزل ليكون لبنة من لبنات قصر كبير وعجيب يبنيه في البستان الذي كان محيطا بالمنزل. وعاد في اليوم الموالي إلى المكان الذي عثر فيه على هذا الحجر فوجد فيه قطعا أخرى حملها معه في جرابه. وكتب لاحقا وهو يتحدث عن الحجارة التي وجدها في تلك الثنية فقال إنها أوحت إليه بأمر غدا قناعة مترسخة لديه مفادها أن الطبيعة قادرة على نحت قطع فنية وأنها كانت تطلب منه أن يكون مهندسا وبناء في الوقت ذاته لتشييد قصر يكون منسجما مع الطبيعة ومنفتحا على العالم. وشيئا فشيئا أصبح جوزيف يجمع الحجارة ويضعها في عربة يدوية ليكدسها في بستانه.

قصر الثقافات والحضارات والديانات

كانت الطبيعية تسكن جوزيف فرديناند شوفال ساعي البريد الفرنسي الذي قرر وهو في الــ49 من العمر بناء قصر يسميه «معبد الطبيعية» والذي استمر في بنائه بمفرده لبنة بلبنة طوال ثلاثة وثلاثين عاما بواسطة حجارة جمعها وملاط مخلوط بالكلس والقواقع. وما يزال زوار القصر يتوقفون كثيرا عندما يأتونه عند تماثيل طيور وحيوانات كثيرة منها الغزلان والتماسيح والأسود والفيلة والدببة والإبل. وهم يهتدون الواحد بعد الآخر إلى أن جوزيف كان بحق فنانا أراد لقصره أن يكون تحفة فريدة من نوعها في العالم ورمزا إلى حوار الثقافات والحضارات والديانات. فقد زين جوزيف جوانب القصر ومداخله بمشاهد منحوتة على الصخر أو مبنية به تمثل مثلا قبرا فرعونيا ومنزلا من المنازل التي أقامها الفرنسيون في الجزائر بعد احتلالها. ومن الرموز الدينية التي حرص ساعي البريد على إبرازها في قصره مدخل مسجد ومعبد هندوسي.
والملاحظ أن الشاعر الفرنسي إيميل رو باراساكل الذي ولد في مدينة غرونوبل الفرنسية عام 1874 وتوفي عام 1940 كان قد زار القصر قبل أن يفرغ جوزيف فرديناند شوفال من بنائه بثماني سنوات فسُر به أيما سرور وكتب فيه قصيدة أرسلها إلى جوزيف عنوانها «مثالك الأعلى قصرك». وفي عام 2011 أي قبل عام واحد من انتهاء أشغال بناء القصر، قرر جوزيف نسخ القصيدة بكليتها عند مدخل القصر الذي غير اسمه من معبد الطبيعة إلى القصر المثالي.
وكان فرديناند حريصا على أن يبقى إلى جانب أثره حتى بعد وفاته فأوصى بنقل جثمانه إلى القبر الفرعوني الذي أقامه في القصر. والحقيقة أنه اهتدى تدريجياً إلى أن أهله كانوا متحفظين كثيرا على هذه الوصية لأن بعضهم كان يرى أنه لا يمكن دفن مسيحي في قبر يُذَكِّر بقبور الفراعنة. وكان البعض الآخر يهمس في أذن جوزيف مازحا ويسأله عما إذا كان يرغب في أن تُحمل مع جثمانه أكياس الذهب إلى قبره الفرعوني بعد رحيله وعما إذا كان يرغب في أن يُحمل جثمانه على عربة مذهبة. ولم يكن لجوزيف ذهب لأنه ظل يعمل ساعي بريد في شطر كبير من حياته. وبعد العودة من عمله، كان دوما منكبا على بناء قصره ببيديه حتى أنه كتب عند مدخله عند الفراغ من بنائه عام 1912 ما يلي: «عملت بمفردي لإنجاز ما أنجرت طوال عشرة آلاف يوم. واقتطعت من هذه الأيام لتنفيذ ما أقدمت عليه 93 ألف ساعة. استمر هذا الاختبار العسير 33 عاماً».

بطاقات بريدية

وكان حريصا على اقتطاع جزء مهم من راتبه المتواضع ليشتري بها بطاقات بريدية ومجلات يستوحي من صورها هندسة أجزاء قصره الذي بناه وزخرفه. لكل ذلك، قرر جوزيف بعد أن انتهى من تشييد القصر المثالي الشروع في بناء قبره بنفسه في مقبرة البلدة التي شيد قربها قصره وكتب عليه بعد أن قضى ثماني سنوات في تشييده كما لو كان تحفة فنية لا قبرا: «كثير من الناس سيزورون مبنى هذا القبر بعد زيارة قصر الأحلام الذي بنيته وسيعودون إلى أوطانهم مبهورين بأن ما رأوه ليس حكاية من نسج الخيال بل هو الواقع بعينه».
ومن كبار زاور القصر المثالي الذي بناه ساعي البريد الفرنسي جوزيف بعد موته في عام 1924 مطلقو المدرسة الفنية السوريالية وفي مقدمتهم منظرها الشاعر الفرنسي أندريه بروتون الذي جادت قريحته بقصيدة امتدح فيها جوزيف عام 1932 وجعله في مصاف كبار الفنانين السورياليين. أما الكاتب الفرنسي أندريه مالرو الذي تقلد مهام وزير الثقافة في عهد الجنرال ديغول خلال الفترة الممتدة من عام 1959 إلى عام 1969 فقد خاض معركة طويلة ضد كبار موظفي الوزارة الذين كانوا يتحفظون على مقترح إدراج «القصر المثالي» في قائمة التراث الوطني الفرنسي الذي تتعهد الدولة بصيانته. وكسب مالرو المعركة في نهاية المطاف الأمر الذي سمح لهذا القصر بأن يظل حتى الآن معلما سياحيا وثقافيا فريدا من نوعه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية