القاهرة ـ «القدس العربي»: لم يزل يعيش الكثيرون صدمة ما حدث جرّاء أحداث غزة الأخيرة، ولم يكن من المتوقع أن تصبح المقاومة الفلسطينية هي صاحبة الصوت الأعلى ـ رغم تباين النتائج على الأرض ـ فالصدمة التي طالت الكيان الصهيوني ومَن يُشايعه من الحُكام العرب، خلقت مأزقاً لم يكن في الحسبان.
من ناحية أخرى كشفت هذه الأحداث عن مدى التباين والاختلاف بين وعي الشارع العربي ـ إلا القِلة المتواطئة دوماً ــ والأنظمة العربية، رغم تظاهر بعضها وأجهزتها الإعلامية، بمقولات وعبارات التأييد، والحديث بلهجة (عدالة القضية الفلسطينية) وهي نغمة غابت كثيراً، وكان الحل في نظر هؤلاء، ما يُسمى بـ(صفقة القرن) أو المؤامرة المشبوهة إن جاز التعبير. إضافة إلى أن ما حدث كشف مدى ضعف السلطة الفلسطينية الرسمية، وأن التعويل عليها بمثابة الوهم، والمزيد من استنزاف الدم والوقت. هنا نستعرض عدة آراء لمثقفين وباحثين عرب جرّاء ما حدث وتبعاته وأثره على القضية الفلسطينية..
عودة الروح
بداية يقول الكاتب والصحافي الفلسطيني خالد الغول.. من خلال المتابعة الحثيثة للغضبة الجماهيرية التي اجتاحت جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي أخذت تتدحرج بشكل متسارع ومتسع وتتخذ طابعا شموليا على مستوى الجغرافيا، وعلى مستوى طبيعة الفعاليات الميدانية، يمكن القول إنه حدثت صحوة جارفة، تصل إلى ما يسمى (عودة الروح) بعد الغرق المجتمعي في حالة من التيه، وطرح الأسئلة المصيرية والوجودية، إلى أن جاء هذا الغضب المتدفق ليخلخل صورة الاندماج والقبول قليل الحيلة للواقع، والمتكيف مع شروطه وإملاءاته الناعمة والثقيلة في الوقت ذاته. وقد أعادت هذه الحالة بكل تفاعلاتها اليومية صياغة الكثير من المعاني، وساهمت في تدشين رؤى أخرى تستنطق الواقع وتحلله وتحاول إدراكه وفهمه بما يتلاءم مع الخلخلة والإرباك، التي أحدثتها الوقائع على الأرض. وفي وقت كان فيه معنى التضامن منحصراً في الاحتفال بيوم عالمي هو يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، الذي تم إقراره بتاريخ 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1979، ليشكل فرصةً للفت انتباه العالم إلى أن القضية الفلسطينية لا تزال حية، وأن الشعب الفلسطيني ما زال يناضل من أجل نيل حقوقه المكفولة دوليا. خرجت الجموع الفلسطينية لتزيد من حجم وقوة هذا التضامن، وتعيد للقضية الفلسطينية بريقها وألقها، وتسجل حضورها القوي والمدوي، ولكي تفرض نفسها على طاولة مراكز صنع القرار في العالم، وتحتل مركز الصدارة في دوائرها الفاعلة، ولم يكن لذلك أن يحدث لولا الحشود الجماهيرية التي خرجت لتعبر عن رأيها، وتمارس حقها في الإفصاح عن أحلامها والإعلان عن حجم المعاناة والقهر والحرمان، وعن الظلم الفاحش الذي يقع على شعب يئن ويصمد ويكافح، منذ أكثر من سبعين سنة تحت نير الاحتلال. وإلى جانب هذا التوهج الجماهيري في فلسطين اندلعت المظاهرات السلمية في كل عواصم العالم على امتداد قاراتها، دعماً للحقّ الفلسطيني، وانضمت إليها الجماهير العربية، خصوصا في الجزائر والعراق واليمن وتونس والمغرب والكويت ولبنان، وغيرها من الأقطار العربية. وقد شهد كل من لبنان والأردن فعاليات تضامنية، تخطت مستوى التعاطف إلى مستوى الاحتشاد على حدود فلسطين، ومحاولةً اختراقها، كما حدث من قبل اللبنانيين الذين وصلوا إلى الحدود اللبنانية مع فلسطين، واستشهد منهم مواطن لبناني. وإضافة إلى ما شهدته شوارع العواصم العربية والعالمية من تضامن شعبي ميداني كبير، نجح الفلسطينيون في ابتكار أدوات ووسائل خلاقة تستفيد من تكنولوجيا الإعلام والتواصل، وتوظفها لإيصال كلمتهم للعالم والتعبير عن مشاعرهم ومعاناتهم، وحشد الرأي العام العالمي للتضامن معهم على المستويين الرسمي والشعبي. وتجلى ذلك من خلال الاقتحام الكاسح لوسائل التواصل الاجتماعي، والعمل على تعميم (الهاشتاغات) الداعمةَ للقدس والشيخ جراح وسلوان واللد وغزة. وقد اتضح مدى تأثير هذه المبادرات من خلال ما تحقق من رسائل تضامن ومواقف تضامنية، عبّر عنها كثيرون من المشاهير العالميين والعرب من الفنانين والإعلاميين والأدباء ولاعبي كرة قدم وغيرهم. ونجحت هده الوسائل بشكل كبير، رغم كل محاولات المسيطرين على وسائل التواصل الاجتماعي المتنوعة من لجم الأصوات المتضامنة مع الشعب الفلسطيني، والداعمة لحقوقه العادلة، والضغط على النجوم والمشاهير للتراجع عن مواقفهم. أما على مستوى الموقف الرسمي ومدى تناغم مواقف الأنظمة مع نبض الشعوب، فإن البون شاسع بين الموقفين إلى أبعد حد، فمنذ أن تحولت القضية الفلسطينية من قضية العرب المركزية إلى قضية نزاع فلسطيني إسرائيلي، خصوصاً بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، انحصر دور الأنظمة في إعداد بيانات الدعم الشكلي للفلسطينيين، والاكتفاء بدور الوسيط المحايد، أو المنسق لجولات من التحرك الدبلوماسي الذي لم يعد الشعب الفلسطيني يثق بأهدافه وجدواه، وتخطى الأمر ذلك مؤخراً، إلى ما هو أبعد من ذلك بعد اندراج الأنظمة الخليجية في مسلسل التطبيع، ما جعل الشعب الفلسطيني لا يراهن على أحد، سوى وعيه وإرادته وصموده، والشعوب المتضامنة معه من العرب والأحرار في العالم.

حاتم الجوهري – خالد الغول – شكري الصيفي
مأزق الأنظمة العربية
ومن جانبه يضيف الصحافي التونسي والباحث في الاجتماع السياسي شكري الصيفي قائلاً.. في رأيي فإن القضية الفلسطينية والواقع العربي والإقليمي أخذا منعرجا جديدا في ظل العدوان على غزة، واستمرار الاعتداءات وتوسيع المستوطنات في الضفة. أولا نهاية اتفاق أوسلو بعد أن شهدنا منذ توقيعه أنه شبه ميت، مررنا من حالة الاحتضار إلى الموت خاصة في ظل الإجراءات غير المسبوقة التي اتخذتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بشأن القدس والأونروا واتفاق إبراهام مع بعض الدول العربية. ثانيا نحن إزاء شبه تلاش لحل الدولتين، والتعنت الإسرائيلي. في ظل هيمنة اليمين الصهيوني، خاصة بعد إعلان إسرائيل دولة يهودية. عملية غزة تأتي في سياق تحول سياسي دقيق في الولايات المتحدة بعودة الديمقراطيين للحكم، كما تأتي بعد تمكن نتنياهو بمساندة أمريكية من تحقيق مكاسب على حساب الفلسطينيين، ومحاولة عزلهم عربيا وإقليميا. وبالتالي فإن العدوان كسر نسبيا هذا الطوق وأعاد التفاوض على الوضع على الأرض، والتهدئة إلى مستويات سابقة. وجعل من الدول التي ذهبت في اتجاه التطبيع تعيد تحديد أولوياتها على الأقل مرحليا. وقد تساهم نتائج العدوان على غزة في حلحلة المشهد الداخلي الإسرائيلي، من خلال إزاحة نتنياهو انتخابيا. تبقى الضغوط العربية والإقليمية والدولية مهمة في صياغة رؤية جديدة للحل، يتمكن فيها الفلسطينيون من التوافق ضمن أطر واضحة وسليمة تمكنهم من إبلاغ صوتهم ككتلة واحدة وموحدة. كذلك وكما كل مرّة، كشف العدوان الأخير على غزة، الهوة العميقة بين الشارع العربي الذي ككل أزمة كبيرة يواجهها الشعب العربي، خاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والأنظمة العربية التي لا تزال تراوح مكانها في ظل إخفاقها في دعم قضية العرب الأولى. الشارع العربي استمر في مبادراته المتعددة لدعم الفلسطينيين في صمودهم على الأرض، معنويا وإغاثيا، في الوقت الذي لم تقدم معظم الأنظمة العربية أي دعم سياسي للقضية والشارع، وفضلت الحلول المنقوصة التي أثبتت خلال العقود الأخيرة فشلها، فهذه الأنظمة في مأزق فعلي أمام الشعوب والرأي العام، وهو ما يضاعف مسؤوليتها إزاء القضية الفلسطينية.
الضغط على «مستودع الهوية» العربي وفي قضية فلسطين تحديدا، سيؤدي لخضوع هذا المستودع وأهله، واستلابهم لنموذج «الآخر» الصهيوني والغربي، الذي حاول البعض الترويج له.
استعادة الذات العربية
وفي الأخير يرى الباحث والأكاديمي المصري حاتم الجوهري أنه.. إذا تحدثنا عن الموقف العربي؛ بين ما هو رسمي وما هو شعبي تجاه أحداث فلسطين، فسنجد أن الموقفين اتفقا بنسبة كبيرة، خاصة في بعض الدول، باعتبار أن انتفاضة القدس الأخيرة، كانت لحظة مفصلية مهمة للغاية على المستويين، ويمكن أن نضع عنوانا كبيرا لهذه المفصلية تحت اسم: معركة انكسار صفقة القرن ومخلفاتها، وبشائر «استعادة الذات» العربية، رغم كل التناقضات المتفجرة على السطح، وتمثلاتها في مختلف الدول العربية.
وأعتقد أن العامل الحاسم هنا؛ هو أثر الضغط على «مستودع الهوية» العربي الذي اختزن الكثير في فترة الرئيس ترامب، وكان ينتظر الفرصة للتعبير عن نفسه، وليس كما كان يظن البعض، أن الضغط على «مستودع الهوية» العربي وفي قضية فلسطين تحديدا، سيؤدي لخضوع هذا المستودع وأهله، واستلابهم لنموذج «الآخر» الصهيوني والغربي، الذي حاول البعض الترويج له.
أولا على المستوى الشعبي؛ شهدت مواقع التواصل الاجتماعي جائحة عظيمة من الدعم للقضية الفلسطينية وانتفاضة القدس، والتفاعل مع أحداث الشيخ جراح، والترحيب بفعاليات فلسطينيي الداخل المحتل، وأثر التراشق الصاروخي بين قوات الاحتلال والجانب الفلسطيني، بغض النظر عن الاستقطابات السياسية، التي قد تمثلها بعض أطراف المقاومة الفلسطينية، وهذا وعي شعبي شديد، حينما يتمدد «مستودع الهوية» ويطغى على الاستقطابات والتناقضات المختلفة في السياق العربي، وربما هو الدرس الأهم هنا. وكانت هذه لحظة شعبية مفصلية دالة بالذات في مصر، لأنها جاءت بعد حوالي خمس سنوات، من فتح المجال لدعاة خطاب «الاستلاب الآخر» الصهيوني/الغربي، والترويج لتصوره وروايته في الصراع على العربي الصهيوني والانتصار لها، وهو التيار الذي قاده يوسف زيدان ومراد وهبه وآخرون، وظلوا يعملون جاهدين في وسائل الإعلام المختلفة لتشويه «الذات العربية» ورموزها التاريخية، وتشويه مواقف المقاومة أمام الشباب الصغير وعموم الناس. لهذا السبب كانت انتفاضة القدس 2021 لحظة مفصلية لاستعادة الشعب العربي لمواقفه الواضحة، دعما للحقوق الفلسطينية، وقدرة مكونات «مستودع الهوية» العربي على ضبط البوصلة للجميع، رغم كل الضغوط وتفجير التناقضات، التي سعى ترامب إليها في سياق صفقة القرن، قبل أن يسقط في الانتخابات الأمريكية الأخيرة.
ويضيف الجوهري.. وعلى مستوى الموقف العربي الرسمي، كانت لحظة مفصلية أيضا، سواء سلبا أو إيجابا، كانت لحظة سالبة للبعض ولحظة رافعة للبعض الآخر، لكن في الوقت نفسه أثبتت قدرة «مستودع الهوية» العربي ومكوناته على ضبط الجميع عند الحاجة. كانت لحظة سالبة لحلف «الاتفاقيات الإبراهيمية» الذي تمثله الإمارات تحديدا، وتدعمه السعودية بشكل غير معلن مع ولي العهد، لأنها وضعتهم في موقف سيئ للغاية، وكشفت زيف المبرر الذي قدمته الإمارات، بأن توقيع الاتفاقية مع «إسرائيل» كان بغرض كبح الاستيطان والعدوان على الأرض الفلسطينية. وفي الواقع موقف الإمارات من الانتفاضة الفلسطينية وسد النهضة الإثيوبي، أعادها لحجمها الطبيعي، وكشف تباين موقفها تجاه «مستودع الهوية» العربي، وعملها في اتجاه عكسي له. في الحين نفسه كان الأمر لحظة رافعة وموجبة بالنسبة إلى مصر الرسمية، حيث استجابت الإدارة السياسية الحالية لما يحدث، واستعادت صلتها بالقضية الفلسطينية، وتجاوزت بنسبة كبيرة أثر صفقة القرن ومخلفاتها، والتناقضات التي فجرها دونالد ترامب لمصر لتمرير الصفقة، عبر ضغوط وجودية هائلة، مستغلا تفجر التناقضات الداخلية لمصر ووصولها لمداها، عقب إزاحة نظام الإخوان وتبعاته، والاستقطابات التي نشأت عن ذلك على حدود مصر الغربية وفي سيناء، كما أدار ترامب ملف «سد النهضة» بطريقة كادت أن تضع الإدارة المصرية أمام حلول ضيقة وحرجة للغاية، لكن مصر أظهرت وعيا قويا بذاتها وصلتها بـ»مستودع الهوية» العربي، ودعمت القضية الفلسطينية في خطاب قوي إزاء العدوان الصهيوني، وتحركت على الأصعدة السياسية كافة، لتستعيد ما فقدته أثر «صفقة القرن» ومخلفاتها، وصولا لاتفاق وقف إطلاق النار، ويمكن كذلك أن نربط وعي مصر بذاتها وعلاقتها بـ»مستودع الهوية» العربي، وأزمة السد الإثيوبي كمعركة لكسر الإرادة، والتحول الاستراتيجي في سياساتها الخارجية. الدرس المستفاد ما زلنا لم نصل له بعد، وهو حاجة «الذات العربية» لمشروع حضاري ووجودي جديد، تتجاوز به تناقضات القرن الماضي واستقطاباته السياسية رد الفعل لـ»المسألة الأوروبية» كلما اختصرنا المسافة للوعي بهذه النقطة، وتحديدا التصالح مع مشروع الثورات الشعبية العربية لـ»استعادة الذات» العربية، بعيدا عن الاستقطابات السياسية الموروثة وفصائلها، ونظرنا للثورات كقوة ناعمة، وإضافة مركزية للأمن القومي العربي، كلما اختصرنا الطريق للعبور الواعي للمستقبل وقدمنا البديل الحقيقي.