باحث إسرائيلي يحذّر: دعم الولايات المتحدة لإسرائيل قوي لكنه ليس “شيكاً مفتوحاً”

حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”: فيما توجهت إسرائيل بطلب للولايات المتحدة للحصول على مساعدة بمليار دولار لشراء ذخائر وأسلحة بعد نفادها نتيجة العدوان الأخير على غزة، يحذر باحث إسرائيلي من أن الدعم الأمريكي في فترة بايدن قوي لكنه ليس “شيكاً مفتوحاً”.

ويقول أودي أفينطال، باحث ومحلل سياسي في معهد السياسات والإستراتيجيا، التابع لمركز هرتزيليا متعدد المجالات، إن التصعيد في غزة كان أول اختبار لإدارة بايدن في الساحة الفلسطينية. منوها أنه خلال القتال، عملت الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس بايدن وبمشاركة جميع المسؤولين الكبار في طاقمه -مستشار الأمن القومي، وزيرا الخارجية والدفاع، والسفير في الأمم المتحدة- في الساحة الدبلوماسية والدولية والإقليمية (وخصوصاً إزاء مصر)، بهدف الدفع قدماً بخطوات تؤدي إلى وقف التصعيد ووقف إطلاق النار. ويستنتج الباحث الإسرائيلي من فحص سلوك الإدارة خلال حرب “حارس الأسوار” أنه كلما استمر القتال كلما تحول التأييد الأمريكي الواضح لإسرائيل إلى مقاربة أكثر “توازناً” في الرسائل، وصولاً إلى المطالبة القاطعة بوقف القتال والتوصل إلى وقف إطلاق النار.

صبر الولايات المتحدة أصبح أقل

يستذكر أفينطال أنه في الأيام الأولى لـ”حارس الأسوار” تحدث بادين مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عدة مرات، وأن الإدارة الأمريكية شددّت في الأساس على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في وجه إطلاق الصواريخ عليها من “حماس” والتنظيمات الأخرى في غزة. منوها أنه في المقابل منعت الولايات المتحدة خلال المواجهات عدة مرات صدور بيان من مجلس الأمن واقتراح مشروع قرار فرنسي دعا إلى وقف إطلاق نار فوري، وأوضحت الإدارة الأمريكية أن المساعي من وراء الكواليس لإعادة الهدوء أكثر نجاعة من بيانات الأمم المتحدة.

ويتابع: “مع ذلك، منذ اليوم الثالث للقتال برز تغيير في الخط الأمريكي. في حديث بين بايدن ونتنياهو في 15 أيار/ مايو، أعرب الرئيس الأمريكي عن قلقه من العنف في المدن المختلطة في إسرائيل، ومن التصعيد في الضفة الغربية، وبالنسبة إلى أمن الصحافيين (في أعقاب مهاجمة إسرائيل مبنى يضم وسائل إعلام أجنبية في غزة).

كما يوضح أفينطال أنه وبعد يومين على ذلك، وإلى جانب تأييد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، بحث بايدن مع نتنياهو “تقدُّم المعركة الإسرائيلية ضد حماس، وأعرب لأول مرة عن تأييده لوقف إطلاق النار”. ويوضح أفينطال أنه بعد مرور يومين على ذلك، جرى نشر أهم ما جاء في حديث بين الزعيمين لم يجرِ فيه ذكر حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها؛ بل تركز الحديث على التقدم الإسرائيلي في ضرب قدرات التنظيمات المسلحة. وأعرب بايدن عن توقعه “الحد من التصعيد” فوراً على طريق وقف إطلاق النار. ويمضي أفينطال في تشخيص التحوّل في الموقف الأمريكي المزعوم: “في 16 أيار/ مايو ألقت السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة ليندا توماس- غرينفيلد، خطاباً تفصيلياً برز فيه خط متوازن أكثر فيما يتعلق بالجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. لم تذكر السفيرة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، مشددةً على العدد المرتفع للقتلى نتيجة إطلاق الصواريخ والهجمات الجوية؛ ودعت الطرفين إلى ضمان حماية المدنيين واحترام القانون الإنساني الدولي؛ ولم تصف حماس والتنظيمات الأخرى في غزة بأنها تنظيمات إرهابية؛ ودعت كل الأطراف في داخل إسرائيل إلى الامتناع من التحريض والهجمات العنيفة وعمليات الإرهاب والإخلاء، بما فيها في القدس الشرقية، وهدم منازل، وبناء مستوطنات شرقي خط 1967 “.

من يقف وراء تغير التوجه في الولايات المتحدة؟

برأي الباحث الإسرائيلي، هناك ثلاثة عوامل مركزية وجّهت وأثّرت في سياسة بايدن إزاء التصعيد في غزة: الأول، دعم إسرائيل وضمان أمنها والحاجة الاستراتيجية إلى خروجها من المواجهات منتصرة في مواجهة أطراف المحور الراديكالي في الشرق الأوسط. العامل الثاني يتعلق بالتكلفة والجدوى من استمرار القتال في غزة على خلفية تصاعد المسّ بمواطنين عزّل وإمكان امتداد الأزمة إلى ساحات أخرى، وجرّ الولايات المتحدة إلى المنطقة، بما يتعارض مع سلّم أولوياتها الاستراتيجي. أما العامل الثالث هو الضغط الداخلي الذي مورس على بايدن من طرف الحزب الديمقراطي والكونغرس.

ويعتبر أفينطال أن العامليْن الأخيرين هما اللذان أديا إلى تغيّر سياسة الإدارة الأمريكية. وفي معرض تعليل رؤيته هذه، يقول: “القتال في غزة -كلما تقدم القتال كلما اتضح أن الإدارة الأمريكية لم تفهم ما هي إستراتيجية إسرائيل والأهداف التي تريد تحقيقها. وتحدثت تقارير عن بلورة فهم لدى الإدارة في أن الإنجازات العسكرية للجيش قد استُنفدت، وأن بايدن أوضح لنتنياهو أن استمرار المواجهات يمكن أن يؤدي إلى تعقيدات. هذا كان تقدير هيئة الأركان المشتركة في البنتاغون، وقد حذّر رئيس القيادات الجنرال مارك ميلي علناً من أن استمرار القتال يمكن أن يزيد احتمال زعزعة الاستقرار في المنطقة”.

صفقة سلاح دقيق

ويستذكر أفينطال أنه في ذروة القتال، أصدر أكثر من 29 سيناتوراً من أصل 50 بياناً مشتركا دعا إلى وقف إطلاق النار، بخلاف موقف إسرائيل. وخلال المعركة قدم ممثلو الجناح اليساري في الحزب الديموقراطي قراراً هدفه منع صفقة سلاح دقيق لإسرائيل (تقدَّر بـ735 مليون دولار)، وكرروا مطالبتهم باشتراط تقديم المساعدة لإسرائيل بوقف فوري لإطلاق النار.

كما يرى أفينطال أن المعركة في غزة جسّدت حاجة إسرائيل العميقة إلى دعم أمريكي وتنسيق كبير مع الإدارة الأمريكية في مواجهة مجمل التحديات الاستراتيجية التي تواجهها. ويعتبر أن المواجهة غير المفيدة مع بايدن بشأن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، والتي ظهرت خلال زيارة وزير الخارجية الأمريكي إلى إسرائيل بعد انتهاء القتال، يمكن أن تلقي بظلالها على مجمل العلاقات بين الدولتين، وأن تمسّ بقدرة إسرائيل على الحصول على مساعدة الولايات المتحدة، وعلى الدعم والضمانات المطلوبة في مختلف الساحات. ويضيف: “لقد أجبر القتال في غزة، إدارةَ بايدن على توظيف اهتمام كبير في الساحة الفلسطينية، بينما كان من الواضح أنها ترغب في تقليص اهتمامها بهذه المسألة وذلك في ظل إدراكها عدم وجود فرص لإعادة تحريك العملية السياسية من جديد، والأهم من ذلك كجزء من سياستها التي تسعى لتقليص تدخّلها في الشرق الأوسط والتوجه نحو آسيا والمواجهة التاريخية، في نظرها، للتحدي الذي تمثله الصين”.

انقسام أمريكي على إسرائيل

برأي أفينطال، فمن المعقول أن تؤدي الأحداث إلى زيادة التدخل الأمريكي في الساحة الفلسطينية، ولو بهدف المحافظة على التوازن الأمني والاستقرار في المنطقة، وعدم خروج الأحداث عن السيطرة، والحيلولة دون إبعاد الولايات المتحدة عن سلّم أولوياتها الاستراتيجي. ويرجح أن الدور الذي أدته مصر، ووصفته الإدارة الأمريكية بـ”المهم”، سيعزز نهج بايدن نحو سياسة واقعية لا تضع مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان فوق كل شيء، وذلك كسبيل صحيح لتعامُل الولايات المتحدة مع حلفائها في الشرق الأوسط. وعلى غرار باحثين إسرائيليين آخرين، يرى أفينطال أن “الأحداث في غزة  أظهرت بوضوح نهجاً مثيراً للقلق بشأن كل ما له علاقة بمكانة إسرائيل في الولايات المتحدة. ويقول إن إسرائيل قد تحوّلت إلى المشكلة الخارجية الأساسية التي تقسم الحزب الديمقراطي، وكموضوع خلاف مركزي بين المعسكرات في السياسة الأميركية، الأمر الذي يضر كثيراً بمكانتها كموضوع إجماع يتخطى الأحزاب، وأحد الأرصدة التقليدية المركزية في الولايات المتحدة. ويخلص أفينطال للقول: “في النهاية، أثبت التصعيد في غزة أن قدرة الخطوات العسكرية لإسرائيل على تحقيق إنجازات، وكذلك حجم سيطرتها على الأحداث، مرتبط بالتوقيت الأمريكي والوقت الذي تكون الإدارة الأمريكية مستعدة لإعطائه لإسرائيل لاستنفاد أهدافها العسكرية والسياسية”.

إيران وحزب الله يستخلصان دروس الحرب

في سياق متصل، يرى جاك نريا، الباحث في “مركز القدس للشؤون العامة والسياسة” في مقال بعنوان “غزة كحقل تجارب لإيران” أن “حماس” استوعبت أن التقدير في إسرائيل حتى اللحظة الأخيرة هو أن “حماس” ليست معنية بمواجهة عسكرية وأنها مرتدعة، بالإضافة إلى الاستمرار في القول إن إسرائيل غير معنية بالقيام بعملية برية في غزة لإسقاطها.

نريا الذي شغل مناصب عسكرية رفيعة في الماضي، قال إن الكلام المذكور أدى في المنظور الفلسطيني إلى تجذر صورة ضعف لإسرائيل، وعدم رغبتها في إدخال قواتها إلى غزة خوفاً من وقوع خسائر في الأرواح، والسيطرة على مليوني فلسطيني. ويتابع: “هذه الاستنتاجات التقطتها طهران وحزب الله لأن التشابه مع الوضع في لبنان بديهي. لكن بعيداً عن كل ما قيل، الضعف الإسرائيلي لم يلمسه الجمهور الفلسطيني فقط، بل أيضاً حزب الله وإيران اللذان يتعلمان من سلوك إسرائيل خلال أيام القتال وكل هذا لا يبشّر بالخير بالنسبة إلى إسرائيل”.

ويرى نريا أيضا أنه يجب أن تكون الحرب في غزة جرس إنذار مهماً يدفع إسرائيل إلى إعادة التفكير في سلوكها إزاء أعدائها في العالم العربي. معتبرا أن الوضع الناشئ يحتّم على إسرائيل القيام بتغيير جذري في ردودها: يجب التخلي منذ الآن عن ضبط النفس الذي يُعتبر مصدر كل شر، بحسب تعبيره، معتبرا أن استمرار سياسة ضبط النفس هذه مع التردد في استخدام القوة يمكن أن يشجع إيران وحزب الله على مواصلة التخطيط لمفاجأة إسرائيل في الساحات الأخرى إذا استنتجا أنها ستعمل على منع وقوع أي مواجهة جبهوية مع حزب الله، وستمتنع من القيام بأي عملية برية يمكن أن تؤدي إلى وقوع خسائر في الأرواح، وأن تعرّض الجبهة الداخلية لضربات قاسية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية