قسطنطين كافافيس
يعود الفضل في اكتشاف الشاعر قسطنطين كافافيس وتعريفنا به إلى الناقد الإنكليزي أ. م. فورستر، إثر نشر مقالته المهمة: «شعر ق. ب. كافافيس». كانت الحرب العالمية الأولى قد قامت، وتطوّع فورستر للعمل في الصليب الأحمر في مدينة الإسكندرية، حيث تعرّف على الشاعر: «إنه حدث مبهج للإسكندريين أنهم يرون كل يوم سيداً يونانيا يضع قبعة من قش، واقفا عند زاوية منحرفة من الكون. ذراعاه ممدودتان، ربما. «آه، كافافي…!» نعم، هو السيد كافافيس، وهو يمضي إما قادماً من شقته إلى المكتب، أو من مكتبه إلى الشقة». وفتحت مقالة فورستر الطريق للدراسات الكافافية التي ستزدهر منذ تلك السنة، وحتى الآن، فلا يمرّ عام إلا ويشهد العالم عشرات الدراسات عن فن كافافيس الشعري، ولا يمكن القول، إن شاعرا من العصر الحديث لقي الانتباه والاهتمام نفسه، وتتنازع في الوقت الحاضر مدينتان هما أثينا والإسكندرية حول أيّهما أحقّ في نسبة الشاعر، بينما خصّصت كلّ من اليونان ومصر جائزة في الشعر تحمل اسم كافافيس.
سؤال: ما هو السرّ في كلّ هذا الاهتمام؟ ما الذي يجعل رجلا عاش مغمورا في زمانه، فلا يكاد يعرفه أحد في مدينته، ليقف الآن «عند زاوية منحرفة من الكون» على حدّ تعبير فورستر، ويشدّ انتباه العالم إليه؟
عبّر فلوبير عن انتقامه من العالم الذي كان يعيش فيه بكتابة رواية «سالامبو» وأقرّ بذلك بشكل عفوي: «قليلون هم من سيكتشفون إلى أيّ حدّ ينبغي على المرء أن يكون حزينا حتى يتكبّد عناء إحياء قرطاجة». رواية «سالامبو» ما هي إلا غطاء خيالي لمادة شخصية في حياة فلوبير، وهو يحاول استمالة الماضي من أجل إعادة تشكيل الحياة، التي سوف تكشف عن نفسها، لكن بالصورة المرجوّة، والأمر يُقال عن كافافيس كذلك، إذ لم يكن بحثه عن أدقّ التفاصيل في أحداث التاريخ غير استبعاد لأجزاء حياته المملة:
«يوم رتيب، يليه آخر رتيب
كسابقه، يتطابق معه، وما حدث مرة
سيحدث لنا ثانية، وثانية ـ
اللحظات المتشابهة ستأتي وتذهب»
كان كافافيس يقرأ عن عظمة الإسكندرية «مدينة الناصح الأمين» و»مجد العالم الهيليني» و»أكثر المدن حكمة في كل الفنون، وفي كل مناحي الفلسفة» وعندما ينظر حوله لا يجد غير قرية بائسة تتألف من أربعة آلاف مواطن يصفها لورنس داريل في «رباعية الإسكندرية» بأنها كانت «مُلْكا للذباب والشحاذين، وهؤلاء الذين يحظون بوجود يتوسط هذين الاثنين» وليس أمام الشاعر غير أن يستعيد مجد مدينته بقصائده التي كان تلوّن تعاسته بنوع من النشوة، ويتسع التاريخ له بهذه الوسيلة، كملجأ أخير، إذا خرج منه امتلأ فؤاده بالندامات.
قضى كافافيس أغلب سنينه في الإسكندرية، التي يحكمها العرب المسلمون، دون أن يتأثر بتقاليدها، وكان يتكلم الفرنسية والإنكليزية، ويرفض تعلّم أيّ كلمة عربية، ولازمه هذا التعنّت طوال حياته. يذكر أحد أصدقائه أنه كان يسخر كثيرا من المثل العربي «إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب» معتبرا الكلام إحدى هبات الحضارة العظيمة، ويخبرنا الناقد فورستر في مقالته كيف كان كافافيس يستطيب طريقة تخصّه وحده في الحديث، فهو يبدأه عادة: «بجملة طويلة معقدة لكنها جملة محكمة، مليئة بالأقواس التي لا تختلط أبدا، والتحفظات التي بالفعل تتحفظ، جملة تتحرك بمنطق إلى نهايتها المنتظرة، لكنها نهاية أكثر إثارة وحيوية مما توقع أحد. أحيانا ما تنتهي الجملة في الشارع، وأحيانا ما تغتالها وسائل المرور، وأحيانا ما تتواصل حتى الشقة. ورغم ثرائها الفكري واستشرافها الإنساني، رغم الخيرية الناضجة لأحكامها، فإن المرء يحس أنها أيضا تقف طويلا عند زاوية منحرفة إزاء الكون؛ إنها جملة الشاعر». ربما يعود سبب هذا الرفض القاطع لكل ما يمت بالعربية بصلة إلى «الحلم الترابي القبيح» الذي كان يعيشه الشاعر في المدينة، والوصف للورنس داريل: «منازل عفنة نخرة تعجّ شرفاتها بالفئران، وعجائز النساء وقد امتلأ شعرهن بدم القراد، وشريط الذباب الأسود يلصق نفسه إلى شفاه وعيون الأطفال».
آه لو وجد نفسه في سوريا!
لقد غادرها فتيا
بحيث لا يتذكّر معالمها إلا غائمة
لكنه كان يراها في أفكاره دائما شيئا مقدسا
تدنو منه عاشقا،
مثل رؤيا مكان حبيب، مثل مشهد مدن ومرافئ إغريقية
والآن.. الآن اليأس والأسى.
سوريا وإيثاكا والإسكندرية مدن تعود إلى الماضي، ولا وجود لها في زمان الشاعر. يروي داريل كيف كانت «جوستين» الشخصية المحورية في الجزء الأول من الرباعية، تتلو قصائد الشاعر عن الإسكندرية بطريقة يحسّ فيها السامع «بالقوة الغامضة الغريبة لتلك المدينة» ويدرك عندها أن هذه المرأة ابنة حقيقية للمدينة، لأنها استطاعت بصوتها رسم الحياة الزاهية للساكنين فيها. إن غاية الحنين إلى الماضي هو الوصول إلى الزمن الذي لا يمكن إعادة النظر فيه أو تغييره، لأنه صار عبر الحنين إليه ثابتاً مطلقاً، ولا ننسى أن الشاعر هو المخلوق الذي يتخطى الحياة بواسطة الحبّ، ويثبت للجميع أنه أمر مطلق، يأخذ كل شيء، أو يخسر كل شيء.
بين كافافيس وفلوبير أكثر من علاقة، الاثنان كتبا عن التاريخ القديم، وعن مواضيع شديدة الجرأة، كانت تبدو غير مقبولة في ذلك الزمن. اشتعل غضب الجميع على فلوبير لأنه ألّف رواية «مدام بوفاري» وتمّت محاكمته، وكان كافافيس يوزّع قصائده سرّا لكي يبعدها عن «المتحدثين بالأخلاق ذوي الملابس الداكنة المغبرة». في قصيدة «شباك دكان التبغ» التقي شابان، و:
«ابتسما، وأومآ برأسيهما إيماءة خفيفة
وبعدها، العربة المغلقة، بالطبع…
والقرب الحار لجسديهما وانعقاد الأيدي، والتحام الشفاه
تذكّرنا العربة المغلقة بغراميات إيما بوفاري مع عشيقها في شوارع باريس، وكان الشاعر مطلّعا على الأدب الأوروبي، ومعجبا بالخصوص بالقصة الفرنسية. عاش فلوبير في القرن التاسع عشر، وربما كانت طريقته في العيش لها تأثير في فكر الشاعر، بما فيها من التصالح الوديّ الممتع مع كل ما أصابه من ألم سببه الجراح والخذلان.
يصف فلوبير نفسه في كتابه «رحلة إلى الشرق» بأنه: «رجل كالطلل يقيم في بيت كالطلل في مدينة الأطلال، لا يؤمن بشيء، ولا يكاد يحبّ أحداً خلا الأموات، يتمنى من الأعماق لو عاد الزمن به إلى القرون الوسطى». ويقول كافافيس عن نفسه: «الكثير من الشعراء شعراء على وجه الحصر. أما أنا، فإنني شاعر مؤرخ. أنا، أنا لا أستطيع كتابة رواية أو مسرحية، لكني أشعر في دواخلي بمئة وخمسة وعشرين صوتا تخبرني أنني قادر على كتابة التاريخ».
أينما حلا، الروائي الفرنسي والشاعر اليوناني، فإن شوارع المدينة ومبانيها تخلو بالنسبة لهما من الأحياء، الأموات وحدهم ينهضون، ويقومون باستقبالهما. يقول فلوبير في إحدى رسائله:
«أَوَد أن أَكْتُبَ كُل شَيْءٍ أَرَاهُ، لَيْسَ كَمَا هُوَ عَلَيْهِ، وَلكنْ أن أكتبه فِي حُلةٍ جَدِيدَةٍ. ذلك أن الرِوَايَةَ الدقِيقَةَ للحَدَثِ الوَاقِعِي الأجل يَبْدُو لِي أمْرا مُسْتَحِيلاً؛ إذ عَلي أن أُنْفُخَ في تفاصِيلِه أكثرَ. إن الأَشْيَاءَ التي شَعُرْتُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا تُعْرَضُ عَلَي وَكَأنَهَا قَدْ بَدلَتْ مَوَاضِعَ حُدُوثها إلى بُلْدَانٍ أُخْرَى، وَشَعُرَ بِهَا أَشْخَاصٌ آخَرُونَ. وَهَكَذَا أُغَيرُ المَنازلَ وَالثيابَ وَالسمَاءَ وغَيرَها».
هذ الانتماء إلى الماضي جعل الاثنين، الروائي والشاعر، يهبطان ليلة بعد أخرى في أحلام محلوم بها من قبل آخرين عاشوا في حقب زمنية بعيدة، وبسبب هذا حملت أعمالهما قوة ساحرة لا تتوفّر سوى في الأعمال الفنية التي تجعلنا نرى بعين أسلافنا الأقدمين، حتى الوحوش منهم، الذين عاشوا في بداية الخليقة، ويحضر هنا مثال نساء بيكاسو في لوحته الشهيرة «آنسات آفينون» حيث استعار الفنان الأسلوب الأيبيري لإسبانيا القديمة، بالإضافة إلى إعادة الروح للأقنعة الافريقية البدائية والمتوحشة. وقت عرضها اعتُبرت اللوحة غير أخلاقية، ورفضها الجميع، بمن فيهم النقاد والفنانون، وبمرور السنين اكتشفوا الثورية الخطيرة، إذا صحّ التعبير، التي اتبعها الرسام منهجا في إعادة إحياء الجمال القديم. اختار بيكاسو اسم «عاهرات آفينون» عنوانا للوحة، وبسبب الضجة التي سبّبتها نصحه أحد أصدقائه باختيار اسم أقلّ إثارة للفضيحة، فكانت «آنسات آفينون».
كان كافافيس يقضي مساءاته مكتفيا بضوء شمعة ـ لم يجهز شقته بالتيار الكهربائي ـ ضوء خافق وحيد ينير له جوا أبعد ما يكون عن اليأس أو العقم:
شمعة واحدة تكفيني
لأن نورها الخابي يمنح المتعة الملائمة
حين تجيء الأشباح…
إنها ذات الأشباح التي استحضرها بيكاسو وهو يرسم نساءه، وكذلك فلوبير وهو يكتب رواية «سالامبو». الماضي حين يضغط علينا نصبح كما لو أننا نعيش في أعماق بحر ونتنفس، فليس من سبيل لمداهنته، لأنه ثابت، وأبدي، بينما مراودة الحاضر متوفرة دائما، ولا تساوي شيئا. هذه هي حال الحياة، وهذا هو أمر الواقع؛ الغياب يؤدي دائما إلى الاستحضار، ولا يبقى في الذاكرة سوى ما نريد نسيانه، كما يقول دوستويفسكي.
كاتب عراقي