غياب عادل إمام عن الموسم الرمضاني أفسح المجال للمُرتزقة والهواة

كمال القاضي
حجم الخط
0

تعددت الأقاويل حول غياب عادل إمام عن الموسم الدرامي الرمضاني، فهناك من أرجع السبب إلى اهتمام النجم الكبير بصحته في الآونة الأخيرة وانشغاله بالفحوصات الطبية، وهناك من أكد أن انسحابه لم يكن سوى ترجمة حرفية لرأيه في ضعف المستوى الإبداعي وترفعه عن المنافسة في ظل التدشين الدرامي الموجه وغير المُنظم، فضلاً عن أن تحكم جهة إنتاجية واحدة في المعيار الفني والشكل العام للنوعيات الدرامية قد أضعف ثقة معظم النجوم الكبار في مستوى ما يُقدم وجعلهم أكثر تردداً في دخول غمار السباق بين مجموعة الشباب الذين ارتقوا فجأة إلى مستوى البطولة المُطلقة وصاروا يتحكمون في آليات السوق ومنافذ التوزيع ويحددون النوع الدرامي الرائج ويفضلون منه ما يتسم بالإثارة والعشوائية والفوضى.
لقد مثل انسحاب عادل إمام من الموسم الرمضاني هذا العام حدثاً فارقاً، كونه عود الجمهور على الحضور الدائم طوال السنوات الماضية بعمل فني متميز منذ أن قدم في فترة الثمانينيات مُسلسله المخابراتي المثير «دموع في عيون وقحة» مع صلاح قابيل ومحمود الجندي ومعالي زايد وفاروق فلوكس في بطولة جماعية مشتركة كان لها أثر كبير إبان عرضها لأول مرة.
ولم يعدم النجم الكبير الوسيلة التي تمكنه من إثبات الوجود كمنافس قوي بإمكانه تحريك الماء الراكد في الساحة الفنية بمجرد الظهور على الشاشة، فقد قدم على امتداد رحلته مع الدراما التلفزيونية نماذج مهمة من الأعمال كان من بينها «فرقة ناجي عطا الله» و»عفاريت عدلي علام» و»أستاذ ورئيس قسم» وغيرها. وبرغم الانتقادات التي وجهت إليه في حينه لم يفقد عادل إمام أيا من جماهيره ولم يفارقه لقب الزعيم الذي لازمه منذ قيامة ببطولة مسرحية الزعيم التي لاقت نجاحاً كبيراً واستمر عرضها لسنوات طويلة.
ولأن النجومية لا تتحقق من فراغ ولا يمكن لأي فنان الاحتفاظ بمكانته ومكانه على القمة طوال أربعين عاماً كما هو حال عادل إمام، فقد ظل الرهان معقوداً على تاريخ الفنان وماضيه وحاضره وبات قرار عودته للشاشة الصغيرة محل انتظار الملايين، لكن درايته الشخصية بما يحدث على الساحة من تغييرات جذرية في شكل الدراما وأنواعها والجمهور المُتعاطي لها وتشجيع الجهات الإنتاجية للأعمال المُغرقة في الشعبية والعشوائية وما يترتب علي هذا الاستغراق من فوضى وهبوط في الذوق العام، جعله يراجع حساباته ويصرف نظر عن المشاركة في الموسم الدرامي الرئيسي، بل ويرى أن انسحابه يمثل نوعاً من المقاومة السلبية للواقع الدرامي والإبداعي المتردي.

وفي المقابل أدى انسحاب عادل إمام إلى حصر المنافسة بين العناصر الضعيفة من النجوم الجُدد الذي يفتقدون القدرة على التمييز بين المناسب وغير المناسب من الأنواع الدرامية ويرون في انتهازية الحصول على البطولات المُطلقة فرصاً عظيمة لا ينبغي إهدارها، وهو الفارق الثقافي الشاسع بين نجوم هم في الأصل ممثلين كبار وآخرون صنعتهم الظروف والصدف غير السعيدة التي وضعتهم أمام شركات الإنتاج الكبرى الآملة في استثمارهم على نحو مادي واقتصادي بحت من دون النظر للقيمة الفنية، وهي الأزمة الحقيقية التي كشفت عن ضعف الطالب والمطلوب في علاقة المصالح والمنفعة التي تربط بين جهات الإنتاج والصاعدين من الوجوه الجديدة أو الطامحين في تثبيت أقدامهم على قمة الهرم الفني في سباق النجومية المحموم، والقائم بلا معايير موضوعية أو شروط.
ويمكن التأكيد وفق كل المقاييس على أن المساحة التي تركها عادل إمام هذا العام شاغرة، قد منحت فرصاً فوق العادة لكل من هب ودب أن يعتلي عرش النجومية بجرأة شديدة ويُصنف نفسه ممثل صف أول ويباهي من هم على شاكلته بمعدلات التفاعل الجماهيري على وسائل التواصل الاجتماعي ويفاخر بما تحقق له من ترندات بحسب الاصطلاح التكنولوجي الشائع والمعمول به كمقياس للتفوق والنجاح، على الرغم من عمليات التحايل التي تحدث بشكل منظم لرفع نسب التفاعل وإثبات الجدارة والصدارة في السباق الافتراضي الوهمي الذي تقوده فرق المارينز التكنولوجي وتتحكم في مساره من فوق المنصات الإلكترونية النشطة.
لقد حصل محمد عادل إمام على فرصته كاملة في مسلسل «النمر» حيث قام بدور البطولة في محاولة منه ليكون شبيهاً لأبيه وخليفة له في الميدان الفني الفسيح، لكن لم يتحقق من هذا الطموح إلا القليل فالممثل الصاعد لا يزال يفتقد إلى الكثير من الخبرة في الأداء والتأثير، غيره أنه يفتقر لتلك الكاريزما المتوافرة للأب النجم، وهي مشكلة كبيرة تجعل المقارنة بينه وبين أبيه جد صعبة وربما تكون مستحيلة، فالموهبة لا تورث والنجومية كذلك لا تتأتى إلا إذا كان صاحبها يمتلك بالفعل مقوماتها وهو أمر لم يُحسم بعد بالنسبة لمحمد الابن، كونه يحتاج إلى وقت أطول لاختبار قدراته وتأثيره وموهبته في ضوء اعتماده على ما يحققه بذاته وليس ما يتحقق له.
الفرص برغم توافرها للسواد الأعظم من الممثلين الشباب والشابات، إلا أنها لم تُسفر عن نتائج مُبهرة في مستوى ما قدموه وهذا يؤكد أن العبرة بالتجربة وليس بالفرصة الآتية على طبق من ذهب، فليس بقوة الدفع وحدها تتحقق الأمنيات وتُفرض المُسميات والألقاب، فالنجومية هي حصاد التميز عبر سنوات من الاجتهاد والتعب ولا يجب منحها لممثل أو ممثلة لمجرد المشاركة في عمل كبير أو دور خاص فكم من ممثلين قديرين أفنوا حياتهم في البحث عن الأدوار الجادة ولا يزالون قانعين بما أصابوه من أدوار رئيسية أو ثانوية أو مجرد ضيوف شرف، بعيداً عن زهو النجومية والألقاب التجارية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية