صعوبات وتحديات سياسية شائكة أمام جهود إعادة إعمار غزة

إسماعيل عبدالهادي
حجم الخط
0

يواجه ملف إعادة إعمار غزة الذي تقوده مصر تحديات وعقبات سياسية شائكة، في ظل ربط الاحتلال الإسرائيلي إعادة الإعمار بقضية الأسرى المحتجزين لدى حماس منذ حرب عام 2014 إلى جانب مواصلة إسرائيل إغلاق معابر قطاع غزة التجارية ومنع إدخال مواد البناء والإعمار، فيما يبدو أن الطروحات التي قدمتها أطراف إقليمية ودولية فاعلة بخصوص ملف إعادة الإعمار، ستثير القلق والمخاوف في نفوس بعض الفلسطينيين في قطاع غزة.
وشنت إسرائيل عدواناً على قطاع غزة في 10 أيار/مايو الماضي وصف بالأعنف، وذلك في أعقاب قصف كتائب القسام مدينة القدس رداً على محاولات تهجير أهالي حي الشيخ جراح، حيث دمرت إسرائيل خلال هذا العدوان آلاف المنازل والمنشآت الصناعية والتجارية، إلى جانب تدمير البنية التحتية في القطاع، محدثة خسائر بشرية ومادية فادحة.
وتعمدت إسرائيل خلال عدوانها على غزة التغطية على فشلها العسكري والاستخباراتي، من خلال تدمير المنازل والأبراج السكنية المدنية، إلى جانب ضرب العديد من القطاعات الاقتصادية والتجارية، فتعرض للضرر الكبير قطاع الخدمات كالبنوك والمصارف والشركات التجارية، إضافة إلى تضرر قطاعات رئيسية كشركات الاتصالات والكهرباء والمياه وطرق النقل الرابطة بين محافظات القطاع إلى دمار هائل، حيث قدرت جهات حكومية في غزة عدد المنازل المدمرة بشكل كلي وجزئي بما يقارب من 2500 بناية سكنية، كما دمرت الطائرات الحربية 17 مصنعاً ومنشأة تجارية، إلى جانب تدمير 4 مصارف وبنوك، فيما قدر خبراء بأن تكلفة إعادة الإعمار تصل إلى 8 مليارات دولار.
وقال وكيل وزارة الأشغال في غزة ناجي سرحان، سيتم بناء جميع المنازل المدمرة خلال عام إذا وصلت أموال الإعمار التي تم رصدها، مشيراً إلى وجود عدد من المباني التي قصفها الاحتلال ولم تنهر ولكنها تحتاج إلى إزالة، وهذا يتطلب معدات ثقيلة للمساعدة في عملية إزالة الركام وتفتقر غزة لهذا النوع من الآلات، كما أن الوزارة بصدد إزالة عدد كبير من المنازل التي بها ميول أرضية لضمان سلامة المواطنين، وهذا سيضاعف جهود الوزارة في ظل انعدام الإمكانيات بسبب الحصار الإسرائيلي.

حرب على اقتصاد غزة

وقال رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة سلامة معروف إن العدوان الإسرائيلي أقرب ما يكون إلى حرب على اقتصاد غزة، الذي لم يتعاف من الحروب السابقة، إذ تسببت الغارات بخسائر مالية تزيد قيمتها على 322 مليون دولار أمريكي، فيما «ما زلنا عاجزين عن حصر الأضرار بشكل كامل نتيجة توسيع إسرائيل دائرة الخراب في كافة مناطق قطاع غزة».
وأشار معروف في تصريحات صحافية، إلى أن الغارات الإسرائيلية ألحقت أضراراً هائلة في عدد كبير من المنازل، بعد استخدامها صواريخ ارتجاجية خلال عدوانها، إضافة إلى أن الطائرات الإسرائيلية دمرت 74 مقراً حكومياً بالكامل، فيما قدر إجمالي خسائر قطاع البناء بنحو 216 مليون دولار أمريكي.
وتزامناً مع الجهود المضنية التي تقودها مصر، وتجاوزاً لكافة المعيقات والخلافات التي يتم وضعها أمام نجاح عملية الإعمار، أبدت مصر استعدادها للمساهمة بمبلغ 500 مليون دولار أمريكي لإعمار غزة، كما أن مصر قدمت اقتراحاً بالإشراف على إعادة إعمار غزة، من خلال قيام الشركات المتخصصة في مجال المقاولات والبنية التحتية بالاشتراك في مشاريع الإعمار، إلى جانب وضعها حجر الأساس لإنشاء مدينة سكنية مصرية في مدينة الزهراء وسط قطاع غزة وهذا ما رحبت به حماس، كما أن هذه الجهود قد عززت آمال المواطنين المشردين في إعادة إصلاح منازلهم المدمرة.
وتحاول إسرائيل والإدارة الأمريكية منح السلطة الفلسطينية الوصاية على عملية الإعمار، حيث قال الرئيس الأمريكي جو بايدن في أعقاب وقف إطلاق النار بين إسرائيل حماس، أن واشنطن ستقدم الدعم اللازم لإعادة إعمار غزة، ولكن عملية الإعمار ستكون بعيدة عن أي إدارة أو إشراف من قبل حماس، وذلك حرصاً على عدم استغلال حماس الأموال ومواد الإعمار في تعزيز قدراتها العسكرية، وستكون عملية الإعمار بالشراكة مع السلطة الفلسطينية.
ويتخوف المواطنون أصحاب البيوت والمنشآت المدمرة في غزة، من تكرار سيناريو حرب عام 2014 حيث أبرمت السلطة الفلسطينية عقودها كطرف مسؤول عن إدارة عملية الإعمار، فيما ما زالت هناك المئات من الأسر المشردة بلا مأوى، كما أن هناك العديد من الأبراج السكنية والمنشآت الصناعية متعطلة ولم يعد تشييدها مرة أخرى، وسط اتهامات باختلاس السلطة للأموال التي قدمتها الدول المانحة.
ورفضت مصر وخلال الجهود المكوكية التي يبذلها جهاز المخابرات العامة بين إسرائيل وحماس لتثبيت وقف إطلاق النار، ربط إسرائيل قضية الأسرى المفقودين بإعادة إعمار غزة، وتعتبر مصر أن الجهود الحالية التي يبذلها رئيس الجهاز عباس كامل، تأتي في سياق تثبيت الهدنة بين الجانبين والعمل على إعادة ما دمره الاحتلال الإسرائيلي من دون أي شروط، لضمان الاستقرار والهدوء في المنطقة.

إشراك السلطة

وترفض حماس في المقابل أي مقترح إقليمي ودولي يقوم على إشراك السلطة الفلسطينية في عملية إعادة إعمار غزة، ونتيجة لمحاولة إسرائيل وضع عراقيل، طالب الاتحاد الأوروبي إعادة إعمار غزة بدون شروط دولية مسبقة، داعياً جميع القوى الفلسطينية للاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، تتولى إعادة الإعمار والمسار السياسي بخطوات جدية وهامة.
كما دعا مسؤولون في الأمم المتحدة، إلى البدء بعملية سياسية حقيقية تهدف إلى ضمان إعادة إعمار قطاع غزة على المدى الطويل، بعيداً عن وضع شروط تعقيدية تأزم الوضع في المنطقة، خاصة مع تصاعد حجم الدمار بعد التصعيد بين إسرائيل والفصائل المسلحة والذي استمر 11 يوماً.
بدوره أكد رئيس اتحاد المقاولين في غزة أسامة كحيل أن الاتحاد يرفض أي اقتراح يقوم على منح السلطة الفلسطينية حق الإشراف وإدارة عملية إعمار غزة، واستدرك كحيل بذلك الجهود التي سلكتها السلطة خلال إعمار غزة إبان حرب 2014 والتي وصفت بالسيئة للغاية ومخيبة للآمال، فيما لا تزال العديد من المنشآت والمنازل المدمرة على حالها ولم يتم إعادة بناؤها حتي الأن.
وقال كحيل لـ»القدس العربي»: «إن الاتحاد يرفض بشكل قاطع أي محاولات لإدخال شركات مصرية لإعادة الإعمار، فهناك العديد من شركات المقاولات الكبرى في غزة تستطيع إعمار القطاع في أقل من عام في حال توفرت المواد من دون قيود أو اشتراطات، ولا يحق لأي طرف كان أن يملي علينا شرطاً حول عملية الإعمار بدون التوافق من جميع الأطراف المعنية».
وأشار إلى أن هناك جهودا تبذل لمرحلة الإعمار لا يمكن التعدي عليها في الوقت الحالي، و»لكن نفضل مصر كطرف مسؤول عن توريد مواد الإعمار بدلاً من إسرائيل، وسنحاول وضع مطالب شركات القطاع الخاص في غزة على سلم أولويات أي إتفاق يتم التوقيع عليه لاحقاً، لأنها تعتبر جزءاً أساسيا».

وحدة الشعب الفلسطيني

بين أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس عطية جوابرة، أن إعادة الإعمار وإنهاء حصار غزة ومعالجة كل المشاكل العالقة في القطاع، يجب أن تتم من خلال تجسيد وحدة الشعب الفلسطيني تحت مظلة منظمة التحرير، ودخول حركتي فتح وحماس في حكومة وحدة وطنية، لتجاوز كافة المعيقات التي تضعها إسرائيل وأطراف خارجية أمام عملية إعادة الإعمار والقضايا الأخرى.
وقال جوابرة لـ»القدس العربي»: «إن محاولة إسرائيل ربط قضية الأسرى بملف الإعمار، تعتبر مناورة إعلامية لا أكثر للضغط على حماس، ومحاولة من قبلها لتخفيف حدة الفوضى في الشارع الإسرائيلي بعد تآكل قوة ردع الجيش أمام ضربات المقاومة، والتي أزعجت إسرائيل خلال الحرب الأخيرة بعد أن طالت صواريخها كل بقعة داخل إسرائيل».
ويعتقد جوابرة أن عملية إعمار غزة ستتم خلال الأشهر القريبة المقبلة، خاصة وأن الوسيط المصري والأمريكي يدفعان نحو تحقيق هدنة طويلة بين إسرائيل وحماس، لذلك كل ما يصدر من تصريحات من قبل مسؤولين عن وضع شروط أمام الإعمار، لن يتم العمل بها وسيتم إعادة بناء ما دمره الاحتلال تحت إشراف جهات خاصة داخلية، بعيداً عن حماس والسلطة الفلسطينية.
أما الكاتب والمحلل السياسي خالد صادق فأشار لـ»القدس العربي» إلى أن «مصر هي من ستقود عملية الإعمار بضغط من إسرائيل وأمريكا، وذلك بعد ترحيب حماس بتدخل مصر ورفض أي دور للسلطة، لذلك ترى إسرائيل في مصر الجهة المناسبة للدخول والإشراف على الإعمار، خاصة وأن المعلومات المتواردة لإسرائيل تفيد بأن النظام المصري لا يزال يكره حماس، وتتعامل مصر بجهودها من خلال دوائرها الاستخباراتية وليست الدبلوماسية مع غزة».
وأضاف صادق أن إسرائيل تعاني من أزمة سياسية عميقة، فكل المواقف التي تعلن بشأن غزة هي للاستهلاك الداخلي والمزاد السياسي، فهناك عدة أسباب تدفع إسرائيل لوضع عقبات أمام حماس بالتحديد ومنها فشلها في تحقيق أي إنجاز عسكري خلال العدوان الأخير، ما دفعها لجعل عودة الأسرى والمفقودين شرطاً لوقف إطلاق النار وإعادة الإعمار، ثانياً تحاول إسرائيل وضع قيود للتغطية على أي تنازلات ستقدم خلال مفاوضات وقف إطلاق النار التي تبذلها مصر.
وتوقع الكاتب والمحلل السياسي، أن تنجح جهود مصر في التوصل إلى هدنة طويلة بين حماس وإسرائيل، يتم على إثرها رفع الحصار عن غزة، وتحريك المياه الراكدة حول قضية الأسرى الإسرائيليين لدى حماس، كما أن إسرائيل لن تمانع في إدخال كافة مواد الإعمار للقطاع، لأن ذلك يعزز من اقتصاد إسرائيل كون القطاع يحتاج إلى كميات ضخمة من مواد الإعمار.

ضغوط اجتماعية

وأفرز العدوان الإسرائيلي على غزة ضغوطاً اجتماعية واقتصادية انعكست سلباً على حياة المواطنين، في ظل استمرار تداعيات كورونا على القطاع. كما أن الاعتداءات الإسرائيلية وتعمدها تدمير البنية التحتية، وهدم المباني السكنية والورش والمصانع، تسبب بزيادة معدلات البطالة والفقر في صفوف سكان قطاع غزة، وهذا الواقع المرير يفرض تحركاً سريعاً عقب وقف إطلاق النار لإنقاذ الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، والعمل على عودة الحياة لمسارها الطبيعي، وتخفيف حدة المشاكل المزمنة التي عانى ويعاني منها سكان غزة على مدار سنوات طويلة من الحصار.
وحسب بيانات رسمية أظهرها جهاز الإحصاء الفلسطيني، فإن معدل البطالة في غزة ارتفع إلى 52 في المئة منذ بداية العام الحالي، فيما أعلن رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار جمال الخضري، أن ارتفاع معدل البطالة بين الشباب في غزة يهدد بكوارث سلبية على الواقع المعيشي داخل القطاع، خاصة في ظل ارتفاع نسبة من هم تحت خط الفقر، واعتماد عدد كبير من العائلات على المعونات التي تقدمها الأونروا ومؤسسات إغاثية أخرى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية