جوبا ـ «القدس العربي»: تواصلت المفاوضات بين حكومة السودان الانتقالية، والحركة الشعبية – شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، في مدينة جوبا، أمس الجمعة، حيث شهدت اجتماعات للجان المشتركة، الخاصة بدراسة نقاط التباين في ملفات الحكم والإدارة والقضايا القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وقضايا الترتيبات الأمنية، وذلك في قاعات منفصلة، قبل أن يجتمع الوفدان معا للنظر في ما توصلت اليه اللجان وحسم التباين.
وترأس الجانب الحكومي في جلسة المفاوضات الصباحية المباشرة الفريق أول ركن وعضو مجلس السيادة رئيس الوفد، شمس الدين الكباشي، فيما ترأس وفد الحركة أمينها العام عمار أمون.
وأعلن مقرر الوساطة الجنوب سودانية، ضيو مطوك، في تنوير للصحافيين عقب الجلسة الصباحية عن “الانتهاء من مراجعة ملاحظات الحكومة حول مسودة الاتفاق الإطاري، وتشكيل أربع لجان لمناقشة التباينات على أن ترفع تقريرها للتشاور حولها بهدف وضع مسودة الاتفاق الإطاري بصورتها النهائية”.
وزاد أن “هنالك بعض القضايا التي تحتاج إلى تفاوض، وأن الوساطة انتهجت نهجا جديدا بعد رؤية طبيعة الاختلاف بين الطرفين، وقررت الوساطة تشكيل لجان متخصصة في القضايا (لجنة لنظام الحكم والادارة، لجنة للترتيبات الأمنية، لجنة الاقتصاد والشؤون الاجتماعية، ولجنة النظام القضائي)”.
وأضاف أن الوساطة رأت بأن “يسمي وفد الحركة شخصا واحدا ومعه اثنان لكل لجنة، كذلك الوفد الحكومي للتفاوض، لإزالة الخلاف في بعض النصوص على أن تقدم اللجان تقريرها”.
رسالة إيجابية
وفي تصريحات أخرى لوكالة السودان للأنباء (سونا) قال مطوك: “متفائل بوصول الطرفين إلى اتفاق كامل بحلول الوقت الموضوع في جدول التفاوض”.
وزاد أن “الوصول لاتفاق في ذلك التاريخ سيرسل رسالة إيجابية للمدنيين والمتأثرين بالحرب في منطقة جبال النوبة خاصة”.
وأضاف “لا أعتقد أن الاتفاق الإطاري، سيأخذ وقتا كبيرا من التفاوض حسب الفترة المعلنة”.
وتابع: “نحن عازمون على إنهاء هذه الجولة في الفترة المحددة 6-6-2021، خاصة وأن هذا اليوم له مغزى في النزاع السوداني السوداني، وهو يوم اندلاع الحرب في جبال النوبة، وإذا تم توقيع هذا الاتفاق في هذا التاريخ، سنكون بعثنا برسالة قوية للشعب السوداني ولمواطني جبال النوبة”.
الاستفادة من الماضي
وبرر تفاؤله بالقول إنهم في فريق الوساطة الجنوبية “استفادوا كثيرا من تجارب الماضي وإن هذه الجولة من التفاوض بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال قيادة عبد العزيز الحلو، استقت كثيرا من الإجراءات من موروث الإجراءات التي كانت حكمت المحادثات الماضية”.
وأشار إلى ناحية ايجابية أخرى قد تسرع من فرص الوصول لاتفاق في الجانب الإطاري وهو أن “تجربة المفاوضات في الماضي كانت متعددة المسارات وتجري في وقت واحد، مما شكل ضغطا على كافة الجهات في الجولات الماضية، أما الآن فيستخدم فريق الوساطة الحوار المباشر بين الوفد الحكومي والحركة الشعبية لتحرير السودان شمال قيادة عبد العزيز الحلو. ” وأشاد بما أسماه “الانضباط السائد من قبل طرفي التفاوض خلال هذه المحادثات بجانب الاحترام المتبادل والرغبة الأكيدة في الوصول إلى اتفاق ما بين الطرفين، خاصة وأنه في أي مفاوضات تحدث الملاسنات التي تؤثر على هذه المحادثات، لكن في هذه الجولة الروح رياضية وإيجابية للطرفين”.
وعليه “تمتاز هذه الجولة بإيجابيات كثيرة لم تتوفر في الجولات الماضية نتيجة للخبرات المتراكمة التي اكتسبتها الوساطة”، طبقاً لمطوك، الذي أضاف أن “جهود الوساطة الجنوبية انصبت في تنقيح اللوائح المنظمة للمحادثات لضبط التفاوض، خاصة وأنه في الفترة السابقة كان هناك تسريب لبعض وثائق التفاوض”.
وأشار إلى أن الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال جناح الحلو التي تفاوض الحكومة تفعل ذلك، “برؤية موحدة وواحدة وليس هنالك انقسام، بينما كانت في الماضي جناحا لعبد العزيز آدم الحلو وجناحا لمالك عقار الذي أصبح الآن جزءا من الحكومة بعد توقيع اتفاق سلام جوبا، وعقار الآن عضو مجلس السيادة، ووزيرة الحكم الاتحادي بثينة دينار تمثل جزءا أساسيا وأصيلا في الوفد الحكومي في التفاوض مع الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال جناح الحلو”.
مشاركة المرأة
وحول مشاركة المرأة في هذه الجولة، قال مطوك إن “وجود المرأة في المحادثات شيء مهم جدا، خاصة وأن للمرأة دورا كبيرا في تيسير عملية الوصول للتسويات تحقيقا لتطلعات المرأة السودانية، وهي تمثل السواد الأعظم من النازحين واللاجئين، لذلك فإن أجندة هذه الشريحة المهمة ظلت مطروحة بقوة ضمن أجندة المفاوضات، خاصة وهنالك مشاركة واسعة منهم في عمليات التفاوض منذ سلام جوبا الموقع في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي”.
وتابع: “نؤكد أن قضاياهم حاضرة في أجندة التفاوض ونسعى لمعالجة قضايا النزوح واللجوء خلال العملية التفاوضية التي تجري الآن.”
واختتم برسالة الى الشعب السوداني مفادها أن” السلام قادم من جوبا، هذه رسالتي للشعب السوداني، وكل الشعوب المحبة للسلام، وأن جوبا حريصة وستبذل كل جهودها الممكنة وتسخيرها للتوصل إلى سلام، خاصة وأن ما تقوم به جوبا هو واجب عليها وينطلق من الروابط الأخوية، باعتبار أننا شعب واحد في بلدين “.
في الأثناء، قال خالد عمر، وزير شؤون مجلس الوزراء، والناطق الرسمي باسم الوفد الحكومي إن “المفاوضات بين الطرفين شارفت على الانتهاء من مراجعة المواقف المتبادلة. وبعد الانتهاء من الورقة ستظهر بشكل نهائي نقاط التباين”.
وزاد في تصريحات صحافية عقب جلسة أمس الأول التي انتهت في وقت متأخر من الليل: “خلال جلسة التفاوض المسائية والتي استمرت لمدة عشر ساعات، خلصنا الحد الممكن من النقاط الموجودة في التباينات”، مؤكدا أن “التفاوض سيستمر بذات الجدية والإقبال من أجل استكمال هذا الحوار”.
وأضاف : “بالرغم من طول ساعات التفاوض، لكن هذه القضايا أرقت السودان لعقود طويلة منذ الاستقلال”.
وتابع :”قضية الحرب الأهلية تحتاج إلى بحثها بعمق والنقاشات التي جرت اتسمت بالعمق والصراحة والوضوح والنفاذ لجذور الأزمة وسنواصل بذات الروح الإيجابية الموجودة لدى الطرفين”.
وواصل: “جلسة التفاوض تصادف ذكرى مجزرة فض الاعتصام و نقاشات اليوم مهداة لأرواح الشهداء والجرحى المفقودين من أجل تحقيق العدالة”، لافتا الى أن” ثورة ديسمبر خطت خطوات كبيرة في مسار السلام ويلزمها ما هو أكبر”.
وأضاف “نقول للجموع التي خرجت (أول أمس) في هذه الذكرى، إن الحكومة الانتقالية تسمع وترى، وإن مطالبها مشروعة، وإن مثل هذه المواقف تثلج صدورنا وأثبتت أن الثورة حية ومحروسة ولا يمكن اختطافها أو الانقلاب عليها، وتضع علينا مسؤولية لبذل المزيد من الجهود لتحقيق مطالبها “.
وعبر عن أمله “في إنهاء كافة أشكال العنف وأن يسود صوت السلام والتغيير الديمقراطي والحوار بين كافة المكونات وصولا للسودان الذي ننشده”.
وتشير متابعات “القدس العربي” إلى أن لجنة الحكم والإدارة في المفاوضات ضمت من طرف الحكومة السودانية الانتقالية، شمس الدين ضو البيت وجعفر حسن عثمان وحسان نصر الله، ومن طرف الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة الحلو، ضمت أماني كودي ومتوكل دقاش وأبو القاسم يوسف.
أما لجنة الترتيبات الأمنية فقد ضمت من طرف الحكومة الجنرال صبير والجنرال فقيري، والجنرال أور ناصر، ومن الحركة الجاك محمود وجمال أدم، وصديق سلطان.
وكذلك لجنة القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي ضمت عن الحكومة مستور أحمد ونجم الدين موسى ومكي يوسف، وعن الحركة كوكو جقدول وسعيد عباس ونجلاء عبد الواحد. ولجنة القضايا القانونية والعدلية شارك فيها عن الحكومة إسماعيل التاج ومباهج حبيب، وعن الحركة ديفيد كوكو ومتوكل سلامات وإدريس شالو.
إلى ذلك، التقى رئيس جمهورية جنوب السودان، سلفاكير ميارديت، في مكتبه في جوبا أمس الجمعة، صديق تاور عضو مجلس السيادة الانتقالي، حسب بيان إعلام القصر الرئاسي، الذي قال إن “اللقاء تطرق لمسيرة العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها وتطويرها بما يحقق مصالح البلدين”.
وقال تاور، حسب المصدر إنه “أطلع الرئيس سلفاكير على نتائج زيارته لجوبا، والمتعلقة بمسيرة عملية السلام في السودان”.
وعبر “عن شكره وتقديره للجهود التي تبذلها جمهورية جنوب السودان ، تحت رعاية الرئيس سلفاكير، لإنجاح العملية السلمية وتحقيق الاستقرار والتنمية في السودان”.
وزاد أن ” الدور الذي تقوم به حكومة جوبا ليس بمستغرب عليها ، ويجيء انطلاقاً من العلاقات الاستراتيجية والتاريخية، وروابط الإخوة بين شعبي البلدين”.
وأضاف: “لمسنا اهتماما كبيرا من الرئيس سلفاكير وتأكيده على مواصلة جهوده تجاه عملية التفاوض بين كافة الأطراف السودانية وصولاً للسلام الشامل والعادل والمستدام في البلاد”.
وجدد وزير رئاسة جمهورية جنوب السودان، برنابا مريال بنجامين، حرص الرئيس سلفاكير على “دعم وتعزيز الجهود الرامية لتحقيق السلام في السودان” ، لافتاً إلى أن “أمن السودان واستقراره لا يتجزآن عن أمن واستقرار جمهورية جنوب السودان”.
وأشار إلى “حرص القيادة في الجنوب على تدعيم أواصر التعاون المشترك بين البلدين ودفعها في كافة المجالات”.
وتقاتل الحركة الشعبية القوات الحكومية في ولايتي جنوب كردفان (جنوب) والنيل الأزرق (جنوب شرق) منذ يونيو/ حزيران 2011.
وفي 26 مايو/ أيار الماضي، انطلقت في جوبا جلسة مفاوضات إجرائية بين الحكومة والحركة، تلتها جلسة تفاوض مباشرة أسفرت عن مسودة اتفاق إطاري سلمتها الحركة لوفد الحكومة، وقبلت بها الأخيرة مع بعض التحفظات عليها.
ووقعت الخرطوم في جوبا يوم 3 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي اتفاقا لإحلال السلام مع حركات مسلحة ضمن تحالف “الجبهة الثورية”، لكن لم توقع الاتفاق كل من الحركة الشعبية – شمال، وحركة تحرير السودان، بقيادة عبد الواحد نور، التي تقاتل القوات الحكومية في إقليم دارفور (غرب).
وإحلال السلام هو أحد أبرز الملفات على طاولة حكومة عبد الله حمدوك، وهي أول حكومة في السودان منذ أن عزلت قيادة الجيش، في 11 أبريل/ نيسان 2019، عمر البشير من الرئاسة (1989-2019)، تحت وطأة احتجاجات شعبية منددة بتردي الأوضاع الاقتصادية.