نيويورك-»القدس العربي»: وضع حقوق الإنسان في العراق بحاجة إلى إصلاح جذري شامل يبدأ من البيت ويمر بالمدرسة والجامعة إلى الشارع والأجهزة الأمنية والشرطة والمؤسسات القانونية ثم الأجهزة التنفيذية. وقد أنشأت الأمم المتحدة مكتبا خاصة لمراقبة حقوق الإنسان منذ بعثتها الأولى بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003. وبعد أن كانت وحدة حقوق الإنسان ملحقة بمقر بعثة الأمم المتحدة في مقرها في فندق القنال، انتقلت إلى المنطقة الخضراء بعد تفجير ذلك المقر يوم 19 آب/أغسطس 2003 والذي أودى بحياة 22 موظفا دوليا ومحليا وجرح ما يزيد عن 150 آخرين. لقد غادرت العراق في ذلك اليوم العصيب وحملت همومه وأحزانه ومآسيه ورأيت مدى الظلم الذي لحق بشعبه الأبي من قبل المحتل الغاصب ووكلائه المحليين والإقليميين، وبقيت أتابع مدى ما لحق بالشعب العراقي من أذى على أيدي الميليشيات الطائفية والجماعات الإرهابية والحكومات الفاسدة التي نهبت خيرات العراق حتى احتل المرتبة الثالة قبل الأخيرة على سلّم الفساد من مجموع 179 دولة ليصطف مع الصومال وأفغانستان وكوريا الشمالية.
وللتعرف على أحوال الناس ظللت أتابع تقارير المنظمات الدولية وغيرها عن حالة حقوق الإنسان وأنواع الانتهاكات التي لحقت بالشعب العراقي. وسألخص هنا أهم تلك الانتهاكات الواردة في خمسة تقارير مفصلة تركز على أوضاع حقوق الإنسان بعد الحراك الشعبي الذي انطلق في تشرين الأول/أكتوبر 2019 الذي رفع شعارات مطلبية من حرية وكرامة وعمل ومواطنة متساوية. والتقارير صادرة عن مكتب حقوق الإنسان التابع لبعثة الأمم المتحدة والصادر في كانون الثاني/يناير 2020 (19 صفحة) ومراجعة مجلس حقوق الإنسان الدورية لأوضاع حقوق الإنسان في شهر تشرين الثاني/نوفمبر2019 وتقرير منظمة العفو الدولية الصادر في نيسان/أبريل 2021 عن حالة حقوق الإنسان في العالم 2020 وهناك جزء مخصص عن العراق، وتقرير منظمة هيومان رايتس ووتش الصادر في آذار/مارس 2021 ويغطي سنة 2020 والعراق جزء من التقرير السنوي الذي يشمل 100 دولة. وأخيرا تقرير مكتب حقوق الإنسان- العراق- التابع لوزارة الخارجية الأمريكية الصادر بتاريخ 21 آذار/مارس 2021 والمكون من 59 صفحة.
وقد جمعت من هذه التقارير الانتهاكات المشتركة الواردة بالتفاصيل في التقارير المذكورة والوصول إليها سهل لمن أراد أن يتوسع في مراجعة تلك الانتهاكات. وتختلف تلك التقارير في التفاصيل والأولويات لكنها تجمع على عدد هام من الانتهاكات الخطيرة.
على خلفية الاحتجاجات 2019
اندلعت احتجاجات واسعة في العراق خاصة في الوسط والجنوب في تشرين الأول/اكتوبر 2019 طالبت بتوفير فرص عمل واستعادة الخدمات العامة كالكهرباء والماء والسلامة العامة ووضع حد للفساد الحكومي. واستمرت الاحتجاجات والتي قتل فيها في شهورها الأولى أكثر من 100 شخص، لكنها توقفت مؤقتاً بسبب تفشي جائحة كوفيد-19. استؤنفت الاحتجاجات في أيار/مايو خاصة في البصرة والناصرية وبغداد لكن المشاركة الشعبية كانت أقل بسبب الجائحة. وأضاف المحتجون مطلبا جديدا وهو مساءلة قوات الأمن عن الانتهاكات التي ارتكبت خلال شهور الاحتجاج الأولى وخاصة الاغتيالات وقضية تعرض العديد للاختفاء القسري.
تعرضت المعارضة السلمية إلى قمع قوات الأمن الظاهر منها والمخفي، حيث استخدمت القوة المفرطة ضد المحتجين وأمعنت في الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري وعمليات القتل غير المشروع، والاعتداءات على حرية التعبير واستهداف الصحافيين. وأوقعت قوات الأمن ما لا يقل عن 600 قتيل من المحتجين مستخدمة الذخيرة الحية خلال المظاهرات التي بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2019.
نشط في هذه الفترة مسلحون مجهولو الهوية تابعون للميليشيات لتصيّد عشرات الناشطين، فقتلوا واختطفوا وأخضعوا عشرات الأشخاص من بينهم للاختفاء القسري. كما فرَّقت قوات الأمن التابعة لحكومة إقليم كردستان الاحتجاجات باستخدام العنف، واعتقلت عشرات المُحتجين. وأثرت القيود المفروضة على تنقل الأفراد، بسبب كوفيد-19 على الأشخاص النازحين داخلياً حيث واصلت السلطات إغلاق المخيمات، إذ تم إغلاق 10 مخيمات على الأقل، ما عرَض آلاف الأشخاص للنزوح مجدداً. كما ظل آلافا غيرهم مفقودين، بعدما تعرَّضوا للاختفاء القسري على أيدي قوات الأمن العراقية من بينها «وحدات الحشد الشعبي» أثناء هروبهم من المناطق الخاضعة لتنظيم «الدولة الإسلامية».
وأهم تلك الانتهاكات الواردة بشكل أو بآخر في كافة التقارير:
الاستخدام المُفرط للقوة:
واصلت قوات الأمن العراقية استخدامها للقوة المفرطة وغير القانونية ضد الاحتجاجات، التي بدأت في 2019 واتسمت بالسلمية إلى حدٍ كبير. لقد واجهت قوات الأمن تلك الاحتجاجات بالذخيرة الحية وقنابل الغاز المُسيل للدموع العسكرية، ما أدى إلى مقتل عشرات المُحتجين في بغداد والبصرة وكربلاء وديالى والنجف والناصرية زادت 560 ضحية حسب تقرير هيومان رايتس ووتش. واستخدمَ أيضاً فصيل من «وحدات الحشد الشعبي» الذخيرة الحية ضد المحتجين المعارضين للحكومة في البصرة، ما أدى إلى مقتل العديد من الأشخاص.
ممارسة عقوبة الإعدام بطريقة مفرطة:
يحتل العراق المرتبة الرابعة في العالم، بعد الصين وإيران والسعودية، في عدد تنفيذ حالات الإعدام بطريقة تثير كثيرا من التساؤلات حول المحاكمات السريعة وسهولة إصدار أحكام الإعدام بطريقة لا تستوفي شروط المحاكمة العادلة.
ودعت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ميشيل باشيليه، في بيان في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 السلطات العراقية إلى خطورة هذه الممارسة وطالبت بوقف أي عمليات إعدام إضافية، وقالت إنها «تشعر بقلق بالغ إزاء مصير المئات من السجناء في العراق، الذين قد يكونون عرضة لخطر الإعدام الوشيك». في آب/أغسطس 2019 أصدرت السلطات بيانات من وزارة العدل والتي أظهرت أن 8,022 محتجزا ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام حسب هيومان رايتس واتش. وهذا ما جاء في تقرير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في بغداد: «من بين 317 جلسة محاكمة متعلقة بالإرهاب في المحاكم الفيدرالية طبق القضاة عقوبة الإعدام في 100 حالة، من بين 105 من المدعى عليهم. في المقابل، راقبت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ثلاث حالات فقط في الجلسات العامة من هذه المحاكمات أي أقل من 3 في المئة».
عمليات الاعتقال التعسفي والتعذيب:
استمرت قوات الأمن الرسمية في اعتقال النُشطاء والمحتجين تعسفياً، إذ اعتقلت آلاف المحتجين في الشهرين الأولين فقط من العام. وبحلول حزيران/يونيو، كان قد أُفُرِجَ عن معظم المحتجين. لكن عناصر مسلحة من «الحرس الرئاسي العراقي» اعتدت بالضرب على محتجين، من بينهم أطفال، واعتقلت آخرين في بغداد في كانون الثاني/يناير 2020. وفي البصرة، فرَّقت قوات الأمن المحتجين باستخدام العنف المفرط، مع تعرُّض بعض الأطفال للضرب حتى فقدوا وعيهم. وتعرَّض محتجون آخرون لمعاملة سيئة، ربما بلغت حد التعذيب. وفي أيار/مايو، اعتقلت قوات الأمن ثلاثة أشخاص على الأقل، كان عمر أحدهم دون 18 عاماً، في أثناء توجههم إلى مكان الاحتجاجات في ساحة الخلاني ببغداد، وتعدت عليهم بالضرب، واعتدت عليهم جنسياً، وفقاً لما أفاد به عاملون طبيون. وأمر رئيس الوزراء باعتقال عناصر من قوات الأمن، كانوا على مقربة من مكان حدوث الواقعة.
عمليات القتل غير المشروع والاختفاء القسري:
استهدف مسلحون مجهولون وعناصر «وحدات الحشد الشعبي» نشطاء، إما باغتيالهم أو اختطافهم؛ إذ قُتِل 30 شخصاً على الأقل في بغداد والناصرية والبصرة. ونُفِّذت محاولات لاغتيال أكثر من 30 شخصاً آخرين، لكنهم نجوا بإصابات. وبحلول نهاية العام، تعرَّض 56 ناشطاً للاختفاء القسري. وكان الأشخاص الذين تعرَّضوا للاختفاء القسري خلال احتجاجات عام 2019 لا يزالون مفقودين، ومن بينهم علي جاسب حطاب، أحد المحامين المدافعين عن حقوق الإنسان، الذي اختطفته عناصر «وحدات الحشد الشعبي» بمدينة العمارة الجنوبية في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2019. وعندما ذكر والده أنه يعرف مختطفي ابنه قامت تلك الميليشيات باغتيال الوالد جاسب الحطاب يوم 10 آذار/مارس 2021. كما تعرَض أشخاص نازحون داخلياً للاختفاء، اتهموا بانتمائهم لتنظيم «الدولة الإسلامية» بعد اعتقالهم عند نقاط التفتيش وفي المخيمات ومناطقهم الأصلية، وكان من بينهم أطفال.
الإفلات من العقاب:
أمر رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، بإجراء تحقيقات بشأن مقتل وإصابة المحتجين منذ 1 تشرين الأول/أكتوبر 2019 ووعد بتقديم التعويضات لأسرهم. ورغم ذلك، لم يُعلَن عن نتائج هذه التحقيقات بحلول نهاية العام، ما أشعل فتيل احتجاجات متفرقة في أرجاء البلاد. وفي أيار/مايو، أمر رئيس الوزراء بإغلاق مقر أحد فصائل «وحدات الحشد الشعبي» في البصرة واعتقال عناصره في صباح اليوم التالي لاعتداء وقعَ على محتجين في المدينة. وفي أيلول/سبتمبر، أمر قوات مكافحة الإرهاب بإنقاذ ناشط مُختطف في مدينة الناصرية، إلا أنه لا يزال مفقوداً. وقد تراجعت الدولة في نهاية أيار/مايو 2021 أمام اعتقال أحد قادة الحشد الشعبي، قاسم مصلح الخفاجي، ما يعكس مدى قوة هذه الميليشيات.
عمليات القتل غير المشروع:
في 2020 استأنف تنظيم «الدولة الإسلامية» أنشطته العنيفة التي كانت قد توقفت منذ 2018 واستهدف قوات الأمن وأعدادا أقل من المدنيين. وأُعلِن عن تجدد عمليات التنظيم العسكرية في عدة مناطق بالعراق. وأسفرت أنشطة تنظيم «الدولة الإسلامية» عن مقتل عشرات المدنيين خلال 2020. وفي أيلول/سبتمبر، لقي ما لا يقل عن خمسة أطفال وامرأتين مصرعهم، جراء سقوط صاروخ على مطار بغداد، والذي استهدفَ، على ما يبدو، عناصر أمريكيين. كما استُهدف موظفون دبلوماسيون آخرون، من بينهم أفراد من إحدى قوافل الأمم المتحدة ومؤسسات تابعة لها في بغداد العاصمة، وفي محافظتي النجف ونينوى. ولم تُعلن أي جماعة مسؤوليتها عن تلك الهجمات.
استهداف الصحافيين ونشطاء المجتمع المدني:
جاء في تقرير هيومن رايتس ووتش السنوي أن عدم محاسبة الجماعات المسلحة في العراق على أعمال القتل التي تستهدف نشطاء وصحافيين في العراق، تنشر مناخا من الخوف في صفوف المحتجين الذين دعوا للتغيير منذ تشرين الأول/أكتوبر 2019.
وقالت الباحثة لدى المنظمة، بلقيس والي، إن عمليات القتل استمرت على مدار العام ونصف العام الماضيين على الرغم من تراجع الاحتجاجات في العراق. وأضافت أن تقارير المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان في العراق تشير إلى تسجيل81 محاولة اغتيال ضد نشطاء وصحافيين مناهضين للحكومة منذ بدء المظاهرات، ثلث تلك العمليات منذ تولى الكاظمي رئاسة الحكومة. واستهدفت عمليات القتل والاختطاف الأشخاص الذين كانوا يقودون الاحتجاجات والصحافيين الذين قاموا بتغطية التظاهرات في بغداد والمدن الأخرى. وتحذر هيومن رايتس ووتش من مستقبل «قاتم» ينتظر العراق لأن بعض الجماعات المسلحة التي تقف وراء عمليات القتل لديها أحزاب سياسية تحميها من المساءلة في البرلمان.
ومن أبشع تلك الجرائم ما حدث في تموز/يوليو 2020 حيث اغتيل المحلل المختص على مستوى عالمي بشؤون الجماعات المتطرفة، هشام الهاشمي، أمام أولاده في بغداد. ولحق به إيهاب الوزني وأحمد حسين وغيرهم الكثير.
هذا غيض من فيض التقارير والتي تحتاج مراجعتها العديد من الصفحات. وقد تركنا عن عمد مواضيع انتهاكات حقوق الإنسان في منطقة كردستان والإيزيديين واستهداف النساء وما سببه انتشار الجائحة من تردٍ أكبر لأوضاع حقوق الإنسان تحتاج تغطيتها إلى كثير من التفاصيل.