حرب لبنان الأولى.. حلقة بارزة في مسلسل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وتمهيد جديد لفكرة التسوية

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: حلّت الذكرى السنوية التاسعة والثلاثين لحرب لبنان الأولى التي تعتبر علامة فارقة هامة جدل في تاريخ الصراع العربي- الفلسطيني- الإسرائيلي وتعتبر مؤسسة الدراسات الفلسطينية أن نتائجها أفضت لفكرة تسوية هذا الصراع.

في مثل هذه الأيام قامت القوات الإسرائيلية في حزيران/يونيو 1982 بهجوم واسع على الأراضي اللبنانية بذريعة حماية المستوطنات الإسرائيلية في الجليل من خطر الصواريخ الفلسطينية، إلا أن الهدف الحقيقي لذلك الهجوم كان إخراج قوات منظمة التحرير الفلسطينية وأجهزتها من لبنان، والسعي إلى عقد اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل.

وبعد صمود فلسطيني- لبناني في وجه القوات الإسرائيلية الغازية، التي نجحت في الوصول إلى بيروت ومحاصرتها، استمر الحصار نحو ثلاثة أشهر اضطرت قوات منظمة التحرير وأجهزتها إلى الخروج من لبنان، وتمّ التوصل، في أيار/مايو 1983، إلى اتفاق سلام لبناني-إسرائيلي لم يدم سوى أشهر معدودة.

إثر بدئها حرب لبنان سنة 1982، الذي هدفت منه إلى إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية عسكرياً وسياسياً وتحويل الحرب الأهلية اللبنانية لصالح حلفائها من اليمين اللبناني أدارت إسرائيل اجتياحا امتد لثلاثة أشهر أُقحمت فيه قوى عسكرية أخرى في قلب بيروت، من بينها القوات السورية ومختلف الميليشيات اللبنانية، وفي نهاية المطاف قوة متعدّدة الجنسيّات لحفظ السلام. كانت الحرب مدمّرة بشكل هائل، سواء من حيث الضحايا في الأرواح أو الخسائر في الممتلكات أو من حيث تمزيق نسيج لبنان السياسيّ، الممزّق أصلاً بفعل الحرب الأهليّة. ويتذكر مؤسسة الدراسات الفلسطينية تلك الحرب التي أسفرت الحرب عن احتلال إسرائيليّ أجزاء من جنوب لبنان استمر حتى سنة 2000، محقّقة نكسة كبرى لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة فاضطرت إلى مغادرة لبنان وإنشاء مقر جديد لها في تونس.

صبرا وشاتيلا

ومن بين لحظات الحرب الأكثر بروزاً وتميّزاً مجزرة صبرا وشاتيلا المشينة، التي قام خلالها عناصر ميليشيات الكتائب اللبنانية “القوات اللبنانية”، تدعمهم إسرائيل، بقتل ما يزيد على ألف من المدنيّين الفلسطينيّين في مخيمين للاجئين في بيروت. وتشير إلى أن الاجتياح الإسرائيلي واستمرار احتلال جنوب لبنان كان مثار جدلٍ كبير، سواء في إسرائيل أو في الخارج، وشكّل نقطة تحوّل في ما يتعلّق بالتصوّرات العالميّة لإسرائيل والفلسطينيين.

وتقول إنه أخيراً، أدّت الحرب إلى نقل مركز المقاومة الفلسطينيّة من الخارج وإعادته إلى فلسطين التاريخية نفسها، بينما ساعدت على الصعيد الدولي في حفز البحث عن السبل الدبلوماسية لحل الصراع العربي الإسرائيلي.

وبهذا المضمار تستعيد المؤسسة أنه في أعقاب طردها من الأردن بين عامي 1970- 1971، بدأت قوات منظّمة التحرير الفلسطينيّة تنظيم صفوفها في ساحة جديدة، في لبنان، وجعلت من بيروت مقرّها الجديد. وعندما اندلعت الحرب الأهليّة اللبنانيّة في سنة 1975، شارك الفلسطينيّون إلى جانب ائتلاف القوى اليساريّة في قتال الميليشيات اليمينيّة (التي يهيمن عليها حزب الكتائب).

وتذكر مؤسسة الدراسات أن سيطرة القوات السورية، منذ حزيران/ يونيو سنة 1976، على أجزاء من لبنان، حدَّت من غلواء الفترة الدمويّة الأولى من الحرب الأهليّة في لبنان، لكنها لم تنهِها لكن مؤسسة الدراسات تغفل الجرائم السورية بحق الفلسطينيين في لبنان وداخل المخيمات.

وبحلول أواخر السبعينات، تموضع مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية في معظم أنحاء البلاد، ولا سيّما في جنوب لبنان، ومن هناك انطلقوا لشنّ هجمات داخل الجليل والساحل الفلسطينيين. وفي محاولة لإبعاد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية عن المنطقة الحدوديّة وإقامة منطقة عازلة تخضع لسيطرة ميليشيات موالية، غزت القوات الإسرائيليّة جنوب لبنان في آذار/ مارس سنة 1978، ضمن ” حملة الليطاني ” وأقامت شريطاً عازلاً سلّمت إدارته إلى ميليشيا لبنانية موالية لإسرائيل، غير أن المقاتلين الفلسطينيّين أعادوا تنظيم صفوفهم واستمروا في شن الهجمات على المواقع الإسرائيلية.

بشير الجميل

وبعد أن أزالت معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية سنة 1979، التهديد الاستراتيجيّ للجيش المصريّ من الجبهة الجنوبية لإسرائيل، ونظراً لهدوء الجبهتين الأردنية والسورية شرقاً، شعرت الحكومة الإسرائيليّة بزعامة رئيس الوزراء مناحيم بيغن ووزير الأمن أريئيل شارون، بالحرية في إطلاق يد جيش الاحتلال ليس فقط لتدمير الكثير من مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وإزالة خطرهم بل وتخليص حدودها الشماليّة من قوة معادية شكلت على الدوام إزعاجاً لها.

وتشير مؤسسة الدراسات إلى أن تلك الحرب أدت لإضعاف نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، اللذين كانت حكومة بيغن منهمكة في تكثيف إقامة المستوطنات اليهوديّة فيهما بغية إبقاء السيطرة عليهما. وحسب المؤسسة كانت لدى شارون آمال طموحة باقتلاع ما يقارب الـ 30,000 من عديد القوات السوريّة التي تواجدت في أجزاء من لبنان منذ سنة 1976، وبدعم زعيم “القوات اللبنانية” بشير جميّل ليصبح رئيساً للبنان، لدفع لبنان إلى توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل.

اغتيال السفير

ورغم الاتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية كانت رعته بشكل غير مباشر الحكومة الأمريكيّة في تموز/ يوليو 1981 وأدى إلى فترة من الهدوء على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية، اتخذت إسرائيل في 6 حزيران 1982 محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن من قبل مجموعة فلسطينيّة مناوئة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ذريعة لبدء اجتياح لبنان بنحو 76,000 من القوات الإسرائيلية وأكثر من 1,000 دبّابة، مدّعية بدايةً عدم نيتها التقدم لأكثر من 40 كيلومتراً داخل لبنان لتكوين “منطقة أمنية”، لكن شارون أعطى أوامره إلى جيش الاحتلال للتقدّم نحو العاصمة بيروت وإقحام القوات السورية في المعارك.

وخاض مقاتلو منظمّة التحرير الفلسطينيّة والميليشيات اللبنانية المتحالفة مع المنظمة معارك ضارية مع الإسرائيليين، في حين أسفرت معارك الدبّابات والحرب الجويّة بين القوات الإسرائيلية والسورية على أرض لبنان، إلى فقدان ما يزيد على 80 طائرة سورية.

ووصل الإسرائيليون إلى بيروت الغربية، حيث يقع مقر منظمة التحرير الفلسطينية، وطوّقوها وفرضوا عليها حصاراً دامَ طوال فصل الصيف، قامت خلاله الطائرات والدبّابات وقطع المدفعية والسفن الإسرائيلية بقصف مدمر للمدينة طيلة ثلاثة شهور، في محاولة لإجبار منظمة التحرير الفلسطينية على الاستسلام، ولم يتراجع الحصار على رغم الأضرار اللاحقة بصورة إسرائيل عندما شاهد العالم الصور المتلفزة للحصار والتدمير الشديدين للمدنيّين المحاصرين في بيروت الغربية وأملاكهم.

الرحيل إلى تونس

وافق رئيس منظّمة التحرير الفلسطينيّة ياسر عرفات وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية المحاصرة في نهاية المطاف على إخلاء لبنان بموجب اتفاقية بوساطة أمريكيّة دخلت حيز النفاذ في 19 آب/ أغسطس 1982، فغادر تحت حماية قوة متعدّدة الجنسيّات من الجنود الفرنسيّين والإيطاليّين والأمريكيّين مع نحو 14,000 من مقاتلي المنظمة المدينة إلى تونس وبلدان عربية أخرى، وأنشأ عرفات في العاصمة التونسية مقر منظمة التحرير الفلسطينية الجديد، وبموجب الاتفاقية أيضاً كان من المفترض بهذه القوة ضمان سلامة اللاجئين الفلسطينيّين في المدينة وعدم السماح للقوات الإسرائيليّة بدخول بيروت الغربية.

وفي الشهر ذاته، انتُخب حليف إسرائيل بشير جميّل رئيساً للبنان، بيد أنّه اغتيل في 14 أيلول/ سبتمبر، بعد أيام فقط من مغادرة القوة متعددة الجنسيّات، ليقوم الجيش الإسرائيلي في اليوم التالي مباشرة باحتلال بيروت الغربية بعد أن لم تعد ثمّة قوة مسلحة تمنعه من ذلك إثر مغادرة المقاتلين الفلسطينيين، فسمح لميليشيا “القوات اللبنانية” التي حمّلت الفلسطينيّين المسؤولية عن اغتيال جميّل، بدخول مخيمي اللاجئين الفلسطينيّين في صبرا وشاتيلا في 16 أيلول وارتكاب مجزرة في حق المدنيين الفلسطينيين العزّل ذهب ضحيتها أكثر من 2,000 لاجئ فلسطيني وعشرات المواطنين اللبنانيين والعرب.

في التزامن كان الجنود الإسرائيليّون يحاصرون المخيّمين لمنع اللاجئين من الهروب، ويطلقون القنابل المضيئة لإنارة المنطقة مع تواصل المذبحة طوال الليل. وفي إسرائيل، اضطرت الحكومة إلى تشكيل لجنة خاصة للتحقيق في المسؤولية الإسرائيليّة عن المذبحة (لجنة كاهان)، فوجدت أن القوات الإسرائيليّة “مسؤولة بشكل غير مباشر” عن المجزرة، واضطر شارون إلى الاستقالة من منصبه وزيراً للأمن. وتبقى مجزرة صبرا وشاتيلا في سنة 1982، إلى جانب مجزرة قرية دير ياسين في سنة 1948، في الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني والعربي من أحلك أيام الشعب الفلسطينيّ وأكثرها إيلاماً.

خسائر باهظة

تختلف التقديرات بشأن عدد قتلى اجتياح إسرائيل لبنان في سنة 1982، إذ من الصعب تحديده بدقة، وتشير أقرب التقديرات إلى أن ما بين 17,000 و19,000 من اللبنانيّين والفلسطينيين والسوريّين – مدنيّين ومسلحين – لقوا حتفهم في الحرب، بالإضافة إلى اللاجئين الفلسطينيّين الذين قُتلوا في صبرا وشاتيلا، وأن الجيش الإسرائيلي فقد 376 جنديّاً في الفترة من حزيران إلى أيلول 1982″.

غير أن معطيات مؤسسة الدراسات عن الجانب الإسرائيلي غير دقيقة فحسب المصادر الإسرائيلية الرسمية قتل في لبنان طيلة 18 عاما من الاحتلال 1216 جنديا إسرائيليا و667 جنديا من جيش لبنان العميل ،منهم 654 جنديا إسرائيليا قتلوا خلال الحرب عام 1982 فيما أصيب 3750 جنديا إسرائيليا.

فكرة التسوية

وتقول مؤسسة الدراسات الفلسطينية إن منظمة التحرير الفلسطينيّة لم تستطع إثر حرب 1982 العودة مرة أخرى إلى تنظيم صفوفها وتشكيل قوة عسكرية معتبَرة، ولذا بدأت على نحو متزايد بالتطلع إلى حلول دبلوماسيّة للصراع العربيّ- الإسرائيليّ. وتتابع لكن المفارقة المهمة بالنسبة إلى إسرائيل، أن الحرب واستمرار احتلالها جنوب لبنان، أدّيا إلى تشكيل ميليشيا “حزب الله”، التي استطاعت مع نهاية القرن العشرين وبداية الحادي والعشرين، الحلول محل منظمة التحرير الفلسطينية وتشكيل تهديد استراتيجي أكبر لشمال إسرائيل، إضافة إلى أن إنزال ضربة شبه قاصمة بمنظمة التحرير الفلسطينية وتشريدها نقَلا المقاومة الفلسطينيّة إلى الضفة الغربيّة المحتلّة وقطاع غزة، اللذين ستتصاعد فيهما في وقت لاحق التحركات النضالية الفلسطينية خلال الانتفاضة الأولى”.

كما دفعت الحرب أيضاً برأيها كلاً من الحكومة الأمريكيّة وجامعة الدول العربية إلى وضع خطط للسلام في سنة 1982 مصمَّمة بهدف وضع نهاية للصراع، مثل خطة ريغان ومبادرة فاس على التوالي، اللتين على رغم عدم تفعيلهما، ساهمتا في تزايد المحاولات الرامية إلى إنهاء الصراع دبلوماسيّاً، التي بلغت أوجها – نتيجة الانتفاضة الأولى – في اتفاقيّة أوسلو سنة 1993.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية