الناصرة- “القدس العربي”: بعد انفجار الهبة الفلسطينية الشعبية قفزت إلى واجهة الإعلام في العالم مدن الساحل المحتلة عام 1948 وباتت تعرف وفق القاموس الإسرائيلي بـ”المدن المختلطة” ومن خلف هذا المصطلح تكمن مسيرة طويلة متنوعة.
وحسب وثائق أرشيفية كشف عنها معهد “عكيفوت” لبحث الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بقي في مدينتي اللد والرملة الجارتين نحو 1000 فلسطيني بعد طرد/ هروب عشرات الآلاف من سكانهما وما لبثت إسرائيل أن شرعت بإسكان مهاجرين يهود جدد في مثل هذه المدن. ويستدل من تقرير لقسم الاستيعاب في الوكالة اليهودية من مايو/أيار 1949 أنه كان قد بلغ تعداد العائلات اليهودية التي أقامت في الرملة نحو 2450 عائلة مهاجرين يهود قدموا للبلاد من 22 دولة تعد معا 7878 شخصا.
وينوه “عكفوت” أنه بالتزامن مع الاستيعاب السريع للمهاجرين اليهود سيطرت إسرائيل على ممتلكات وبيوت السكان العرب الفلسطينيين المتبقين فيها وصاروا مواطنين فيها. ويوضح المعهد الإسرائيلي أن مذكرة أرشيفية جديدة تلقي الضوء على سياسة السلب والنهب المعتمدة ضد المواطنين الفلسطينيين في الرملة من قبل مؤسسات حكومية.
تظهر المذكرة المكتوبة باللغة العبرية أن الفلسطينيين المتبقين في الرملة يشكون مصادرة ممتلكاتهم ورفض طلباتهم باستعادتها ويطالبون على الأقل بتأجيرهم أراض تعينهم على مواصلة حياتهم والكف عن تهديدهم
وتظهر المذكرة المكتوبة باللغة العبرية أن الفلسطينيين المتبقين في الرملة يشكون مصادرة ممتلكاتهم ورفض طلباتهم باستعادتها ويطالبون على الأقل بتأجيرهم أراض تعينهم على مواصلة حياتهم والكف عن تهديدهم. ويضيف “عكيفوت”: “خلف مصطلح “المدن المختلطة” تكمن حقائق متنوعة: بعض هذه المدن كانت مختلطة قبل 1948 وبعضها صارت مختلطة بعد ذلك وبعضها الآخر تتواصل في السنوات الأخيرة عملية اختلاط مسيرات اجتماعية وسكانية طويلة”، موضحا أن نظرة سريعة على ما يحصل في هذه المدن بمساعدة بعض الوثائق الأرشيفية، توفر شرحا ممكنا لمستوى العنف والمواجهات المختلفة التي تفجرت في الشهر الماضي.
ويوضح المعهد الإسرائيلي أيضا أن 10% من فلسطينيي الداخل يقيمون اليوم داخل المدن الساحلية (المختلطة) مثل يافا واللد والرملة وحيفا وعكا منوها أن لكل منها مسيرة تاريخية مغايرة أملت كيفية تطورها ويقدم ثلاثة نماذج على ذلك. ويقول معهد “عكيفوت” إن هناك مدنا كاللد والرملة التي كانت عربية فلسطينية بالكامل وتحولت بعد نكبة 1948 لـ”مدن مختلطة“ وقد بقي فيها عدد قليل من السكان العرب ممن أجبروا على العيش داخل غيتوهات محاطة بالأسلاك، ومع إسكان المهاجرين اليهود فيها تحول الأصليون إلى أقلية مهمشة.
أما النموذج الثاني فهي مدن سكن فيها اليهود أيضا منها حيفا ويافا وبعد 1948 صار سكانها الفلسطينيون أقلية والنموذج الثالث هو مدن إسرائيلية أقيمت لاحقا وانتقل لها تدريجيا سكان من فلسطينيي الداخل مثل مدينة نتسيرت عليت ومدينة كرمئيل ومقابل هذه المدن هناك مدن فلسطينية كانت مختلطة قبل النكبة وتم تفريغها من الفلسطينيين بالكامل مثل طبرية وصفد وبيسان وصارت مدنا يهودية.
ويقول المعهد إن الأحداث الأخيرة دفعت للعناوين الرئيسية المدن المختلطة المنتمية للنموذج الأول: مدن كانت فلسطينية حتى 1948 وتم تهجير سكانها خلال حرب 1948 وعلى سبيل المثال اللد والرملة حيث بقي فيهما نحو 1000 فلسطيني كابدوا الفقر والضغوط الإسرائيلية بعدما تمت مصادرة وسلب ونهب ممتلكاتهم من قبل مؤسسات وأفراد وجنود في إسرائيل التي أسكنت مهاجرين يهودا في بيوت المطرودين وسط منعهم بفظاظة من العودة لديارهم على يد قوات الجيش وحرس الحدود والحكم العسكري.
كما يوضح “عكيفوت” أن سكان بعض القرى الفلسطينية المدمرة في محيط هذه المدن انتقلوا لها وصاروا لاجئين داخل وطنهم ويعرفون بالمهجرين والتحموا بالأعداد القليلة من سكانها الباقين فيها، منوها أن 30% من سكان اللد اليوم هم من العرب و 25 % من سكان الرملة وهكذا في عكا التي بلغ تعدادها عشية 1948 نحو 13 ألف نسمة كافتهم عرب واليوم ورغم التهجير الواسع باتوا يشكلون 30% من كل سكانها، يقيم معظمهم في البلدة القديمة وداخل أسوارها.
ويقول “عكيفوت” إن اللد والرملة هما مثال على الطريقة التمييزية الاستغلالية التي تعاملت بها إسرائيل مع المواطنين العرب الفلسطينيين فيها: سياسات سيطرة ورقابة على حركتهم مثل تكريس تبعية المواطنين الفلسطينيين في الاقتصاد اليهودي والفصل بينهم وبين السكان اليهود من منطلق أساسي لمنع تشكل سياسة فلسطينية قطرية جماعية.
وبرأي “عكيفوت” فإن قصة المدن التابعة للنموذج الثاني كحيفا تحتوي على مكونات مشابهة لتلك الموجودة في اللد والرملة: حتى حرب 1948 سادت في حيفا مساواة ديموغرافية بين اليهود وبين العرب وبعد الحرب بقيت حيفا الفلسطينية شبه فارغة وخاوية بعدما بقي من 70 ألفا نحو 3000 فقط تم تركيزهم سريعا في حي وادي النسناس وفي شارع عباس، وفي حيفا أيضا تمت مصادرة ممتلكات وأراضي الفلسطينيين وشهدت المدينة أعمال سلب ونهب واسعة لمقدرات الأهالي المهجرين منها أما اليوم فيشكل العرب الفلسطينيون في حيفا 12 % من سكانها ويعدون نحو 35 ألف نسمة.
ويستذكر المعهد الإسرائيلي أن زيادة السكان العرب الفلسطينيين في هذه المدن في السنوات الأخيرة هي نتيجة الهجرة من البلدات والقرى العربية منوها أن الانتقال لم يحسن جوهريا أحوالهم الاقتصادية- الاجتماعية ويتابع “ولم يؤد تمثيلهم في بلديات هذه المدن لتقليص التمييز ضدهم في تكريس الموارد وفعليا ما زالت الفجوات بين العرب واليهود كبيرة في مجالات الرفاه والسكن والتربية وغيرها”.
ويؤكد المعهد الإسرائيلي أيضا أن “هذه الفجوات علاوة على الوضع الاقتصادي- الاجتماعي المتدني للمواطنين العرب الفلسطينيين داخل هذه المدن تشكل واحدا من العوامل المركزية في ارتفاع الجريمة المتفشية فيها”.