المسرح العربي بين جدالات الهوية والقطرية

المقصود بالقراءة الثقافية هي، جملة من الإجراءات والنظم الأبستمولوجية التي يمارس من خلالها القارئ فاعليته في الكشف عن سؤال المعرفي والثقافي داخل النص، وهي عملية معقدة، تتطلب وعيا ثقافيا ومرجعيا وجماليا لدى القارئ والناقد على السواء، لكشف نقاط التقاطع والإحالة بين الثقافي والجمالي، والنظر في أهمية النص بوصفه وسيطا بين الأنساق الثقافية السائدة وفكر المبدع.
وهي تلتقي مع النقد الثقافي، الذي يفسر النص في ضوء الثقافة التي أنتجته، فهي قراءة تكشف عن منطق الفكر داخل النص، وتسعى إلى رصد التفاعل بين مرجعية النص الثقافية، والوعي الفردي للمبدع، فينطلق الناقد من الخلفية الثقافية للنص، مرورا بتأويل مقاصد المبدع ووعيه، وانتهاء بدور القارئ الناقد، حيث ينفتح المجال أمامه لتأويل العلاقة بين دور المضمون دلاليا وجماليا داخل النص، ودوره الاجتماعي في الثقافة، وإبراز قيمته الإنسانية في تشكيل الخطاب النقدي الثقافي.
والمسرح شأنه شأن كل الأشكال الأدبية والفنية، التي تم استيرادها من حركة الأدب الغربية، مثل الرواية والقصة القصيرة وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر والسينما، فكلها بدأت كبذرة بسيطة في الساحة الثقافية والفنية العربية، ثم نمت واستوت تدريجيا، حتى حققت شخصيتها الأدبية العربية المستقلة. ونعني باستقلال الشخصية الأدبية أنها باتت وعاء/ شكلا أدبيا معبرا عن واقع وأفكار وهموم ووجدان وآمال وتطلعات الإنسان العربي، أيا كانت بيئته الاجتماعية، بكل روافدها الثقافية.
وتندرج تحت هذا الاستقلال قضية المحلية، التي تصبغ العمل الأدبي، والتي يطلق عليها مسرحيا: التمصير (من مصر) أو اللبننة (من لبنان) إلخ، لأنها تتصل بقضية الهوية Identity، التي تتوزع ما بين هويات خارجية وجزئية وجمعوية، فالأفراد موجودون اجتماعيا في هوياتهم، فلا وجود لفرد قائم اجتماعيا، دون هوية، مثلما أنه لا يوجد مجتمع دون هوية، والهوية ليست توسطا بين الفرد والمجتمع، بقدر ما هي مكونة لتلك العلاقة، فالأفراد ليس لهم هوية واحدة، وإنما هويات متعددة، ذاتية وجزئية وكلية وجمعية، ولهذا فإن المواءمة بين هوية ما وذات فردية، تصبح فضفاضة بنيويا وتحتاج لمحددات ومواصفات أكثر، والأمر نفسه ينطبق على المجتمعات والدول والشعوب، فالهوية قضية معقدة وتتداخل فيها السمات الجسمانية، واللغة والتاريخ والمشتركات المحلية المكانية، وما فيها من تقاليد وعادات.

يمكننا قراءة تأصيل المسرح العربي في منظور الهوية في تقاطعها مع استراتيجيات القراءة والنقد الثقافي، التي تفسح المجال لقراءة مسيرة تأصيل المسرح العربي والبحث عن مرجعية فكرية وحضارية وثقافية له، بعدما ترسخت أقدام المسرح في البيئة الثقافية العربية، وتشكلت ذائقة شعبية له.

مع ضرورة الأخذ في الحسبان أن هناك اختلافا بين الجماعات العرقية والجماعات الثقافية، فصحيح أن الأعراق لها ثقافتها الخاصة بها، بما يسمى الفرادة الثقافية، لكنها تتفاعل مع الهوية الثقافية المشتركة في المجتمع الواحد، فيمكن للمجتمع متعدد الأعراق أن تكون له هوية كبرى تجمعه، وتحفظ خصوصية العرقيات التي تعيش فيه، دون تصارع أو تنافر.
إن الهوية في المجتمعات العربية، تعني أمورا عديدة، فهي أولاً تتصل بهويات متعددة، فهناك الهوية العامة الجمعية، التي تربط أبناء المجتمع العربي بالعالم الإسلامي الفسيح، ممثلة في رابطة الإسلام وثقافته وحضارته وامتداداته الجغرافية والتاريخية، ثم رابطة اللسان العربي بوصفه اللغة الأولى في الحضارة الإسلامية، والمعبرة عن ثقافة العرب اللغوية، ومن ثم تندرج هويات أخرى، تتصل بكل قطر وبلد عربي، وفق تكوينه المكاني والبيئي، في ما يسمى الثقافة المحلية، التي تنعكس في العادات والتقاليد والملابس واللهجات والمهن المختلفة.
وفي الوقت نفسه، هناك هويات قد تبدو متعارضة مع الهوية الجمعية العربية، ونعني بها هويات الأقليات مثل، الأمازيغ والنوبة والأكراد وغيرهم. كما توجد هويات أخرى هي روافد للشخصية العربية، تتمثل في الحضارات السابقة على الحضارة العربية الإسلامية، مثل الحضارة الفرعونية والقبطية في مصر، والبابلية والآشورية في العراق، والفينيقية في سورية ولبنان، والحضارة اليمنية القديمة وغيرها، وكلها ألقت ظلالها على الفكر العربي الحديث، مع ما كشفت عنه الأبحاث الأثرية في العصر الحديث، مما كان له الأثر الأكبر في تعميق جذور المكون التاريخي والحضاري للأمة، فلم يعد مقتصرا على الحضارة العربية الإسلامية، بل إن هناك جذورا ممتدة، تساهم في تكوين الشخصية الحضارية للإنسان العربي المعاصر، وهو ما انعكس في الأشكال الأدبية المختلفة، من خلال استلهاماتها المتعددة.
إن دعم تميز الشخصية العربية في العصر الحديث، يتأتى من تضافر الجهود الثقافية والفكرية والإبداعية، عبر رافدين متوازيينِ الأول: مقاومة التذويب، الذي يتمثل في عودة الوعي بالذات إلى الإنسان العربي، دون تضخيم، ودون إهدار لقيمته، ودون دعاوى كاذبة، بتعزيز انتماء العقل العربي على مستوى اللغة، ومستوى الفن، الذي يثري الوعي ويشبع الوجدان، وهذا الانتماء في بعديه الفكري والوجداني، الذي سيكون انتماء متجذرا في الثقافة، وتعبيرا أصيلا عن الهوية. والتراث هو المخزون الثقافي والمعرفي والرصيد الفكري والأيديولوجي الكامن وراء سلوكيات الفرد والجماعة، وأيضا اللاشعور الجمعي، علما بأن العقل العربي يتميز بكون التراث العربي مرتبطا باللغة العربية، وبنيتها الصوتية الثرية بجرسها المميز، مع الإسلام الذي هو مرجعية فكرية وأخلاقية وقيمية للشخصية العربية.
والرافد الثاني: هو التمركز والتجذر، الذي يعني التمسك بالثقافة العربية، الانفتاح على الثقافات الأخرى، ودعم الذات الحضارية، من خلال الإبداع ضمن هويتها. وقد تفتحت الهوية الثقافية العربية على عطاء الحضارة الغربية وفنونها، منذ القرن التاسع عشر، وتدعمت تدريجيا ونمت إبداعيا، عبر تجذير الإبداع في الحقل الثقافي العربي، والنهل من التراث، ومواجهة الذوبان.
يمكننا قراءة تأصيل المسرح العربي في منظور الهوية في تقاطعها مع استراتيجيات القراءة والنقد الثقافي، التي تفسح المجال لقراءة مسيرة تأصيل المسرح العربي والبحث عن مرجعية فكرية وحضارية وثقافية له، بعدما ترسخت أقدام المسرح في البيئة الثقافية العربية، وتشكلت ذائقة شعبية له، من خلال جهود الرواد والمبدعين المتتابعة، وهو ما ظهر واضحا في إقدام الكثيرين من الكتّاب على كتابة النصوص المسرحية المقدمة، وصبغها بالطابع الثقافي العربي والمحلي والاجتماعي، أو الاقتباس من النصوص المسرحية الغربية، وإنشاء الفرق والمعاهد التمثيلية.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية