يتخذ البحث عن الهوية في الفن المسرحي العربي أشكالا عدة؛ على صعيد النص مؤلّفا و مترجَّما ومقدَّما، الذي جاء زمنيا بعد قرابة قرن من الزمان على تعرّف العالم العربي على المسرح، حيث بدأ الإحساس بالهوية والرغبة في التميز إبداعيا منذ ستينيات القرن العشرين، بعد تحرر غالبية الدول العربية من الاستعمار الغربي العسكري، واشتداد الاعتزاز بالاستقلال الوطني، والرغبة في الحفاظ على الهوية، وهو ما امتد إلى مجال المسرح، وتجلّى في محاولات عديدة، سعت لترسيخ هوية عربية مسرحية، واضعة أعينها على التراث العربي، وعلى الواقع المعيش، وإن انشغلت كثيرا بقضية الشكل على حساب الطرح، وفي الطرح تنازعتها تيارات الاشتراكية والقومية والمحلية.
وإذا نظرنا إلى تجربة توفيق الحكيم، لما فيها من تميز وخصوصية، من خلال التراكم الإبداعي المسرحي في أعماله الكثيرة، وسعيه إلى تقديم مسرح فكري جاد، يكون بمثابة التأسيس للإبداع المسرحي المكتوب بالفصحى، الذي يغطي مختلف اتجاهات المسرح العالمي وفلسفاته، فقد نظر الحكيم إلى المسرح العربي المقدم في الربع الأول من القرن العشرين، فوجده أشكالا من الاقتباس والنقل والهزل، دون إبداع مكتوب، على غرار عيون المسرح العالمي، فصناع المسرح يكتفون بالترجمة، أو الاقتباس أو النقل أو التأليف، دون النظر إلى نشر العمل مكتوبا، ليكون تراثا يمكن الاستفادة منه، بدلا من حصره في تجربة مسرحية تمتد أسابيع أو شهورا . كما أن الحكيم أدرك في بعثته إلى فرنسا أن المسرح ليس فنا للفرجة فقط، فهو أبو الفنون والفكر والفلسفة، ولا يمكن حصره في عروض تغلب عليها التسلية أو الميلودراما، تريد إرضاء الجمهور بأي طريقة كانت؛ فعزم على كتابة نصوص مسرحية تعتني بالفكر أولا، وتؤصل للبنية المسرحية الأرسطية وما تلاها من تجديدات ثانيا، وتوجد تراكما إبداعيا مقروءا ثالثا، وتقدم إبداعا عربيا يمتاح من الفكر العالمي بشكل مستمر رابعا؛ وهو ما انعكس على نتاجه الغزير والمتتابع، الذي لا يمكن لأي دارس للمسرح العربي أن يتجاوزه، فكريا أو فنيا.
لذا من المهم التطرق إلى القضية الشائكة، التي هي التطبيق المباشر لمفهوم الهوية في المسرح العربي، ونعني بها قضية تأصيل المسرح عربيا، وهي القضية التي ألحّ عليها عدد من الفنانين المسرحيين، وانشغل به كتّاب المسرح ومبدعوه، فتطلعوا إلى التراث العربي، ينهلون منه ما يمكن أن يكون إضافة على حركة المسرح العالمي، فظهرت اجتهادات عديدة، بعضها اقتصر على التنظير، والآخر وجد الفرصة للتنفيذ والتقديم، وللأسف لم تستمر هذه الجهود بعد ذلك، فكأنها مجرد أصداء لأصوات صارخة، سرعان ما تلاشت حماستها، دون أن تجد من يبني عليها. وفي اعتقادي أن القضية لا تنحصر في إيجاد شكل مسرحي ما أو طروحات فكرية، وإنما هي قضية نهضوية تخص الأمة كلها، فالمسرح مرآة عاكسة لتقدم الأمة وتطورها، يتوقف على قدر ما تصيب حظا من النهضة العلمية والفكرية المدعومة بمناخات واسعة من الحرية والإبداع والممارسة والتفاعل مع الجمهور دون رقابة السلطة، أو هيمنة مؤسساتها عليه.
إن القالب المسرحي هو الوجه الأبرز في قضية الهوية في المسرح العربي، لأنه علامة معبرة عن تطلع المسرحيين العرب لإيجاد هوية عربية حضارية للمسرح العربي، بدلا من ارتكازه على الشكل الغربي.
فالمسرح – كفن – يمتاز بأن الفنان يلمس تفاعل الجمهور وتلقيه لفنه بشكل حي وهو واقف على المسرح، ثم في الحوارات المختلفة مع الجمهور بعد المسرحية، بما يساهم في تطوير التجربة ونضجها، على مستوى النص والأداء والفكر، والإحساس بهموم الناس والرغبة في التعبير عنها، ما يدفع الفنان إلى تقديم تجارب مسرحية بأشكال مختلفة، لا يشترط أن تكون في المبنى التقليدي للمسرح، وإنما شرطها أن تحظى باهتمام الجمهور وتذوقه.
وهذا ديدن تراثنا التمثيلي العربي، حيث كان الممثل يواجه الجمهور ـ قل عدده أو كثر ـ بأداء مسرحي قوامه الارتجال، والحكي، وتمثيل شخصيات متعددة، والتنقل بين الفكاهي والجاد، فهدفه في النهاية إمتاع المتفرجين، وإشباع ذائقتهم، فهو حر في صياغة نصه وتغييره والتجديد فيه.
إن القالب المسرحي هو الوجه الأبرز في قضية الهوية في المسرح العربي، لأنه علامة معبرة عن تطلع المسرحيين العرب لإيجاد هوية عربية حضارية للمسرح العربي، بدلا من ارتكازه على الشكل الغربي، أي انتقاله من دائرة الاستيراد للأشكال الغربية، إلى دائرة التميز بإيجاد شكل عربي، يحمل خصوصية الثقافة العربية وينبع من تراثها التمثيلي الشعبي. وقد برزت هذه الدعوة خلال عقد الستينيات من القرن العشرين، حيث ارتفع الفكر القومي العربي في الساحة السياسية العربية، تبنته نظم سياسية تولت الحكم بعد انجلاء المستعمر الغربي، وزاد الإحساس بالهوية العربية، والرغبة في التحرر من الإرث الاستعماري والتغريب، بجانب تسيد النزعة الاشتراكية الاجتماعية المنتصرة للفقراء في الساحة الفكرية، ووجود أحزاب سلطوية مؤيدة لها، فوجدت هذه الدعوات تأييدا فكريا وأيضا جماهيريا من مشاهدي المسرح، ودعما سياسيا تمثل في احتضان مسارح الدولة لإنتاج بعض هذه التجارب.
وهذا ما يفسر الاجتهادات العربية التي تمت في سبيل ذلك، حيث جاءت في دعوات مع نماذج تطبيقية، تدور كلها في إطار النظر في التراث المسرحي العربي، مع تبني قضايا جماهيرية، مثل معالجة الفقر والفساد، ومواجهة الظلم الاجتماعي، وهيمنة الطبقات الرأسمالية على مقدرات الأوطان، ورفض أشكال الاستغلال. لكن لا بد من أن نؤكد على أنه من الصعب النظر إلى البحث عن هوية عربية للمسرح، في ظل تغييب أجواء الحرية بشكل عام في العالم العربي، وإن وجدت فهي هامشية أو محدودة أو منفتحة بدرجات قليلة، فلا يمكن إيجاد هوية مسرحية إلا في مناخ ديمقراطي واسع، يتفاعل فيه الجمهور مع صناع المسرح، ويعي صناع المسرح حاجات الجمهور، إلا أن الحقيقة التي لا مراء فيها، أن مسيرة المسرح العربي الممتدة لما يقارب قرنين من الزمان شهدت تغيرات وتجارب ورؤى كثيرة، قادها الرواد المؤسسون، ورسّخها الفنانون المبدعون، وبعضهم اعتمد على نصوص منقولة عن الغرب، والبعض الآخر قدم نصوصا مؤلفة محليا، وكان القاسم المشترك بينهم جميعا التحيز لما يطلبه الجمهور وحاجاته الفنية والنفسية والذائقة، حتى لو كان المسرح المقدم هزليا ضاحكا، إلا أنه في النهاية أوجد جمهورا محبا للمسرح.
كاتب وأكاديمي مصري