نعالج في هذا المقال تداخل فنون الرواية (القصة) ومسرح الفودفيل الترفيهي، مع الشكل المسرحي في المسرح العربي في الحقبة الأولى من القرن العشرين، فلم يكن الشكل المسرحي المقدم يعتمد نصا مسرحيا بكل شروطه ومقاييسه، وإنما تداخل فيه الفن الروائي بشكل واضح.
فقد جاءت مسرحية فرح أنطون، المعروفة بـ«مصر الجديدة ومصر القديمة» عام 1913 وقد صيغت في شكل يجمع بين المسرح والرواية، وإن كان فيه الكثير من أصل أوروبي، أُخذِت عنه، ليعرض تطلعات مصر وآمالها في القرن العشرين، عبر تشجيع قيام طبقة منتجة تقوم بكل ما من شأنه رفعة الوطن، من مشروعات وصناعات. وسبقتها مسرحية «صدق الإخاء» لإسماعيل عاصم عام 1894 التي تدور حول تبصير الأغنياء بمضار الترف، وتبديد الثروات، كما تدعو إلى الحرية والتعليم، ووحدة المصريين لمواجهة طمع الغريب في أراضيهم. فكانت البشير الأول لتأسيس نصوص مسرحية عربية، ذات توجه اجتماعي، وإن اتخذت شكلا فنيا يجمع بين المقامة والمسرحية. وقد قدّمت هذه المسرحية في تونس الخضراء، وتفاعل معها الجمهور كثيرا، وتكونت حولها حركة مسرحية بين تونس ومصر، مع فرقة القرداحي التونسية.
سنلاحظ أن المسرحيتين السابقتين، تمثلان مع غيرهما أولى المحاولات لمسرح ينحاز إلى قضايا الوطن والشعب، والإحساس بالهم السياسي في التبعية للوطن للقوى الاستعمارية المحتلة، وضعف البنية الثقافية والاقتصادية للوطن، والتطلع إلى المستقبل. ويتضح من عنواني المسرحيتين الرسالة المباشرة المتوخاة منهما، والخطابية المتوقعة في حواراتهما، بجانب عدم اتقان المؤلفين لمهارات الكتابة، فالمسرحية الثانية تداخلت مع فن المقامة الموروث، الذي عاد للازدهار مع كتاب «حديث عيسى بن هشام» لمحمد المويلحي (1858 – 1930) الذي صدر في بداية القرن العشرين ( 1907) ويعيد الكاتب إحياء شخصية عيسى بن هشام الراوية لمقامات بديع الزمان الهمذاني، وينتهج أسلوب المقامات اللغوي البليغ، مع خفة الظل، متخذا من رؤيا المنام موضوعا شيقا وبناءً يستغله متعرضا لأخلاق الناس، في المجتمع ومعاملاتهم وتقييمها، وطبيعة علاقاتهم في الطبقات الاجتماعية المختلفة، فيرصد نقائص الأخلاق وما يعيبُ الإنسانَ منها، حيث يقول المؤلف في مقدمة الطبعة الرابعة: «هذا الحديث حديث عيسى بن هِشَام وإن كان في نفسه موضوعا على نسق التخييل والتصوير، فهو حقيقة متبرّجة في ثوب خيال، لا أنه خيال مسبوك في قالَب حقيقة، حاولنا أن نشرح به أخلاق أهل العصر وأطوارَهم، وأن نصف ما عليه الناس في مختلَف طبقاتهم من النقائص التي يتعين اجتنابها، والفضائل التي يجب التزامها. وقد وجد الكتاب صدى حسنا لدى الجمهور، وربما كان هذا دافعا لمؤلف «صدى الإخاء» لاستثمار صيت مقامات المويلحي بين الناس.
أما مسرحية فرح أنطون فكانت متأثرة بانتشار فن الرواية بين القراء منذ أواخر القرن التاسع عشر، وفي مطلع القرن العشرين، خاصة الروايات البوليسية والغرامية المترجمة، بجانب صدور أول رواية عربية «زينب» لمحمد حسين هيكل ( 1914) وكيف أنها وصفت الحياة في ريف مصر، وتطلعت إلى عالم جديد، تجد المرأة فيه ذاتها، وتظفر بحياة أسرية أساسها الحب، وتتحدى قهر التقاليد الاجتماعية، وهي أجواء مسرحية « مصر القديمة ومصر الجديدة» نفسها، التي مزج فيها المؤلف بين الرواية والشكل المسرحي، وصاغ رغبات الناس وتطلعاتهم في هذه الفترة.
وقد كان لعزيز عيد الفضل في تأسيس أول فرقة مسرحية محلية عام 1907 لتمثيل مسرح الفودفيل، الذي هو نوع مسرحي من وسائل الترفيه المتنوعة، وكان شعبيا منتشرا، خاصة في الولايات المتحدة وكندا، منذ بداية 1880 حتى أوائل 1930. ويتكون الفودفيل من سلسلة من فصول وأعمال لا علاقة لها ببعضها يجمعها قانون مشترك، وأيضا يشمل أعمال الموسيقيين الشعبية والكلاسيكية، والمغنيين والراقصين والكوميديين، والحيوانات المدربة والسحرة ومنتحلي الإناث والذكور والأكروبات والأغاني المصورة واللاعبين، ومسرحيات من فصل واحد أو مشاهد من مسرحيات، والرياضيين ومحاضرات المشاهير والمنشدين والأفلام.
والملمح الأبرز في هذه الفترة، وفي ضوء تجربة عزيز عيد، الذي حاول تقديم مسرح جاد، أن الجمهور لا يزال راغبا في المسرح الغنائي، وأن النقل المباشر من المسرح الغربي غير مجد، مع جمهور يرى أن المسرح فن للترفيه والتسلية.
وقد نشر عزيز عيد هذا الفن، فقد كان متمتعا بقدرات عالية في التمثيل والتأليف والإخراج، فتولى تدريب أعضاء الفرقة، وانضم إليهم نجيب الريحاني وغيره من ممثلي الفرق الأخرى، وقد قدمت مسرحياتها في دار التمثيل العربي والتياترو المصري (مسرح إسكندر فرح) وكذلك في الإسكندرية، حتى توقف نشاطها في نهاية ديسمبر/كانون الأول 1908. بعدما قدمت مسرحيات عديدة مأخوذة من الغرب، بجانب مسرحيات مصرية، كتبها بعض الهواة مثل سليم النجار، وكانت حفلاتها تنتهي عادة بفصول مضحكة وصور متحركة أو قصائد شعرية. وفي المحصلة النهائية لتجربتها، فإن الجمهور لم يستسغ كثيرا الفودفيل الفرنسي المعرب، أو المسرحيات الخالية من الطرب.
والملمح الأبرز في هذه الفترة، وفي ضوء تجربة عزيز عيد، الذي حاول تقديم مسرح جاد، أن الجمهور لا يزال راغبا في المسرح الغنائي، وأن النقل المباشر من المسرح الغربي غير مجد، مع جمهور يرى أن المسرح فن للترفيه والتسلية. توازى هذا مع ما يسمى بالنهج التأصيلي والذي ظهر في مسرح إبراهيم رمزي (1884 – 1949) من خلال مسرحيات عديدة تاريخية واجتماعية وغنائية، أبرزها: الحاكم بأمر الله (1914) «أبطال المنصورة» (1915) «بنت الإخشيد» (1916) «البدوية» (1918) «صرخة طفل» (1923) والأخيرة تتناول قصة محام شاب ناجح، متزوج من امرأة جميلة، دون إنجاب أطفال لمدة خمس سنوات، وهو ما يجعل زوجته في حالة عصبية وتوتر دائمين، وتتهم زوجها بإهمالها وانشغاله بعمله، لذا تسعى إلى الإيقاع بطبيب شاب، أحب أختها، وسعى إلى الزواج منها. ومن الواضح أن جهود إبراهيم رمزي في تأليفه المسرحي ارتكزت على أحداث وشخصيات تاريخية، مع القضايا الاجتماعية، وقد استفاد كثيرا من إتقانه للغة الإنكليزية، ومن ترجماته العديدة، وإن كان يؤخذ حواره المسرحي – في مسرحياته الاجتماعية – المتأنق بالفصحى التي تعود إلى صدر الإسلام، ولا تتناسب مع الفروق النفسية بين الشخصيات، ولا المفردات المستخدمة في الواقع المعيش.
وفي التوقيت نفسه ظهر محمد تيمور، الذي صاغ مسرحيات جيدة البناء، وإن كانت منقولة عن الفرنسية في الغالب الأعم، مع إعادة تمصيرها وتقريبها إلى الواقع المصري، وابتكار شخصيات وحوادث يُتصوَّر وقوعها في مصر، مع إدارة حوار درامي مستخدما اللغة العامية الدارجة على ألسنة المثقفين، كما في مسرحياته «العصفور في القفص» (1918) «عبد الستار أفندي» (1918).
كاتب مصري